بالفيديو - عندما تتحوّل حبال المساعدات إلى أدوات منزلية ومصدر رزق
غزة – أحمد زقوت
تلفّ نهال الحويحي الحبال البلاستيكية وتشدّها بإصرار، لتحوّلها إلى سلال وخزائن وأسرّة للأطفال، في محاولة لصناعة شيء نافع من مواد مهملة في طرود المساعدات. وبين أصابعها التي تجرحها قسوة الحبال، تنسج النازحة من شمال قطاع غزة مشروعاً منزلياً يوفر لها دخلاً متواضعاً ويساعدها على مواجهة أعباء النزوح.
View this post on Instagram
نزحت نهال من بلدة بيت حانون شمالي القطاع برفقة أطفالها، لتجد نفسها أمام تحديات يومية في تأمين احتياجات أسرتها، وسط غياب فرص العمل وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة على توفير أبسط متطلبات الحياة. ومع تفاقم الضغوط المعيشية، بدأت تبحث عن وسيلة تستفيد بها من المواد المتاحة وتخفف بعضاً من أعباء عائلتها.
حبال المساعدات.. من الوقود إلى المشغولات اليدوية
تروي الحويحي لـ«النهار» أن فكرة المشروع بدأت عندما لاحظت الحبال البلاستيكية التي كان ابنها يجمعها من طرود المساعدات لاستخدامها في إشعال النار والطهي. لكن الدخان والسخام المتصاعدَين من حرقها تسببا لها بمشكلات صحية في الصدر، ما دفعها إلى التفكير في استخدام هذه المواد بطريقة مختلفة وأكثر فائدة.
وتقول: «حين بدأ ابني بإحضار حبال المساعدات، فكرت في الاستفادة منها لصناعة أشياء نافعة، فكانت البداية بسلة صغيرة، قبل أن أطوّر مهاراتي وأنتج سلال الغسيل والخضراوات والسجاد والخزائن وأسرّة الأطفال وصناديق التخزين».

ومع الوقت، لم تعد هذه المشغولات مجرد وسيلة لإعادة استخدام مواد مهملة، بل أصبحت طريقة لتوفير مستلزمات منزلية افتقدتها أسرتها خلال النزوح. صنعت نهال سجادة لفرش الأرض، وخزانة لترتيب الملابس، وصندوقاً لسرير أطفالها، مستعينة بأدوات بسيطة ومهارات طوّرتها مع كل قطعة جديدة.
من احتياجات الأسرة إلى مشروع منزلي
أعجبت منتجات نهال أفراد عائلتها وجيرانها، وشجّعها ذلك على استقبال الطلبات وإنشاء صفحة عبر «فيسبوك» لعرض مشغولاتها والوصول إلى زبائن جدد. وهكذا، انتقلت الفكرة من محاولة تلبية احتياجات أسرتها إلى مشروع منزلي يدرّ عليها دخلاً، ولو كان محدوداً.
ومع تزايد الطلب، بدأ أطفال آخرون يجمعون الحبال البلاستيكية من طرود المساعدات ويبيعونها لابنها بمبالغ بسيطة. وبذلك تحولت مواد كان كثيرون يتخلصون منها إلى مورد يستفيد منه أكثر من طرف، فيما تستخدمها نهال لتنفيذ طلبات الزبائن وصناعة منتجات تحتاج إليها الأسر، ولا سيما النازحة منها.
وتقضي الحويحي ما بين ثلاث وأربع ساعات يومياً في العمل، وفق ظروفها واحتياجات أسرتها. غير أن صناعة هذه المنتجات ليست مهمة سهلة؛ فلفّ الحبال وتثبيتها وتشكيلها يتطلب جهداً متواصلاً، ويتسبب لها بجروح وتورم في الأصابع، فضلاً عن آلام في الرقبة والظهر.

ورغم التعب، تؤكد أن العائد من بيع المشغولات يساعدها في تأمين بعض احتياجات أطفالها ويمنحها فرصة للاعتماد على نفسها، فتواصل العمل مدفوعة برغبتها في مواجهة الظروف الصعبة وتخفيف أعباء المعيشة.
أعباء النزوح تتجاوز تأمين الدخل
لكن معاناة نهال لا تتوقف عند مشقة العمل، إذ لا تزال تواجه يومياً صعوبة في تأمين الاحتياجات الأساسية لأطفالها، وفي مقدمتها الماء والخبز والطعام. وهي مهمة تستنزف ساعات طويلة من يومها، في ظل ظروف النزوح وشح الإمكانات.
وتطمح الحويحي إلى أن تتبنى جهة داعمة مشروعها، وتوفر له الإمكانات اللازمة لتطويره وتوسيعه، بما يسمح لها بإنتاج كميات أكبر وفتح المجال أمام نساء نازحات أخريات للعمل والاستفادة من التجربة، وتحويلها إلى مصدر دخل يساعدهن على مواجهة أعباء الحياة.

من حبال بلاستيكية مهملة كانت تُستخدم لإشعال النار، تصنع نهال سلالاً وخزائن وأدوات منزلية، وتحاول أن تنسج لعائلتها طريقاً إلى قدر من الاستقرار وسط النزوح. وفي تجربتها رسالة تتجاوز حدود مشروعها الصغير: دعوة إلى إنهاء الحرب، وتأكيد أن الغزيين، رغم قسوة الظروف، ما زالوا قادرين على ابتكار سبل للحياة وصناعة شيء من لا شيء.
المصدر: النهار