شح المياه وتجريف البساتين والآفات تحاصر نخيل "الأنبار" وتهدد إرثاً زراعياً متوارثاً!
الأنبار/ ستار شافعي
تواجه بساتين النخيل في الأنبار تحديات تهدد أعداد أشجارها وإنتاج التمور، أبرزها ندرة المياه وانخفاض مناسيب الفرات وملوحة التربة، إلى جانب الآفات. ومع تراجع الجدوى الاقتصادية، يتخلى بعض المزارعين عن زراعة النخيل، فيما يؤدي تجريف البساتين وتحويلها إلى أراضٍ سكنية إلى تقلص المساحات الخضراء والإضرار بالبيئة والتنوع الحيوي والتربة.
ويقول المستشار في وزارة الزراعة إيهاب أحمد، خلال حديثه لـ"المدى"، إن تراجع أعداد النخيل وإنتاج التمور يرتبطان بعوامل عدة، في مقدمتها ندرة المياه في المناطق البعيدة عن الفرات، ولا سيما أن الأنبار محافظة ذات طبيعة صحراوية، وتضم مناطق واسعة يصعب إيصال المياه إليها.
ويضيف أن انخفاض مناسيب النهر دفع مزارعين إلى حفر الآبار واستخدام مياهها لري البساتين، رغم احتوائها على الأملاح. ومع ارتفاع الحرارة وزيادة التبخر، تتراكم الأملاح في التربة وتتراجع خصوبتها، ما يضعف أشجار النخيل ويؤثر في نموها وإنتاجيتها.
ويشير إلى أن تراجع المياه أجبر المزارعين على الاعتماد على نظام "المراشنة"، أي توزيع المياه وفق جداول زمنية بين المناطق والمزارعين، ما يصعب إيصالها إلى البساتين البعيدة عن الفرات. ويدفع ذلك الفلاحين إلى إعطاء الأولوية للبساتين القريبة من مصادر المياه وترك أخرى للجفاف والتلف.
ويوضح أن العواصف الغبارية تسهم في انتشار آفات، منها العنكبوت الأحمر المعروف محلياً بالعنكبوت الغباري، فيما تؤدي الرياح الشديدة إلى تكسر العذوق أو سقوط الأشجار، خصوصاً النخيل القديم غير المجدد.
عوائد لا تغطي التكاليف
وفي موازاة الضغوط البيئية، يقول أحمد إن المزارعين يواجهون تحديات اقتصادية تجعل زراعة النخيل أقل جدوى، إذ قد تتجاوز تكاليف الري والعمال والتلقيح ومكافحة الآفات والأسمدة عائدات بيع التمور.
ويضيف أن نقص الدعم الحكومي، سواء في مستلزمات الإنتاج أو الإرشاد والمبيدات والأسمدة المدعومة، يزيد الأعباء المالية. وتتفاقم المشكلة مع ارتفاع تكاليف منظومات الري والأنابيب والمضخات في البساتين التي يصعب إيصال المياه إليها عبر السواقي، بعد تمدد المدن واندثار بعض القناطر والمبازل.
ويشير إلى أن ضعف التسويق ومحدودية التصدير والصناعات التحويلية تحد من الاستفادة الاقتصادية من المحصول. وقلة المعامل المتخصصة تحد من القيمة المضافة، وتدفع مزارعين إلى زراعة الخضروات والحمضيات والجت والحنطة، بحثاً عن عائد أفضل وتكاليف إنتاج أقل.
تجريف البساتين يفاقم الخسائر
وإلى جانب التحديات الزراعية والاقتصادية، يوضح أحمد أن التوسع السكاني والحاجة إلى الأراضي السكنية يضغطان على بساتين النخيل، إذ يجرف بعض المزارعين بساتينهم ويقسمونها إلى قطع لبناء مساكن لأبنائهم، مستفيدين من قربها من شبكات المياه والكهرباء مقارنة بمناطق تفتقر إلى الخدمات.
ويحذر من أن استبدال البساتين بالمباني والكتل الكونكريتية يقلص المساحات الخضراء، ويفاقم الجزر الحرارية الحضرية، ويفقد الطيور والكائنات الحية موائلها، فضلاً عن الإضرار بالأحياء الدقيقة المهمة لخصوبة التربة.
سوسة النخيل تهدد الأشجار
ومن أبرز المخاطر التي تواجه بساتين الأنبار سوسة النخيل الحمراء، وهي آفة خطيرة تتلف الأنسجة الداخلية للنخلة، وقد تؤدي الإصابة المتقدمة إلى موت الشجرة.
ويشرح أحمد أن يرقات السوسة تتغذى على الأنسجة الداخلية لجذع النخلة وتحفر أنفاقاً فيه، ما يضعف الشجرة، وقد تظهر الإصابة المتقدمة على هيئة تلف واضح وروائح كريهة بسبب تحلل الأنسجة. ويضيف أن نقل الفسائل وأجزاء النخيل المصابة يسهم في انتقال الآفة، ما يجعل مراقبة المواد النباتية والكشف المبكر ضروريين للحد من انتشارها.
ويقترح نشر المصائد الفرمونية، وتشكيل فرق متخصصة لفحص النخيل ومكافحة الإصابات، وتخصيص رقم طوارئ لبلاغات المزارعين، وتكثيف الندوات الإرشادية والرقابة على نقل الفسائل والنخيل، وإخضاع المواد النباتية المستوردة للفحوص الحجرية.
ويرى أحمد أن تطوير تسويق التمور وإنشاء معامل للتعليب والتصنيع يرفعان القيمة الاقتصادية للمحصول، ويوفران فرص عمل، ويمنحان المزارعين حافزاً للاستمرار في زراعة النخيل.
ويقترح تنظيم مهرجان سنوي للتمور، وإطلاق مسابقات لتكريم أصحاب الإنتاجية المرتفعة والمتميزين في جودة المحصول، لتشجيع المنافسة ونشر الوعي بأهمية الحفاظ على البساتين والأصناف المحلية.
ومن جانبه، يقول المسؤول الرقابي في وزارة الزراعة عبدالله الحمداني، خلال حديثه لـ"المدى"، إن سوسة النخيل الحمراء من أخطر الآفات، وقد تؤدي إلى موت النخلة خلال مدة لا تتجاوز ستة أشهر. ويضيف أن الحشرة تُعرف بـ"العدو الخفي" و"سرطان النخيل" لصعوبة اكتشافها، خصوصاً في طورها اليرقي داخل جذع النخلة.
ويشير الحمداني إلى أن طبيعة الحشرة الاختفائية تتطلب مراقبة مستمرة واكتشافاً مبكراً، موضحاً أن الأنثى تضع نحو 300 بيضة خلال حياتها التي تمتد بين شهرين وثلاثة أشهر، وأن قدرتها على الطيران تساعدها على الانتقال بين البساتين وإصابة أشجار جديدة.
ويبين أن الموطن الأصلي للسوسة جنوب شرق آسيا، وأن العراق هو آخر دول المنطقة التي ظهرت فيها الإصابة، ما يجعلها آفة دخيلة. ويؤكد أن نقل الفسائل المصابة من أبرز أسباب انتشارها، وأن الإنسان يؤدي دور الناقل الرئيسي.
ويضيف أن قسم الوقاية شكّل فرقاً فنية تضم كوادر القسم ووحدات الوقاية في الشعب الزراعية، وتوفر دائرة وقاية المزروعات مستلزمات المكافحة والرصد والتحري والحجر مجاناً للشعب الزراعية. وتتولى الفرق مكافحة البساتين المصابة والتحري الاستباقي في المناطق الأخرى كافة التي لم تُسجَّل فيها إصابات حتى هذا الوقت.
ويقول الحمداني إن القسم ينفذ المكافحة والرصد والتحري والحجر الزراعي، وعمم تعليمات على السيطرات الخارجية تمنع نقل الفسائل من دون شهادة صحة نباتية تثبت سلامتها، إلى جانب المكافحة الوقائية بالمبيدات المتخصصة.
ويضيف أن عدم تعاون بعض المزارعين وعدم التزامهم بالتوجيهات، رغم مجانية المستلزمات والمبيدات، من أسباب انتشار الآفة. ويؤكد أن الفرق تحتاج إلى تعاون أصحاب البساتين، مشيراً إلى أن إغلاق بعض البساتين ومنع دخول الفرق لمعاينتها قد يفاقم الإصابة ويزيد انتقالها إلى البساتين المجاورة، خصوصاً مع قدرة الحشرة على الطيران.
ويشير إلى أن بعض المزارعين لا يوفرون أبسط مستلزمات العمل، مثل الماء اللازم لخلط المبيد، فيما يتعرض أفراد الفرق أحياناً للطرد أو الاستهزاء. ويؤكد استمرار الكوادر في العمل رغم قلة أعدادها.
ويضيف أن مكافحة الآفة تتطلب تكرار الزيارات والمعاينة، بينما يتوقع بعض المزارعين نتائج فورية. ويذكر أن الفريق كافح إصابة في بساتين الحبانية بالتعاون مع مزارع، فيما رفض مزارع آخر فتح بستانه المسيج للمعاينة، ثم تهجم على الكادر واستهزأ به خلال الاتصال، مشدداً على أن حماية النخيل تتطلب تعاون الجهات الزراعية والمزارعين.
ومن جانبه، يقول المزارع رعد الدليمي إن زراعة النخيل لم تعد تحقق الجدوى المادية التي كانت توفرها قبل 15 أو 20 عاماً، مشيراً إلى أن التوسع العمراني دفع مزارعين إلى تجريف بساتينهم وتحويلها إلى أراضٍ سكنية.
ويضيف أن مناطق كانت ريفية أصبحت محاطة بالمدن، ما دفع أصحاب البساتين إلى تجريفها وبناء المساكن عليها. ونتيجة لذلك، باتت زراعة النخيل تقتصر في تلك المناطق على المنازل، حيث يزرع أصحابها نخلة أو نخليتين في كل منزل.
ويوضح الدليمي أن زراعة النخيل في الأراضي البعيدة عن مصادر المياه لم تعد مجدية، مقارنة بمحاصيل مثل الحنطة والبرسيم التي تحقق منفعة مادية أكبر وتتطلب جهداً أقل، الأمر الذي دفع المزارعين إلى الاتجاه إليها بدلاً من النخيل.
The post شح المياه وتجريف البساتين والآفات تحاصر نخيل "الأنبار" وتهدد إرثاً زراعياً متوارثاً! appeared first on جريدة المدى.
المصدر: المدى