شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

الانتخابات الإسرائيلية

الانتخابات الإسرائيلية

تكتسب الانتخابات الإسرائيلية الاخيرة أهمية تاريخية بالنسبة لإسرائيل ومستقبلها، لا سيما وأنها تاتي في أعقاب سلسلة من الأحداث المفصلية؛ بدءاً من التطورات في قطاع غزة، وصولاً إلى صراعات إسرائيل مع كل من لبنان وسوريا وإيران __ حيث أدت المواجهة مع الأخيرة، ولأول مرة، إلى انخراط الولايات المتحدة بشكل مباشر في الصراع. ويضاف إلى ذلك الاعتداءات الوحشية في القدس—التي طالت مقدساتها الإسلامية والمسيحية __ و في الضفة الغربية، إلى جانب ممارسات المستوطنين العدوانية التي لا تجد من يردعها. وقد فشلت إسرائيل في حسم أي من هذه القضايا بشكل نهائي، أو في إعادة تشكيل الصراع الإقليمي وفقاً للرؤية التي كانت تطمح إليها. وفي الوقت ذاته، يلوح في الأفق احتمال نشوب صراع أوسع نطاقاً، تغذيه تحولات جوهرية؛ كتوسع إيران وما يُعرف بـ " محورها "، وامتداد نفوذها وصولاً إلى مضيق باب المندب، فضلاً عن تطورات الأوضاع في سوريا.وعلاوة على ذلك، فإن دخول فاعلين إقليميين جدد __مثل تركيا_إلى جانب الأدوار التي تلعبها قوى دولية كبرى كالصين وروسيا، يشير إلى احتمالية حدوث إعادة تشكيل جغرافية وديموغرافية جديدة للمنطقة بأكملها .إن غياب نتيجة حاسمة سيترك المجتمع الإسرائيلي في حالة من القلق والخوف. فقد أخفقت صناديق الاقتراع في تحديد الملامح المستقبلية لهذا المجتمع؛ وبدلاً من ذلك، أكدت نتائج الانتخابات أن المجتمع الإسرائيلي يتألف من أربع شرائح متصارعة، وهي شرائح – رغم - تقارب نسبها العددية - تتمتع كل منها بوزن وتأثير كبيرين.1. الصهيونية العلمانية: وهي الركيزة الأساسية للدولة، وتشكّل أكثر من 60% من السكان. تنقسم هذه الفئة إلى تيارات يسارية ووسطية ويمينية؛ ورغم اختلافها في الفلسفات الاجتماعية، إلا أنها تلتقي إلى حد كبير حول الحلول السياسية، لا سيما فيما يتعلق بحقوق الفلسطينيين ومبدأ قيام دولة فلسطينية .2. الصهيونية الدينية: سعت هذه الحركة إلى ربط الدين بالقومية في مسارها السياسي، متبنية المنطق التاريخي ل "الدولة الدينية" - وهو مفهوم حاول التيار العلماني تجاوزه. وقد اتخذت هذه الحركة طابعاً ثيوقراطياً ( دينياً ) متشدداً بشكل متزايد، ممتدةً من نهج مائير كاهانا وصولاً إلى شخصيات معاصرة مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش.3. الحريديم (اليهود الأرثوذكس المتشددون): تتزايد أعدادهم بسرعة، ويتوسع تأثيرهم في الحياة السياسية، رغم تراجع نسبة مشاركتهم في التصويت مؤخراً كرد فعل على بنيامين نتنياهو وطريقة تعامله معهم. وتتمحور اهتماماتهم الرئيسية حول المخصصات المالية، والإعفاء من الخدمة العسكرية، ودعم المدارس الدينية (اليشيفوت). وهم يتسمون ببراغماتية عالية، حيث يبدون استعداداً للتعاون مع الكتل .السياسية سواء كانت يسارية أو يمينية، بشرط ضمان مصالحهم في أي حكومة مستقبلية.4. الفلسطينيون داخل لخط الأخضر": أؤكد على هذا المصطلح تحديداً، لأن إصرارإسرائيل على تسميتهم "عرب ال 48" هو محاولة متعمدة لمحو اسم 'فلسطين". وتهدف هذه التسمية إلى إيهام العالم - ولا سيما الغرب - بأن هؤلاء الأفراد ليسوا من السكان الأصليين لأرض فلسطين، بل جاؤوا من المنطقة العربية المحيطة. كما تخدم هذه الرواية التمهيد لاحتمالية سحب جنسيتهم وطردهم في نهاية المطاف. علاوة على ذلك، عانت هذه المجموعة أيضاً من الظلم الذي لحق بها من العالم العربي الأوسع - كنتيجة لا تفاقية سايكسبيكو ووعد بلفور - مما أدى في مرحلة ما إلى تصنيفهم كـ "سرائيليين". (سنعود إلى هذه النقطة لاحقاً). ومن خلال وصفهم بـ " العرب الفلسطينيين " ، يتضح أنهم يمثلون حجر الزاوية في مسار الأحداث.فيما يتعلق بنتائج الانتخابات، كان الانتلاف الحاكم السابق يشغل 64 مقعداً في الكنيست؛ منها 32 مقعداً لحزب الليكود، و18 مقعداً للأحزاب الحريدية و14 مقعداً لكتلة الصهيونية الدينية. وكانت استطلاعات الرأي تتوقع حصول الانتلاف على ما بين 50 و 52 مقعداً، بينما جاءت النتيجة الفعلية 53 مقعداً، وهو رقم قريب من تقديرات الاستطلاعات. ومن اللافت أن الانتلاف خسر 11 مقعداً في المجموع؛ إذ تراجع رصيد الليكود من 32 إلى 27 مقعداً، وانخفض نصيب الأحزاب الحريدية إلى 13 مقعداً، وهي خسارة ملموسة. ومع أن هذه النتائج تتسق مع بيانات استطلاعات الرأي المتاحة، فقد طرأ تغيير على التركيبة الداخلية للائتلاف؛ فعلى سبيل المثال، كانت بعض الاستطلاعات تتوقع ألا يحصد حزب الليكود أكثر من 20 إلى 21 مقعداً.جاءت هذه الزيادة على حساب معسكره [معسكر نتنياهو] نفسه؛ وتحديداً بخسارة خمسة مقاعد من حصة " الحريديم " ومقعد واحد من معسكر " الصهيونية الدينية". ويُعزى ذلك إلى الحملة التحريضية التي شنها نتنياهو، والتي ركزت حصراً على دعم حزب "الليكود"، بينما امتنع عن الدعوة لصالح الانتلاف أو الفصائل الأخرى داخل معسكره. وقد أدى هذا إلى نشوء شرخ حالي بينه وبين "الحريديم" على وجه الخصوص. وفي المقابل، حصل "معسكر التغيير" على 48 مقعداً، وهو رقم يقترب من التوقعات التي أشارت إلى حصوله على ما بين 51و53 مقعداً. ولا يمثل هذا سوى إنجاز متواضع مقارنة بالمقاعد ال 46 التي كان يشغلها هذا المعسكر في الكنيست السابق، مما يشير إلى أنه فشل في الاستفادة الكاملة من تراجع الائتلاف الحاكم. علاوة على ذلك، لم يحصل آيزنكوت -رغم خلفيته العسكرية وكونه رئيساً سابقاً للأركان- سوى على 20 إلى 21 مقعداً. وربما لعبت أصوله كـ "مزراحي" 'يهودي من أصول شرقية/سفاردية) دوراً في ذلك؛ فلو نجع في الوصول إلى منصب رئيس الوزراء، لكان اول " شرفي " يتولى هذا المنصب ، وهو ماكان سيشكل تحولا تاريخيا مهما .وعند تدقيق التصويث لدى الطائفة الدرزيه يتضح ان اصواتها ذهبت لاقل من 20% لمعسكر اليمين والباقي ذهب الي ليبرمان و ازينكوت والقوائم الموحده والمشتركه وحصدت هذه الطائفه على ثلاث مقاعد من الكتل المختلفه ولم تفلح محاولات نتنياهو استغلال احداث السويداء في سوريا لصالحه .وتشير الملاحظات والاستنتاجات إلى أن المجتمع الإسرائيلي يواصل ميله نحو اليمين؛ فقد حصل الحزب الأكثر اعتدالاً - وهو حزب " الديمقراطيين " على ثمانية مقاعد فقط، رغم أن جزءاً من قاعدته الانتخادية يتكون من الفلسطينيين. وفي المقابل، ذهبت المقاعد الثمانون التي تسيطر عليها الكتل اليهودية والصهيونية ( باستثناء " الحريديم") لصالح اليمين العلماني في كلا المعسكرين السياسيين. حدث تحولٌ جوهريِّ تمثّل في القوائم الفلسطينية(الموحدة والمشتركة) التي حصدت 19 مقعداً، متجاوزةً بذلك سقف التوقعات الذي لم يتجاوز 15 مقعداً في استطلاعات الرأي. أما ارتفاع نسبة التصويت في أوساط المجتمع الفلسطيني -وهو مستوى لم يُشهد له مثيل منذ عام 1999، حيث قفزت المشاركة من 52% في الانتخابات السابقة إلى نحو 80% في الانتخابات الحالية- فيُعدّ رد فعل على الاضطهاد الذي تواجهه هذه الفئة؛ ويشمل ذلك تفشي الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات - التي غالباً ما تتم تحت حماية الشرطة- إلى جانب مظالم أخرى محددة. علاوة على ذلك، كان تعاطفهم مع الأحداث في غزة والضفة الغربية، والانتهاكات بحق المسجد الأقصى .وغيره من المقدسات الإسلامية والمسيحية، فضلا عن التوتر الإقليمي العام، عوامل حاسمة في تعزيز هذه المشاركة. وقد تؤثر هذه النسبة المرتفعة من المشاركة على تشكيل الحكومة المقبلة، في ظل الانقسامات العميقة داخل المجتمع الصهيوني-اليهودي. وفيما يتعلق بآفاق تشكيل الحكومة القادمة، يبدو من الصعب على نتنياهو القيام بذلك؛ نظراً للتناقضات الداخلية في انتلافه الحالي -لا سيما فيما يخص " الحريدم " - وصعوبة ضم أي فصائل من معسكر " التغيير" ( مثل تلك التي يقودها لابيد أو بينيت أو ليبرمان). كما أن الخلافات الحادة التي يخوضها نتنياهو مع جميع الأطراف - سواء داخل ائتلافه أو خارجه - تشكل عاملا شخصياً يزيد من تعقيد العملية. وللأسباب ذاتها، ستبرز صعوبات مماثلة إذا ما حاول شخص مثل آيزنكوت، من معسكر " التغيير"، تشكيل حكومة تضم كتل من الانتلاف الحاكم حالياً. وتكمن الصعوبة في تشكيل حكومة وحدة و الابتعاد عن بـ " الصهيونية الدينية"- في إصرار نتنياهو على تولي منصب رئيس الوزراء، باعتبار حزبه هو الأكبر؛ وهو أمر من شأنه أن يؤدي على الأرجح إلى تصدعات داخل معسكر ' التغيير". وإذا ما استُبعدت السيناريوهات المذكورة أعلاه، فإن النتيجة الأكثر ترجيحاً هي كالتالي:1. تشكيل حكومة من قبل " معسكر التغيير"، تضم القائمة العربية الموحدة ("رعَم") كشريك في الائتلاف مع توفير " القائمه المشتركه " الدعم من الخارج تضمن هذه الصيغه الحصول على 67 مقعدا – شريطه تجاوز فيتو ليبرمان _وقد تكون مقبوله لدى كل من بينيت ولابيد و" الديمقراطين " وفي حال استمر ليبرمان في معارضته، يمكن تجاوزه من خلال ضم إحدى الكتل الحريدية إلى الائتلاف. 2. تشكيل حكومة تتألف من " معسكر التغيير" (48 مقعداً) والأحزاب الحريدية (13 مقعداً)، ليبلغ المجموع 61 مقعداً. ومن المرجح ألا تمانع الأحزاب الحريدية هذا الترتيب، بشرط تلبية مصالحها. وإذا أصر ليبرمان على رفضه مشاركة الحريديم، يمكن انضمام القائمة العربية الموحدة إلى الائتلاف، مع حصوله على دعم خارجي من " القائمة المشتركة"؛ وهو ما سيخلق أغلبية مريحة. في الواقع، قد يكون ضم الحريديم هو المسار الأسهل بافتراض أن الهدف الرئيسي لجميع الأطراف هو إزاحة نتنياهو وتيار " الصهيونية الدينية" عن السلطة. ومن المرجح أن يحظى هذا الخيار بدعم دولي واسع . 3. الاحتمال الأخير هو إجراء انتخابات جديدة؛ غير أن هذا الخيار سيواجه معارضة من " معسكر التغيير" والقوائم السياسية العربية، كونه يخدم في المقام الأول مصالح نتنياهو .وبشكل عام، تسلط هذه السيناريوهات الضوء على حجم الهزيمة التي مني بها نتنياهو، مما يجعله مقيداً بمعادلات سياسية صعبة ومعقدة؛ وهو وضع قد يدفعه للإقدام على مغامرة جديدة ومحفوفة بالمخاطر، سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي.باختصار، يتعلق ما جرى بمكون فلسطيني ظل مهمشاً منذ تأسيس إسرائيل عام 1948. في السابق، لم تكن هذه المجموعة ممثلة إلا من خلال حزب " راكاح" (الحزب الشيوعي سابقاً , وحزب" حداش " حالياً ) أو عبر قوائم مثل "مابام" أو ماباي" ( حزب العمل + حزب العمال ) . لم يتغير هذا الوضع حتى منتصف ثمانينيات القرن العشرين، وحتى حينها، ظل تأثير هذا المكون هامشياً، رغم الأحداث الجسام التي شهدتها المنطقة. أما اليوم، وفي أعقاب عملية التصويت هذه، فقد بات هذا المكون عنصراً حيوياً وجوهرياً في تشكيل المسار المستقبلي لإسرائيل. ومن المرجح أن يشكل هذا التطور صدمة للفكر الصهيوني، مما قد يدفع نحو محاولات مستقبلية لابتكار أطر جديدة -تبدو ديمقراطية في ظاهرها، لكنها تندرج ضمن الهيكل الديمقراطي القائم للدولة، المصمم في جوهره لخدمة طابعها الصهيوني اليهودي- تهدف تحديداً إلى كبح نفوذ هذه المجموعة السكانية. ويظل السؤال الأكثر إلحاحاً: هل يعكس المشهد السياسي الراهن داخل هذا الكيان مجتمعاً سليماً ، أم مجتمعاً مضطرباً ينوء تحت وطأة التوترات، ويحمل في طياته بذور الضغينة وعدم الاستقرار المستقبلي؟ فبعد أن بلغ هذا الكيان ذروة قوته -التي تأسست على نهج الهيمنة والقوة الغاشمة، ومن خلالها خاض معارك كبرى ومصيرية- يبدو اليوم وكأنه يسلك منحنى تنازلياً . إن ظهور هذه المشكلات العميقة والبنيوية قد يؤدي إلى صراعات داخلية، وربما حتى إلى حرب أهلية سياسية. وقد يفضي سيناريو كهذا، في نهاية المطاف، إلى نشوء هياكل اجتماعية جديدة ورؤى بديلة للتعايش، في الوقت الذي تحاول فيه المكونات المختلفة داخل هذا المجتمع التعامل مع واقع تغير جذرياً، سواء من حيث تركيبته أو من حيث تعريفه لذاته .

المصدر: عمون