نافذة الخطر: لبنان بين مرحلتين انتقاليتين
كتب زياد ميقاتي: لقد غيّرت الانتخابات في واشنطن وإسرائيل موازين القوى السياسية، لكنها لم تنقل السلطة بعد. ففي الأسابيع والأشهر التي تسبق تسلّم الأغلبيات الجديدة مقاعدها، يحتفظ القادة الذين تراجعت مواقعهم بكامل صلاحياتهم في اتخاذ القرارات العسكرية. وبالنسبة إلى لبنان، قد تكون هذه الفجوة بين الهزيمة السياسية وانتقال السلطة أخطر مراحل العام. Advertisement لا يكمن الخطر في أن تتسبّب أيٌّ من المرحلتين الانتقاليتين بحرب، بل في أن المؤسسات القادرة على تحويل التبدّل في مزاج الناخبين إلى قيود فعلية لم تتسلّم أدوارها بعد، في وقت لا تزال فيه النزاعات في لبنان وغزة ومع إيران من دون حلّ، وشديدة الحساسية لأي حادث منفرد. أين تقف الأمور لم تعد فرضية هذا التحليل مجرّد افتراض. ففي الانتخابات النصفية الأميركية التي جرت أمس، سجلت سيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ. وكان الجمهوريون يشغلون قبل الانتخابات 53 مقعداً في مجلس الشيوخ و218 مقعداً في مجلس النواب. وفي إسرائيل، لم تمنح انتخابات 27 تشرين الأول أيّ كتلة المقاعد الـ61 اللازمة لتشكيل الحكومة. إذ أظهرت النتائج النهائية حصول كتلة نتنياهو على 53 مقعداً، والمعارضة بقيادة غادي آيزنكوت على 48، والأحزاب العربية على 19، بعدما كان ائتلافه المنتهية ولايته يملك 68 مقعداً. وقد استبعد آيزنكوت المشاركة في حكومة برئاسة نتنياهو، حتى في إطار التناوب، على أن تُرفع النتائج الرسمية إلى الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ اليوم، 4 تشرين الثاني. وهكذا، خسر الزعيمان من رصيدهما السياسي، لكن أياً منهما لم يفقد السلطة. فالليكود لا يزال الحزب الأكبر، ما قد يمنح نتنياهو الفرصة الأولى لتشكيل الحكومة، فيما يبقى ترامب رئيساً حتى كانون الثاني 2029. لماذا لا تُنهي الهزيمة السلطة في واشنطن، يؤدّي الكونغرس الجديد اليمين الدستورية في 3 كانون الثاني 2027، وحتى ذلك الحين تواصل الأغلبيات الجمهورية المنتهية ولايتها عملها في ما يُعرف بجلسة «البطة العرجاء». وحتى بعد ذلك، يقيّد الكونغرس الديمقراطي الرئيسَ أساساً عبر التمويل وجلسات الرقابة وقرارات صلاحيات الحرب، التي يملك الرئيس حقّ نقضها. أما قيادة القوات المسلحة فتبقى في يد البيت الأبيض. فالانتخابات النصفية ترفع الكلفة السياسية لأي التزام عسكري جديد، لكنها لا تُلغي القدرة على اتخاذه. وفي إسرائيل، يبقى نتنياهو رئيساً لحكومة انتقالية إلى أن ينال خلفه ثقة الكنيست. وتخضع عملية تشكيل الائتلاف لمهل محددة: تكليف أولي مدته 28 يوماً قابل للتمديد 14 يوماً، ثم إمكانية تكليف مرشح ثانٍ، ثم مهلة أخيرة للكنيست. وإذا فشلت هذه المحاولات كلها، تُجرى انتخابات جديدة، وتبقى حكومة تصريف الأعمال في السلطة طوال تلك الحملة أيضاً. وتقضي الممارسة القانونية الإسرائيلية بأن تتجنّب حكومات تصريف الأعمال القرارات الكبرى غير العاجلة، غير أن القرارات الأمنية تُعدّ في الغالب عاجلة بطبيعتها. لذلك، فإن هذه النافذة ليست مجرد أسابيع معدودة. ففي واشنطن تُغلق جزئياً في 3 كانون الثاني، أما في إسرائيل فقد تُغلق خلال ستة أسابيع إذا تشكّل ائتلاف بديل بسرعة، أو تمتد إلى عمق عام 2027 إذا فرض الجمود جولة انتخابية جديدة. كيف يمكن أن يقع التصعيد خلال هذه النافذة؟ قد تندلع مواجهة في لبنان أو غزة أو مع إيران قبل اكتمال أيٍّ من المرحلتين الانتقاليتين. وتبرز في هذا السياق ثلاثة مسارات: • الحسابات المتعمَّدة. قد يرى قائدٌ يواجه خسارة منصبه أن الفرصة تضيق لتحقيق أهداف عسكرية قديمة قبل أن تفرض القيود الجديدة نفسها. • الزخم العسكري. قد تدفع الخطط العملياتية أو الفرص الاستخباراتية أو استهداف هدف ثمين القراراتِ وفق جدولها الزمني الخاص، بمعزل عن السياسة. • دوّامة الردود الانتقامية. قد يؤدي حادث ما، أو إشارة يُساء فهمها، أو ضربة توقع خسائر غير متوقعة، إلى ردود تتجاوز ما أراده أيٌّ من الأطراف. الأرضية مهيّأة للمسارات الثلاثة. فقد شهد لبنان حرباً اندلعت في آذار 2026، ثم وقفاً لإطلاق النار في نيسان، واتفاق إطار في حزيران، وانتكاسات متكررة منذ ذلك الحين. ولا تزال الهدنة الأميركية-الإيرانية التي أوقفت حرب هذا العام مؤقتة، فيما يُفترض أن تنتهي ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) في 31 كانون الأول 2026، أي في قلب هذه النافذة بالذات. جوهر القلق بسيط: قد يخسر نتنياهو معركة البقاء في منصبه، لكنه يحتفظ خلال المرحلة الانتقالية بصلاحيات كافية لإصدار الأوامر بعمليات ذات تداعيات إقليمية بعيدة المدى. الجبهة الإيرانية: أخطر الصواعق من بين كل المخاطر التي تنطوي عليها هذه النافذة، تبقى الحرب المتجددة مع إيران الأشدّ وقعاً، وتوقيتها يشير مباشرة إلى مرحلة ما بعد الانتخابات. ففي أواخر تشرين الأول، أفادت تقارير بأن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين يُعدّون خططاً مشتركة لاستئناف الضربات على إيران بعد الانتخابات النصفية، بما في ذلك على منشآت نووية، فيما اكتفى البيت الأبيض بالقول إنه لن تكون هناك ضربة قبل الاقتراع. وتشير التقارير إلى أن نتنياهو يؤيد استئناف العمل العسكري، وأن مصدراً إسرائيلياً لم يستبعد تحرّك إسرائيل منفردة إذا امتنعت واشنطن. وتسير الدبلوماسية بالتوازي، لكنها لم تردم الهوّة بعد. فقد عرض نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس على طهران محادثات مباشرة يكون الملف النووي مطروحاً فيها منذ البداية. غير أن الردّ الإيراني حتى الآن هو أنه لا محادثات نووية ولا إعادة فتح لمضيق هرمز قبل تلبية مطالب طهران. وقد كان الترتيب الذي أوقف حرب هذا العام في حزيران مؤقتاً منذ البداية، كما أن إيران تعرّضت للهجوم خلال المفاوضات في عامَي 2025 و2026، ما يعمّق انعدام ثقتها. إن المرحلة الانتقالية تجعل هذه الجبهة أكثر تقلّباً لا أقل. فإدارة أميركية على وشك مواجهة كونغرس معارض، ورئيس وزراء إسرائيلي قد يغادر منصبه، قد يرى كلاهما في الأسابيع المقبلة الفرصة الأخيرة للتحرك ضد إيران في ظل الظروف الراهنة. أما طهران، التي تقرأ الروزنامة نفسها، فقد تختار انتظار رحيل خصومها أو استباقهم. كيف ستصل حرب مع إيران إلى لبنان لن يحتاج لبنان إلى أن يكون طرفاً في حرب مع إيران كي يدفع ثمنها، إذ ستصل التداعيات إليه عبر خمس قنوات على الأقل: • دخول "حزب الله". السابقة حديثة العهد: فبعد أن ضربت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران في 28 شباط 2026، استأنف "حزب الله" إطلاق الصواريخ على إسرائيل في غضون أيام، ودخل لبنان الحرب بحلول 2 آذار. • الضربات الإسرائيلية الاستباقية. قد تضرب إسرائيل "حزب الله" في لبنان قبل أي عملية ضد إيران أو بالتزامن معها، لإزالة خطر الجبهة الثانية بصرف النظر عن نوايا الحزب. • اضطراب الخليج. حذّر الرئيس الإيراني من أن أي جولة جديدة ستستهدف البنية التحتية الخليجية بشدة أكبر من ذي قبل، ولبنان يعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في التحويلات المالية وفرص العمل والاستثمار والسياحة. • الطاقة والشحن. إن إغلاقاً مطوّلاً لمضيق هرمز يرفع كلفة الوقود والنقل على اقتصاد يعتمد على الاستيراد ولا يزال يتعافى من انهياره المالي. • العزلة. من شأن إغلاق الأجواء الإقليمية وتعليق الرحلات وتجميد الاستثمارات أن يعزل لبنان في اللحظة التي يكون فيها في أمسّ الحاجة إلى الدعم الخارجي. في هذا السيناريو، لا تعود الحدود الجنوبية للبنان سوى جبهة واحدة من جبهات حرب إقليمية، ويُحسم مصير البلاد في طهران وواشنطن بقدر ما يُحسم في بيروت. ليس كل شيء مرتبطاً ببقاء نتنياهو سيكون من المضلّل قراءة كل عملية إسرائيلية من منظور الموقع الداخلي لنتنياهو وحده. فالحسابات الأمنية الإسرائيلية تعكس أيضاً التقديرات العسكرية، ووضع إيران بعد حرب هذا العام، وقدرات حزب الله وتحركاته. وهذه العوامل لا تتغيّر بتغيّر حسابات الكنيست. كما أن المواقف تتجاوز الانقسامات الحزبية. فآيزنكوت رئيس سابق لهيئة الأركان، وحكومة تقودها المعارضة لن تخفّف بالضرورة من المطالب المتعلقة بنزع سلاح "حزب الله". وقد رفضت إسرائيل أي انسحابات إضافية قبل أن يبسط الجيش سيطرته الكاملة على «المناطق التجريبية» الأولى، فيما اتهم الجيش الإسرائيلي علناً الجيش اللبناني بالتقصير في نزع سلاح "حزب الله". القراءة الصحيحة أضيق نطاقاً: فضعف رئيس الوزراء لا يعني بالضرورة تراجع الضغط العسكري على لبنان، إذ إن المراحل الانتقالية تضاعف الغموض، وتضغط عملية اتخاذ القرار، وتجعل كل حادث أمني أكثر حساسية من الناحية السياسية. لبنان: الجاهزية بدل التكهّن لبنان هو الطرف الأكثر انكشافاً أمام أي تحوّل في الحسابات الإسرائيلية. فالقوات الإسرائيلية لا تزال في أجزاء من الجنوب، ومسار «المناطق التجريبية» متعثّر بسبب الخلاف على تسلسل الخطوات، فيما يقول "حزب الله" إنه سينسحب من جنوب الليطاني لكنه لن ينزع سلاحه شماله. كما أبدى مسؤولون لبنانيون أملاً ضئيلاً في أن تقدّم إسرائيل المزيد في المحادثات الجارية. لا تستطيع بيروت التحكّم بالسياسة في واشنطن أو تل أبيب، لكنها تستطيع التحكّم بمدى جاهزية مؤسساتها. ومن هنا ست أولويات: 1. تعزيز سلطة الجيش، ولا سيما في المناطق التجريبية، حيث تشكّل السيطرة الظاهرة للجيش أقوى حجة في وجه تجدّد العمليات الإسرائيلية. 2. تكريس احتكار الدولة لقرار الحرب والسلم، بحيث لا يتمكن أي طرف من خارج الدولة من جرّ البلاد إلى مواجهة تحدّد توقيتها تطورات تجري في أماكن أخرى. 3. تحصين لبنان من حرب مع إيران، عبر انتزاع التزامات واضحة وعلنية، في الداخل ومن خلال واشنطن وباريس والعواصم الخليجية، بألا تُستخدم الأراضي اللبنانية جبهةً ثانية إذا تعرّضت إيران لضربة، وبألا يُستهدف لبنان استباقياً. 4. تعميق الانخراط الدبلوماسي مع واشنطن وباريس والشركاء الإقليميين، بما يشمل القيادة الجديدة في الكونغرس، لا الإدارة الأميركية وحدها. 5. إبقاء قنوات إدارة الأزمات مفتوحة ومختبَرة، عبر آلية التنسيق العسكري التي تقودها الولايات المتحدة، قبل انتهاء ولاية اليونيفيل في 31 كانون الأول. 6. ربط كل تفاوض بمبادئ متّفق عليها: قرار مجلس الأمن الدولي 1701، والسيادة اللبنانية، والوقف الكامل للأعمال العدائية، وترتيبات أمنية موثوقة على الحدود الجنوبية. وقبل كل شيء، على لبنان أن يتجنّب التحوّل إلى ساحة لصراعات لا يملك زمامها. فمصلحته الوطنية تكمن في منع تجدّد الحرب، والحفاظ على الاستقرار الداخلي، وعدم السماح لأي جهة باستخدام أراضيه في نزاعات تحرّكها السياسة في أماكن أخرى. خلاصة قد تكون الأسابيع الفاصلة بين الهزيمة الانتخابية والانتقال الفعلي للسلطة أكثر أهمية من الانتخابات نفسها. فالتغيير السياسي في واشنطن وإسرائيل قد بدأ، لكن القيود التي يفرضها ستصل متأخرة وبشكل متفاوت: جزئياً في 3 كانون الثاني في الولايات المتحدة، ووفق جدول زمني مفتوح في إسرائيل. وأخطر ما تحمله هذه الفجوة حربٌ متجددة مع إيران لن تبقى محصورة بإيران. بالنسبة إلى لبنان والمنطقة، تبقى الأولوية عبور هذه الفجوة من دون حرب جديدة. وهذا يتطلب مؤسسات دولة أقوى في الداخل، ودبلوماسية نشطة في الخارج، وقنوات تواصل فعّالة قادرة على منع تحوّل أي حادث إلى مواجهة قبل اكتمال المرحلتين الانتقاليتين.
المصدر: لبنان 24