بطّة عرجاء في البيت الأبيض
صلّى قبل أسبوعين في البيت الأبيض صلاة مودّع ، وقرأ ماتيسّر من كتاب النصر ، لوزير دفاعه هيغيست ، قبل سفر الخروج إلى الولايات الجمهورية ، الصادر عن مياه الخليج للسفن الحربية ، يطلب ودّ الناخبين لمؤازرة حزبه ، يحمل على ظهره وزر إرتفاع أسعار السلع والنفط ، وغضب الحلفاء وشماتة الاعداء ، وإغلاق هرمز وباب المندب. تجوّل في كثير من الولايات ، وكان أشبه بمطربٍ إستعراضي ، يعيد الكثير من أغانيه السياسية القديمة أمام مؤيديه ، وجسّد في حضوره وخطاباته الانتخابية ، ظاهرة الترامبيه الحافلة بالعروض الترفيهية عادة ، تَبنّى فيها قاعدة سياسية تعتمد على تشويه الخصوم. عاد للبيت الأبيض عشيّة فتح باب الاقتراع ، يراقب الشاشة وهي تتحوّل سريعا للون الأزرق (لون الحزب الديمقراطي) ، تذكّر كتاب كليلة ودمنه ، وقال لمن حوله ، أُكلتُ يوم أكلني اللون الأزرق ، عاقبه الامريكيّون أشدّ عقاب ، وأكتشف الناخبون أن تصريحاته المتكررة عن العصر الذهبي ، الذي وعد به الشعب الأمريكي ، لم تكن سوى ذاك الذي غطّى به جدران المكتب البيضاوى ، وبدا لديهم في تصرّفاته منذ ولايته الثانية ، وكأنه الملك ميداس ، الذي قالت الأسطورة عنه ، أنّه الرجل الذي كان يتحوّل كلّ ما تلمسه يده، إلى ذهب.انتزاع الديموقراطيون السيطرة على المجلسين ، لايكشف حجم جاذبيتهم لدى الناخبين ، وإنما يعكس حجم الغضب الشعبي من أداء إدارة ترامب ، الذي أعتبره البعض رمزا لضعف حكومته . لم يدرك الرئيس قوة الجيل الجديد الصاعد ، أصحاب الحضور الاعلامي القوي داخل يسار الحزب الديمقراطي ، في أعقاب فوز عمدة نيويورك زهران ممداني ، الذي جاء على أنقاض الوجوه التقليدية القديمة ، مما جعل الولايات المتحدة كلّها في هذه الانتخابات ، بسبب ظهور هؤلاء المفاجئ ، بمثابة ولاية واحدة متأرجحة بالنسبة للجمهوريين ، بعد أن إكتشف الناخبون ، أن الحِيَلَ والأساليب السياسية الماكرة ، لايمكن أن تظلّ فعّالة إلى الأبد ، بعد أن شكّلت هذه الانتخابات ، إختباراً بالغ الأهمية للرئيس في منتصف ولايته ، وبعد أن جعل نفسه محوراً للحملة الانتخابية ، بل بعثت برسالة واضحة ، بشأن شعبية سياساته ، بشكل سيغدو من الصعب عليه التمسّك ببعضها بعد اليوم ، وربما يفتح عليه المجلس الجديد ، بعض الملفات الساخنة ، في قضايا تستهدف عائلته.سوف يسارع الرئيس كعادته ، للبحث عن كبش فداء ، يغطّي به خسارة الحزب ، وسيزعم أنّ المرشحين كانوا ضعفاء ، وكان يجب عليهم أن يدعموه أكثر ، رغم أنّه هو الذي أضعفهم عبر أفعاله غير المنضبطة ، وقوّض سمعة الحزب وسمح للديمقراطيين بتحقيق عودة تاريخيّة ، ستكون واحدة من أكبر الفرص الضائعة ، في التاريخ السياسي الامريكي للجمهوريين ، بعد أن تغاضى مؤيدوه عن أخطائه ، وذهبوا إلى صناديق الاقتراع ، دون برنامج أو سلاح سياسي واقتصادي مقنع. لقد أكتشف بعض الناخبين مبكرا ، هوس ترامب بالسلطة ، وأغضب الملوّنين إطاحته المفاجئة قبل عام ، بكبار القادة قادة العسكريين منهم ، ذوي البشرة السوداء ، مما جعل عودة قضايا التفاوت الاجتماعي إلى صدارة المشهد ، على حساب قضايا الهوية الوطنية ، في وقت حَرِصَ فيه الحزب الديمقراطي ، على تجديد نخبته السياسية في هذه الانتخابات ، عبر مرشحين ذوي خلفيات وأعراق متنوعة ، يحملون مسارات وتجارب إستثنائية من كلٌ فئات المجتمع ، وقادرون على المنافسة في ولايات ، كان يُعتقد أنها معاقل جمهورية راسخة.واضح ، أن ترامب لم يكن يتوقع هذا التحوّل العميق والسريع في الرأي العام ضده ، ولم تنفعه كلٌ حملات التشويه ، في تغيير المعادلة الانتخابية ، أمام رأيٍ عام غاضب من إرتفاع كلف المعيشة ، والحرب المفتوحة على إيران ، ومحاولاته المستميتة لإرضاء غروره الشخصي ، حين دعا الناخبين إلى التصرّف وكأن أسمه مدرج مباشرة على بطاقة الاقتراع.واضح أنّ ثقته العالية بنفسه هذه ، قد أرتدت بصورة سلبيّة وسافرة على حزبه ، مما أطاح بمرشحي الحزب في بعض الدوائر الانتخابية المحسوبة على الجمهوريين ، بعد أن عجز قادة الحزب الكبار خوفاً منه ، عن إسداء النصيحة له ، أو معارضة موقفه ، مما جعل النتيجة منسجمة تماما ، مع نزوة الرئيس الذي جعل الحزب مطيّة لقيادته الفردية ، معتقداً أن شعبيته التي حظي بها بالانتخابات الرئاسية السابقة ، كافية لتصنع الانتصار ، وتشفع حتى للمرشحين الضعفاء بالفوز ، رغم فشل سياساته الاقتصاديّة في الداخل ، والعسكرية في الخليج.
المصدر: عمون