المؤتمر العلمي للقضاء العراقي وآفاق تطوير العدالة
د. مهند العيساوي
أكاديمي وخبير في الصياغة التشريعية
يمثّل إعلان مجلس القضاء الأعلى عن تنظيم المؤتمر العلمي الأول للقضاء العراقي، بالتعاون مع الجامعة الأمريكية في بغداد يومي ١٥ و١٦ نيسان ٢٠٢٧، خطوة تستحق التقدير في مسار تطوير القضاء وتعزيز صلته بالبحث العلمي، إذ يتيح المؤتمر، الذي يحمل عنوان «القضاء العراقي بين إرث قرن من العدالة ومتطلبات المستقبل الرقمي»، فرصة لبحث احتياجات المؤسسة القضائية في ضوء خبرتها المتراكمة والتحولات التي تواجهها، ويجمع القضاة والأكاديميين حول مسائل يكشفها تطبيق القانون وتحتاج إلى دراسة متعمقة، من بينها أثر جودة التشريع في العمل القضائي، وكيفية الإفادة من الأحكام في مراجعة النصوص ومعالجة ما يظهر فيها من قصور.
وقد قال رئيس مجلس القضاء الأعلى، القاضي الدكتور فائق زيدان، تعليقا على هذا المؤتمر إن «مستقبل القضاء نصنعه بالعلم والخبرة والانفتاح»، ويستحق هذا التوجه التقدير لما يمنحه للبحث العلمي من مكان في تطوير المؤسسة القضائية، فتبنّي رئاسة المجلس للحوار مع أهل الاختصاص يفتح أمام الباحثين فرصة لعرض دراساتهم على من يواجهون المسائل التي تتناولها تلك الدراسات، ويمنح الخبرة المتراكمة في المحاكم مجالًا أوسع للمناقشة والإفادة منها في التعليم القانوني.
ويشغلني بوصفي أستاذًا للقانون ومشتغلًا بالصياغة التشريعية مصير الملاحظات التي يكشفها تطبيق النص أمام القضاء، فقد يستغرق إعداد مادة قانونية وقتًا طويلًا، ثم تظهر عند نظر المنازعات مسألة لم ينتبه إليها واضعوها، وقد يتكرر الخلاف حول عبارة واحدة في أحكام متعددة، بينما تبقى العبارة على حالها، وهنا يبرز سؤال يستحق البحث: كيف تنتقل هذه الخبرة من ملف الدعوى إلى طاولة المراجعة التشريعية؟ إن جمع القاضي والمتخصص في الصياغة حول نص محدد يمكن أن يساعد على فهم الإشكال وتحديد المعالجة المناسبة له.
هذا الاهتمام هو الذي دفعني إلى تقديم بحث إلى المؤتمر تناولت فيه بعض الإشكالات التي تظهر عند انتقال النص التشريعي إلى التطبيق القضائي، واعتمدت فيه على تحليل تطبيقات منشورة لمحكمة التمييز الاتحادية، وكان السؤال الذي وجّه قراءتي يتعلق بمصدر الاختلاف في فهم النص هو متى تكشف الأحكام عن مشكلة تستدعي مراجعة الصياغة، ومتى يكون الاختلاف متصلًا بخصوصية الوقائع أو باجتهاد له أسبابه القانونية؟ وقد اهتممت بهذا التمييز لأن اقتراح تعديل التشريع يحتاج إلى تشخيص دقيق، وإلا فقد نغيّر النص من دون معالجة سبب الإشكال، ومن خلال هذا البحث حاولت أن أضع اهتمامي بالصياغة التشريعية أمام اختبار قضائي ملموس، وقدّمت مقترحات لتعزيز التواصل بين الخبرة المتراكمة في المحاكم والجهات المعنية بإعداد التشريعات ومراجعتها، بحيث تجد الملاحظات التي يكشفها التطبيق طريقًا منتظمًا إلى المناقشة.
وتتيح اللقاءات العلمية من هذا النوع للباحث أن يعرض قراءته أمام القاضي الذي خبر تطبيق النص، وأن يستمع إلى تفاصيل قد لا تظهر كاملة في الحكم المنشور، كما تتيح للقاضي الاطلاع على معالجة أكاديمية تتناول المسألة من زاوية مقارنة أو تربطها بنصوص أخرى، وأجد في هذا الحوار فائدة مباشرة لتدريس القانون، إذ يمكن أن تنتقل الأسئلة المطروحة في المؤتمر إلى قاعات الدراسة، فتمنح الطلبة معرفة أقرب إلى العمل القضائي، وتفتح أمام طلبة الدراسات العليا موضوعات تستمد قيمتها من حاجة فعلية إلى البحث.
أما المقارنة بتجارب الدول الأخرى، فتهمّني فيها طبيعة الأسئلة المطروحة ومدى اتصالها بالممارسة، ففي ندوة نظمتها محكمة النقض الفرنسية في أيلول ٢٠٢٥ عن الذكاء الاصطناعي ومهن العدالة، تناول النقاش موثوقية الأدوات التي يستخدمها القضاة والمحامون، وحماية البيانات التي يتعاملون معها، والحاجة إلى تدريبهم على استخدامها، وبذلك ارتبط الموضوع بتفاصيل العمل، وبالمهمة التي يمكن إسنادها إلى الأداة وكيفية مراجعة نتيجتها، وهي مسائل تتيح مجالًا واسعًا لتعاون المختصين بالقانون والتقنية.
بينما كان المؤتمر العدلي الدولي في الرياض عام ٢٠٢٣ قد خصّص جانبًا من أعماله للتحول الرقمي والبعد القانوني للذكاء الاصطناعي، وهي قضايا حاضرة أيضًا في الإعلان العراقي، ويمكن الإفادة من هذه التجارب في دراسة تطبيقات تتصل باحتياجات المحاكم، ومنها تسهيل الوصول إلى الأحكام وتصنيفها والبحث في مبادئها، فالباحث في الصياغة التشريعية، مثلًا، يستفيد من إمكان تتبع كيفية تطبيق مادة قانونية عبر أحكام متعددة، وهي مادة علمية تساعده على فهم النص في سياقه العملي واقتراح ما يراه مناسبًا لتطويره.
وبالنسبة إلى الجامعات يفتح المؤتمر مجالًا لتوسيع الدراسات التطبيقية وتعزيز مشاركة الباحثين الشباب في مناقشة المسائل القضائية، وقد تقود الملاحظات المتبادلة في جلسة علمية إلى مشروع بحث مشترك أو إلى إعادة النظر في خطة رسالة جامعية لتصبح أكثر اتصالًا بموضوع يحتاجه القضاء، كما يمكن أن تستفيد برامج التدريب القانوني من البحوث المقدمة ولا سيما الدراسات التي تتناول أمثلة محددة وتشرح كيفية تحليلها والوصول إلى نتائجها.
ومن المجالات التي أتطلع إلى أن يشجعها هذا اللقاء إعداد دراسات مشتركة تتناول نصوصًا أظهرت التطبيقات القضائية حاجة إلى مراجعتها، بمشاركة قضاة ومتخصصين في التشريع، ويمكن أن تتضمن هذه الدراسات عرضًا للمشكلة كما ظهرت في الأحكام، ومناقشة للمعالجات الممكنة مع تقديم صياغات مقترحة إلى الجهات المختصة، وأرى في نشر مثل هذه الأعمال فرصة لتوسيع النقاش بشأنها وإتاحة الإفادة منها للباحثين الذين يعملون على موضوعات قريبة.
إن اهتمام القاضي فائق زيدان بهذا المؤتمر ودعمه للتواصل بين القضاء والجامعة يستحقان الإشادة، لما يتيحانه من فرص أمام الحقل العلمي القانوني في العراق، ومن شأن هذا اللقاء أن يقرب الباحثين من الأسئلة التي تشغل المؤسسة القضائية، وأن يمنح خبرة القضاة حضورًا أوسع في الدراسات الجامعية، وأتطلع، بوصفي أحد المتقدمين ببحث إلى المؤتمر، إلى الإفادة من هذه المناقشات وتطوير عملي في ضوئها، وإلى أن تثمر لقاءاته تعاونًا بحثيًا يستمر في دراسة النصوص والأحكام بعد انتهاء جلساته.
The post المؤتمر العلمي للقضاء العراقي وآفاق تطوير العدالة appeared first on جريدة المدى.
المصدر: المدى