شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

الاتجاه العُماني واسترداد الحقيقة الجغرافية

الاتجاه العُماني واسترداد الحقيقة الجغرافية

لأركان البيت العتيق حمد الناصري لم تكن تسمية أركان الكعبة المشرفة في وعي اللسان العربي القديم مجرد إشاراتٍ جغرافية عابرة أو حدود سياسية ضيقة، بل كانت انعكاساً لامتداداتٍ حضارية وفلكية وسيادية تحكم ميزان الاتجاهات من مركز مكة المكرمة إلى أطراف شبه الجزيرة العربية. وفي ميزان النقد العلمي الصارم ومحاكمة المتون التاريخية، يبرز مصطلح "الركن اليماني" كأحد أبرز المفاهيم الجغرافية التي طالها الاختزال المُشوه في العصر الحديث، مما يستوجب تفكيك هذه السردية وإعادتها إلى سياقها الجغرافي والمادي الأشمل، الذي يُثبت بالدليل القاطع أنّ عُمان وثُقلها البحري هُما الامتداد الحقيقي والأصيل لهذا الاتجاه. إنّ التفكيك الدقيق للجذر التاريخي لذلك المصطلح يبدأ من معرفة أنّ التسمية لم تصدر عن مرسوم أو قرار سياسي، بل كانت نتاج "اللسان الجغرافي للعرب في الجاهلية" قبل الإسلام بقرونٍ.. فقد كانت مكة المكرمة هي مركز الميزان في الوعي الملاحي والبري، فكانوا يطلقون على كل ما يقع عن يسار الكعبة شمالاً اسم "الشام" نسبة إلى المشأمة واليد اليسرى، ويطلقون على كل ما يقع عن يمينها جنوباً اسم (اليَمَن) بفتح الياء والميم. وبناء على ذلك العُرف اللغوي الأصيل، فإنّ لفظ (اليَمَن) يجمع في طياته عبقرية الاشتقاق العربي؛ فهو من جهة اليَمِين باعتباره الاتجاه الجغرافي لكل ما وقع جنوب الكعبة، وهو في الوقت ذاته مُشتق في دلالته وعُمقه من (اليُمْن) بضم الياء وسكون الميم، الذي يعني البركة والخير والرّفعة.. وبناء على هذا الفهم المُمتد للبركة والاتجاه، فإنّ هذا اللفظ لا يُمكن حشره في بُقعة سياسية ضيّقة، بل هو هويةً شاملةً لجنوب الجزيرة العربية، ودخلت فيه بالضرورة الجغرافية أراضي الأحقاف وظفار وسائر أقاليم عُمان المستقرة على خط ذلك الاتجاه الفلكي. وتُتعزز هذه المحاججة العلمية عند فتح مُصنفات الجغرافيا الإغريقية القديمة، وتحديداً خريطة "كلوديوس بطليموس" في القرن الثاني الميلادي؛ حيث لم يفصل الإغريق جنوب الجزيرة ككياناتٍ مجزأةٍ، بل سموها بالكامل "العربية السعيدة"، وكانت الواجهة السيادية البحرية الأكثر بروزاً وقوة وحركة للأساطيل في تلك الخرائط هي سواحل عُمان وموانئها التاريخية مثل سمهرم ومسقط. وإذا مددنا الخط الجغرافي المستقيم من ركن الكعبة الجنوبي الغربي فإنه يقطع فُجاج صحراء الأحقاف ليصل كوتدٍ راسخٍ إلى السواحل العُمانية ومياهها المفتوحة، مما يعني فلكياً وملاحياً أنّ ذلك الركن يُشير إلى الامتداد البحري السيادي الذي كانت عُمان صمام أمانه والحارس لقوانين ملاحته. وتتكامل هذه المحاججة الفكرية مع ما تُثبته العلوم الجغرافية الحديثة وحسابات "الجيوديسيا" أو علم قياس الأرض؛ وهو العِلم الرياضي والتطبيقي الذي يختص بقياس وتحديد الشكل الهندسي للأرض وأبعادها ومساحتها بدقة عالية، وأيضاً مَعني بدراسة حقول جاذبيتها وتغيراتها؛ فالكعبة المشرفة ليست مجرد بناءٍ عشوائيٍ، بل إنّ أركانها الأربعة تتطابق بدقة فلكية مذهلة مع الجهات الجغرافية الأصلية، حيث يُشير الركن الجنوبي الغربي بوضوح تام نحو اتجاه الجنوب والجنوب الشرقي. وعند مُحاكمة هذا الاتجاه عبر الخرائط الرقمية المعاصرة ومسح الأقمار الصناعية، نجد أنّ رسم خط مُستقيم ينطلق من ذلك الركن ويمتد على استقامته الرياضية دون انحراف، يقطع فُجاج جنوب الجزيرة العربية وصحراء الأحقاف المُمتدة، لينتهي وتداً مُستقراً في عُمق جغرافيا سلطنة عُمان، وتحديداً عند السواحل البحرية العُمانية المفتوحة التي تبدأ دقتها الفلكية من رأس ضربة علي وحَوف المحاذية لليمن، ممتدة عبر بحر العرب صعوداً إلى سدح، ومنها ينفتح المدى الملاحي والسيادي بامتياز على طول الشريط الساحلي المفتوح حتى يبلغ حاضرة صُور التاريخية بجنوب الشرقية. وهذا الدليل المادي المعاصر يُقدم برهاناً هندسياً قاطعاً على أنّ عُمان تقع مباشرة في قلب مسار سهم ذلك الركن وامتداده الطبيعي، مِمّا ينزع عن التسمية الحالية احتكارها الإقليمي الضيّق، ويُعيد صياغة الوعي بالامتداد الجغرافي الشامل للبيت العتيق. وينسجم هذا التحليل العلمي تماماً مع الرؤية الفقهية والتاريخية العميقة التي طرحها أعلام الفكر في عُمان؛ فقد تجلى هذا الفهم الجغرافي الموسّع في أطروحات ومُقابلات سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي عام سلطنة عُمان، وفضيلة الشيخ المؤرخ سليمان بن حمود السيابي، اللذين فككا بوعيٍ معرفيّ دلالة المُصطلحات الجغرافية التاريخية لارتباط مكة بعُمان، حيث أكدا أنّ حصر ذلك المفهوم في بُقعة سياسية ضيّقة يُجافي حقيقة الجغرافيا الشاملة لجهة اليمين والبركة التي تُعَد عُمان عمودها الفقري البحري، مما يُثبت أنّ هذه المحاجّة تستند إلى إرث فكري راسخ لعلماء عُمان الذين قرأوا النصوص وربطوها بالواقع الجغرافي والسيادي للمنطقة. وتذكر المتون والكتب التاريخية والموسوعية القديمة — مثل معجم البلدان لياقوت الحموي، وكتاب الروض الأنف للسهيلي، ونقلاً عن ابن قتيبة الدينوري — أنّ ذلك الرجل قدِمَ من اليمن قبل الإسلام، ولمّا رأى تهدّم الكعبة وقصور النفقة بقريش، عرض عليهم مشاركتهم في بنائها وإعادة إعمارها، فأشركوه في البناء، فبنى ذلك الركن مُشترطًا أنْ يُنسب إلى اليمن، فسُمّي من يومها بالركن اليماني. وقد خلّد شُعراء اليمن ذلك الصنيع التاريخي والمادي القديم في أمهات كتب التاريخ بقولهم: لنا الركن من بيت الحرام وراثةً ... بقية ما أبقى أُبَيُّ بن سالما. كما خلّدت أمهات الكتب مثل "أخبار مكة" للأزرقي رواياتٍ ماديةً تذكر أنّ من تولّى بناء جدار هذا الركن في الجاهلية هو أُبَيّ بن سالم، وهو ما يُثبت الشراكة الحضارية لأبناء الجنوب قاطبةً في صيانة البيت العتيق.. ومن هنا تنبثق المُحاججة الفكرية والسياسية الذكية: إنّ عُمان بأساطيلها الضاربة وأهل أنفتها الذين سادوا البحار العميقة والمياه البحرية المفتوحة، هم الشريك الشرعي والجغرافي لأصالة هذا الركن؛ فالتسمية بالامتداد الجغرافي والسيادة المادية تُعيد صياغة ذلك الاتجاه بوصفه امتداداً عُمانياً بامتيازٍ، يربط قلب مكة بأميرة البحار وأهل الريادة العلمية في عُمان. خُلاصة القول: ستبقى الحقائق المادية والخرائط القديمة شاهدةً على بُطلان الاختزال المعاصر للمصطلحات الجغرافية التاريخية.. وإنّ الركن الجنوبي للكعبة هو بوابة مكة نحو بحر العرب والبحر العُماني العميق ، وهو المدى الذي سيّجته عُمان بحضورها المعرفي والملاحي عبر الأزمان، ليبقى ذلك الامتداد طوداً شامخاً يعكس وحدة الهوية الجغرافية والسيادية للجزيرة العربية، وتظل عُمان في قلب هذا الاتجاه رائدةً، شامخةً، وعابرةً لعصور التاريخ.

المصدر: الرؤية