شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

الاستبداد وأزمة الوعي في المجتمع السوري

الاستبداد وأزمة الوعي في المجتمع السوري

د. نواف القنطار

يصعب إدراك عمق الأزمة السورية من خلال مظاهرها الاقتصادية والسياسية فقط، فخلف تعثر الاقتصاد وتآكل مؤسسات الدولة تكمن أزمة أعمق تتصل ببنية الوعي الاجتماعي وبالعلاقة بين الفرد والسلطة والمجتمع، فالمجتمعات لا تنهار عندما تفقد مواردها المادية فحسب، بل أيضاً حين تتراجع قدرتها على فهم واقعها ونقده وتغييره، وحين يتحول الإنسان من ضحية لمنظومة الاستبداد إلى مدافع عنها ومساهم في إعادة إنتاجها.
ويصبح الاستبداد أكثر خطورة عندما يتحول إلى نمط في التفكير والسلوك والعلاقات الاجتماعية، عندئذ لا تعود السلطة بحاجة دائمة إلى فرض الطاعة بالقوة، إذ تجد من يتبنى منطقها ويمارس آلياتها حتى خارج مؤسساتها. وهكذا يتحول الاستبداد من نظام سياسي يحتكر السلطة إلى بنية ثقافية واجتماعية تساعد على استمراره، وتجعل تغييره أكثر تعقيداً من مجرد استبدال الحاكم.

لا يعكس تراجع الوعي النقدي قصوراً فطرياً لدى الشعوب، بل هو نتاج تفاعل طويل بين شروط سياسية واقتصادية وتاريخية ومؤسسات تقيد استقلال الفرد وتضعف قدرته على الاختيار والمشاركة. فالإنسان الذي ينشأ في بيئة تعاقب الاختلاف وتربط الأمان بالخضوع قد يتعلم أن تجنب المواجهة أكثر أمناً من ممارسة النقد، وأن الولاء للجماعة أكثر ضماناً من استقلال الرأي. ومع مرور الوقت تتحول آليات التكيف مع القهر إلى سلوك يعاد إنتاجه في الأسرة والمجتمع والمجال السياسي.

وتبدأ إحدى حلقات هذه العملية حين تفقد المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية استقلالها، وتتحول من فضاءات لإنتاج المعرفة إلى أدوات لتكريس سردية واحدة، فيحل التلقين محل التفكير، والامتثال محل المشاركة، ويصبح الاختلاف تهديداً، والنقد إساءة، واحتكار الحقيقة امتيازاً. ولا يقتصر أثر ذلك على المؤسسات الرسمية فحسب، بل يمتد إلى التنشئة الاجتماعية والعلاقات اليومية، حيث تتكرس الطاعة بوصفها فضيلة، والسلطة الأبوية أو السياسية بوصفها مرجعية لا تقبل المساءلة.

ويتخذ توظيف الدين سياسياً صورة أكثر خطورة عندما تُرفع الاجتهادات البشرية إلى مرتبة الحقائق المطلقة، ويُحصّن الأشخاص والمؤسسات من النقد باسم المقدس. فالمشكلة ليست في الدين بوصفه إيماناً وقِيماً أخلاقية، بل في احتكار تفسيره واستخدامه لتبرير السلطة والإقصاء، أما تحرير الخطاب الديني فلا يعني مصادرة التدين، بل رفض توظيفه لفرض الوصاية على المجتمع، وإعادة الاعتبار لقيم العدل والكرامة والحرية.

ولا يمكن إغفال مسؤولية النخب الثقافية والسياسية في استمرار هذه الاختلالات، فقد اختارت قطاعات منها الصمت حماية لمصالحها، أو بررت ممارسات السلطة تحت عناوين الضرورة والواقعية، فيما انسحب آخرون من المجال العام. وتبرز أزمة المثقف حين يدين الاستبداد الصادر عن خصمه ويبرره حين يصدر عن حليفه، فهنا يتحول النقد إلى أداة اصطفاف، ويفقد المثقف دوره في مساءلة السلطة والذات والمجتمع.

غير أن الوعي لا يتشكل في فراغ، فالفقر والبطالة وانعدام الأمان الاقتصادي يحد من استقلال الأفراد وقدرتهم على المشاركة، كما يدفع غياب الدولة العادلة وتراجع الثقة بالقانون إلى الاحتماء بالطائفة والعشيرة وشبكات القرابة وغيرها من مكونات ما دون الدولة. ولا تكمن المشكلة في هذه الانتماءات بذاتها، بل في تحولها إلى بديل عن المواطنة ومؤسسات الدولة، ومعيار لتوزيع الحقوق والفرص والامتيازات.

وفي سوريا، تعمقت هذه الظواهر على مدى عقود طويلة من الزمن حيث أدت إلى إضعاف الحياة السياسية والنقابية والمدنية المستقلة، وإخضاع المجال العام لشبكات الولاء والنفوذ، في الوقت الذي جاءت فيه سنوات الحرب بما حملته من عنف وتهجير ونزوح وفقر وتفكك اجتماعي لتعمق انعدام الثقة والانقسامات وتعدد مراكز القوة. ولم تكن هذه التحولات نتيجة لطبيعة المجتمع السوري أو تنوعه، بل لارتباطها بسياسات أضعفت المؤسسات الجامعة، وبظروف الحرب التي زادت من هشاشة المجتمع واعتماده على شبكات الحماية الفرعية.

ولعل أخطر تجليات الاستبداد انتقال منطقه إلى السلوك الفردي والجماعي، فالإنسان الذي عانى القهر قد يعيد إنتاجه في محيطه، ويطالب بحريته بينما ينكرها على الآخرين. وقد ترفع قوى سياسية شعارات الديمقراطية، لكنها لا تحتمل النقد داخل صفوفها، وتتعامل مع المخالف باعتباره عدواً أو خائناً. ولا يعني نقد هذه الممارسات المساواة بين الضحية والجلاد، أو إعفاء السلطة من مسؤوليتها الأساسية عن صناعة القمع، فثمة تفاوت جوهري بين من يمتلك أدوات العنف والقرار ومن يعيش تحت وطأتها. لكن ذلك لا يلغي ضرورة مساءلة القوى التي تدعي التحرر بينما تعيد إنتاج الإقصاء.
من هنا، لا يمكن اختزال الديمقراطية في الانتخابات وتداول المناصب، بل ينبغي أن تقوم على قضاء مستقل، وإعلام حر، ومؤسسات خاضعة للمساءلة، وضمانات دستورية تحمي الحقوق والتعددية. فحكم الأكثرية لا يمنحها حقاً مطلقاً في مصادرة حقوق الآخرين، والديمقراطية الحقيقية هي التي توازن بين الإرادة الشعبية والحريات الأساسية.

يتطلب تجاوز هذه البنية مشروعاً وطنياً يقوم على إصلاح التعليم، وترسيخ التفكير النقدي، واستقلال القضاء والإعلام والجامعات، وحماية حرية التعبير والتنظيم، وتحقيق العدالة الاقتصادية وتكافؤ الفرص. كما يتطلب في الحالة السورية عدالة انتقالية تكشف الحقيقة، وتحاسب المسؤولين عن الانتهاكات، وتجبر الضرر، وتضمن عدم التكرار، فلا مصالحة حقيقية مع إنكار المآسي أو مساواة الضحية بالجلاد.

ويقتضي ذلك إعادة تأسيس الهوية الوطنية على المواطنة المتساوية، واحترام التنوع القومي والديني والثقافي والسياسي عن طريق عقد اجتماعي يضمن الحقوق والمشاركة لجميع السوريين، ويحول دون احتكار السلطة باسم الأكثرية أو الدين أو الوطنية.

إن أخطر ما قد تواجهه سوريا في مرحلة إعادة بناء الدولة ليس فقط عودة الاستبداد بصورته القديمة، بل ظهور سلطات جديدة تستنسخ منطقه تحت شعارات الثورة أو الدين أو الوطنية. فالثورة على الاستبداد تفقد معناها حين تتحول القوى التي رفعت راية الحرية إلى قوى ترفض حرية الآخرين، وحين يصبح النقد خيانة والاختلاف جريمة والولاء الشخصي معياراً للانتماء.
ذلك أن التحرر الحقيقي لا يكتمل بتغيير السلطة وحده، بل بتفكيك البنية الثقافية والمؤسسية التي تجعل الاستبداد قابلاً لإعادة الإنتاج، وتأسيس علاقة بين الإنسان والدولة تقوم على القانون وحقوق المواطنة. فاستعادة سوريا عافيتها تبدأ بإعادة بناء الإنسان بوصفه مواطناً حراً يمتلك حق التفكير والاختلاف والمساءلة، ولا يمنح أحداً حق الوصاية على عقله أو مصادرة كرامته. فاستقلال الوطن لا ينفصل عن استقلال الإنسان وتحرير عقله من منطق الاستبداد والتسلط.

المصدر: النهار