صراع الصناديق والتيجان
قبل 250 عاماً، لم ينتفض الأميركيون على تاج بريطاني ليضعوا تاجاً أميركياً على رأس رجل آخر، ولم يكتبوا دستورهم ليُخلدوا حاكماً، بل ليُخلدوا حق الأمة في محاسبته.
ومن فيلادلفيا، حيث وُلد الوعد الأول، إلى صناديق اقتراع الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر، امتدت يد التاريخ كأنها تُعيد إلى الجمهورية وصية كادت تُنسى. خرج الأميركيون إلى الشوارع يهتفون "لا ملوك"، ثم عادوا إلى الصناديق ليمنحوا الهتاف صوته الدستوري. فسقطت قلاع ظن أصحابها أنها لا تسقط، وانحنت خرائط اعتادت لوناً واحداً أمام إرادة لا يملك أحد رسم حدودها. لم يكن انتصاراً للون الأزرق على الأحمر فحسب، بل تذكيراً بأن البيت الأبيض ليس عرشاً، وأن الشعب ليس رعية، وأن أميركا، مهما أثقلتها أخطاء حكامها، لا تزال تملك ما يجعلها عظيمة: القدرة على أن تقف في وجه السلطة، دون أن تسقط الدولة، وأن تُصحح مسارها، دون أن تخون تاريخها.
في مجلس النواب، تجاوز الديمقراطيون عتبة الأغلبية. لكن المفارقة أن دوائر أعاد الجمهوريون رسمها لتعزيز نفوذهم، لم تحفظ لهم مقاعدها؛ فالخرائط تُرسم على الورق، والولاءات لا تُرسم بالقلم. أما ترامب، الذي دعا أنصاره للتصويت كما لو كان اسمه على الورقة، فقال بعد الخسارة: "لم يكن اسمي عليها". حضر حين كان ينتظر الانتصار، واستحضر غيابه حين حان الحساب.
وفي مجلس الشيوخ، لم تتغير الأغلبية وحدها؛ اهتزت ذاكرة الولايات. تكساس، الحصن الأحمر المنيع، انتخبت جيمس تالاريكو، أول ديموقراطي يصل إلى الشيوخ عنها منذ 1988. تحدث عن أكثر من 300 مليون دولار واجهت حملته، ثم قال إن أموال العالم لا تقوى على شعب تكساس. هكذا التقت لغة الإيمان المسيحي التقدمي باعتراض الناخب على نفوذ المال السياسي. وفي كانساس، انتهى انقطاع ديموقراطي امتد منذ 1932؛ وفي ساوث كارولينا، هزمت طبيبة الأطفال آني أندروز شقيقة السيناتور الراحل ليندسي غراهام، منهية احتكاراً جمهورياً منذ 1998، في ولاية منحت ترامب قبل عامين تقدماً بـ18 نقطة. وعاد شيرود براون في أوهايو بعد هزيمته قبل عامين.
أما ميشيغان، فقد أرسلت عبدول السيد، أول مسلم يُنتخب إلى مجلس الشيوخ، رغم الهجمات على عقيدته والخلافات حول إسرائيل. سيجلس إلى جانب قس مسيحي فاز في كانساس، وسياسي تقدمي مؤمن في تكساس؛ انتصارات مختلفة تُظهر أن الديمقراطيين لم يصلوا إلى الناخبين بخطاب واحد. وإذا تولى جي دي فانس تحليف السيد في يناير، فستكون صورة تختصر ما عجزت عنه خطابات الحملة من إقصاء.
ولم تكتفِ صناديق الاقتراع بإعادة تشكيل السلطة التشريعية، بل امتدت نتائجها إلى السلطة التنفيذية في الولايات، حيث سقطت حصون جمهورية أخرى. في تكساس، انتُخبت جينا إينوهوسا أول امرأة لاتينية حاكمة للولاية، وفي جورجيا، أصبحت كيشا لانس بوتومز أول امرأة سوداء منتخبة حاكمة لولاية، رغم إنفاق خصمها الملياردير ريك جاكسون أكثر من مئتي مليون دولار من ثروته على السباق؛ واحتفظ جون أوسوف بمقعده في الشيوخ. وفي آيوا، عاد الديمقراطيون إلى منصب الحاكم بعد عقدين؛ أما في مينيسوتا، فقد حلت أول امرأة من السكان الأصليين عليها، فيما انتُخب ديمقراطيون لحكم أوهايو أيضاً. لم تنتقل المقاعد وحدها؛ انتقلت معها مفاتيح القرار في الولايات.
غير أن غضب الناخبين لم يكن دستورياً وحده؛ فالأسعار والتعريفات والحرب على إيران أثقلت حساباتهم. وطهران الغائبة في الاقتراع، لكنها حاضرة في الانتخابات مرت عبر جيوب الناخبين؛ فمن مضيق هرمز إلى مضخّات الوقود الأميركية، تحوّلت كلفة الحرب إلى فاتورة سياسية. والمفارقة أن ترامب، الذي تنصّل من الهزيمة لغياب اسمه عن الورقة، أقرّ بأن إيران كانت "جزءاً" منها، ثم أكد أنه لو عاد به الزمن لاختار الحرب نفسها. فهل يدفع ثمن قراره انتخابياً دون أن يراجع جدواه استراتيجياً؟ وأمام كونغرس انتقلت أغلبيته إلى المعارضة، يقف حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط أمام سؤال أشد خطورة: هل تُترجم الخسارة إلى تسوية تُطفئ الحرب، أم إلى تصعيد يبحث عن انتصار خارج الحدود بعدما انحسرت القوة داخلها؟
من الجدير بالذكر القول إن الموجة الزرقاء التي اجتاحت الخريطة الأميركية أمس، لم تكن انتصاراً للحمار على الفيل، بقدر ما كانت غضباً من فيل أثقل الأرض بخطاه، حتى ضاقت به القلاع التي طالما احتمى بأسوارها. فليس كل من صوت للديمقراطيين قد آمن بوعودهم؛ بعضهم أراد فقط أن يسحب ثقته ممن خيب وعوده.
ولعل هذا هو مجد الجمهورية الذي يستحق أن يُستعاد: ألا تتحول أخطاء الحكام إلى قدر، ولا انتماءات الناخبين إلى قيود أبدية. بعد 250 عاماً، لا يزال الوعد الأميركي أبعد من لون ينتصر ولون ينحسر: أن لا رجل، مهما علا صوته، يملك الوطن، ولا حزب يرث الشعب، ولا سلطة تُعفى من السؤال. فإذا كانت التيجان تُعلم الملوك كيف ينحنون لها، فإن صناديق الاقتراع تُذكر الأمم بأنها خُلقت لترفع رؤوسها.
المصدر: النهار