شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

جمل اعتراضية في كتاب الوجود

جمل اعتراضية في كتاب الوجود

قيس نمر

ما الإنسان، إن لم يكن كرسياً فارغاً ينتظر من يملؤه، ثم يكتشف في آخر العمر أن الفراغ كان أصدقَ جلسائه؟
أفكر أحياناً أن الحياة فنجان قهوة نعده بعناية مفرطة، ثم ننشغل عنه بالحديث عنه، فيبرد. ونحن لا نندم على القهوة الباردة، بل على الكلام الذي جعلناه أهم من الدفء، هكذا نعيش: نحضر للفرح طويلاً، ونصفه طويلاً، وحين نمد أيدينا إليه نجده قد صار ذكرى في درجة حرارة الغرفة.
علمني الغياب أن الأشياء لا تملك وجودها إلا حين تنقص، لا ننتبه إلى الضوء إلا في العتمة، ولا نعرف أن للبيت جدراناً إلا حين نخرج منه ولا يسمح لنا بالعودة، كأن الفقد هو اللغة الوحيدة التي تعرفنا بها الأشياء إلى نفسها، كأن الحضور مسودة رديئة، والغياب هو النص النهائي الذي تكتبه الأشياء عن نفسها.
يقولون إننا لا نعبر النهر مرتين، والأصدق أن النهر هو الذي لا يعبرنا مرتين، نحن الذين نتغير، ونحن الذين نصير غرباء عن الماء الذي عرفنا.
الوعي لعنة أنيقة، أن تعرف أن الشيء يمضي وهو ما زال في يدك، كل لحظة فنجان يبرد بينما نتأمل بخاره، والتأمل نفسه سرقة من الدفء، ربما كانت الكائنات التي لا تفكر أكثر حظاً منا، فهي تشرب القهوة ساخنة، ولا تعرف أنها ستبرد.
الذات مدينة أعيد إعمارها فوق أنقاضها مرات لا تحصى، تحت كل وجه نحمله وجه سابق مدفون، وتحت كل يقين يقين انهار، نطلي الشروخ كل صباح ونسمي ذلك نضجاً، ثم تأتي أول مطرة، رائحة، أو لحن، أو جملة عابرة، فيسيل الطلاء ويظهر التاريخ كاملاً.
يقولون إن المرء يرحل خفيفاً حين لا يملك شيئاً، وأنا أقول إن أثقل الحقائب تلك التي نحزمها ولا نسافر بها، في كل قلب حقيبة عند الباب منذ سنوات، لا هي تفرَغ ولا هي تمضي، ونحن نتعثر بها كلما حاولنا الدخول إلى أنفسنا، ونعتاد التعثر حتى نظنه مشياً.
الحياة سيجارة يطفئها القدر دائماً في منتصفها، لا أحد يموت وقد أتم نفسه، نحن جميعاً جمل اعتراضية في كتاب لم نقرأ أوله ولن نبلغ آخره، نكتَب بين قوسين ونتوهم أننا المتن. ولعل في هذا النقصان حكمةً خفية، فالأشياء التي تكتمل تموت من الملل، والأشياء الناقصة تظل تشتهي، والشهوة هي الاسم الآخر للحياة.
ليس الزمن خطاً مستقيماً كما علمونا في المدارس، الزمن دائرة تدور حول جرحها، والساعة المعلقة على الجدار لا تقيس الوقت، بل تحصي عدد المرات التي عدنا فيها إلى الرقم ذاته، إلى الوجع ذاته، إلى الاسم ذاته، ونحن نظن أننا نتقدم.
ربما لا نشيخ لأن الأيام تمضي، بل لأنها تعود، ولأننا في كل عودة نجد الجرح في مكانه، أقل نزفاً وأكثر رسوخاً.
والذاكرة لا تخوننا، إنها تنتقي، وفي الانتقاء خيانة أنيقة. تحتفظ لنا بلون فنجان مكسور، وتضيع وجه من كسره، ربما لأنها تعرف أننا لا نحتمل الحقيقة كاملة، فتعطينا منها ما يكفي لنتألم، لا ما يكفي لنفهم.
الإنسان منفي بالفطرة، طرد من رحم دافئ، ثم من طفولته، ثم من دهشته الأولى، ثم من حب ظنه أبدياً، ثم من يقينه، وكل باب أغلق في وجهه صار وطناً يحن إليه. فهل نحن نسكن الأمكنة، أم نسكن الأبواب التي أغلقت دوننا، ونسمي حنيننا إليها انتماءً.
لهذا اخترعنا اللغة، نكتب لنترك أثراً، فنكتشف أننا نبني للحظات الهاربة قصوراً من حبر، ثم نعود نحن لنسكن في الخراب. الكتابة لا تهزم الرحيل، لا تمنح الكاتب خلوداً، إنها تمنحه فقط حق الاحتجاج الجميل على الفناء.
وفي الليل، حين أرفع رأسي إلى السماء، يخطر لي أننا قد نكون نحن أيضاً ضوء نجوم ماتت، ما يراه الآخرون منا ليس نحن، بل ما كنّاه قبل سنوات ضوئية من الوجع. يمدحون فينا بريقاً انطفأ مصدره منذ زمن، ولا يعرفون أن الضوء يصل دائماً متأخراً عن صاحبه.
ولعل هذا هو العزاء الوحيد الممكن
أن نظل نضيء لأحد ما
بعد أن ننطفئ.......

المصدر: النهار