دراسة: ثلاث مسارات لإعادة اللغة العربية إلى التعليم الطبي
بعد قرون كانت خلالها العربية لغة التأليف والتعليم الطبي، وانتقلت عبرها مؤلفات ابن سينا والرازي والزهراوي إلى أوروبا لتصبح مراجع في جامعاتها، وبعد أكثر من ألف عام أعادت دراسة علمية سعودية حديثة طرح سؤال حضور اللغة العربية في كليات الطب، بعدما كشفت أربع عوائق تحول دون توسيع استخدامها في التدريس، استناداً إلى 71 مقابلة مع طلاب وأكاديميين وأطباء وقيادات تعليمية في ثلاث مؤسسات طبية في السعودية الدراسة التي أعدتها الباحثة ختمة العنزي من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ونشرتها مجلة «فرونتيرز في التعليم» الدولية المحكّمة في الثاني من نوفمبر 2026، تناولت أسباب استمرار اعتماد الإنجليزية في التعليم الطبي السعودي، وانتهت إلى أن القضية تتجاوز المفاضلة بين لغتين، لترتبط بجاهزية المراجع العلمية والمصطلحات الطبية ومتطلبات التأهيل المهني والتواصل مع المرضى. تعيد نتائج الدراسة إلى الواجهة تاريخاً علمياً امتد منذ العصر العباسي، عندما أصبحت بغداد مركزاً لترجمة المعارف الطبية اليونانية والفارسية والهندية إلى العربية، ثم تطورت حركة التأليف الطبي على أيدي علماء أبرزهم الرازي وابن سينا والزهراوي. وكان كتاب «القانون في الطب» لابن سينا أحد أبرز المؤلفات الطبية التي انتقلت إلى أوروبا بالترجمة اللاتينية، ودخل مناهج التعليم الطبي في جامعاتها منذ القرن الثالث عشر الميلادي، فيما أسهمت مؤلفات الرازي والزهراوي في تطور المعرفة السريرية والجراحية. وشكلت هذه الأعمال جزءاً من حركة علمية عالمية تراكمت فيها المعارف عبر لغات وحضارات متعددة. وامتد تدريس الطب بالعربية إلى تجارب حديثة؛ إذ شهدت مصر منذ عام 1827 تعليماً طبياً بالعربية استمر نحو ست عقود، كما حافظت جامعة دمشق على تجربة تاريخية في تدريس العلوم الطبية بهذه اللغة. وفي المقابل، ارتبط تأسيس التعليم الطبي الجامعي الحديث في السعودية عام 1967 باعتماد الإنجليزية لغة رئيسية للتدريس. شملت الدراسة 29 طالب طب، يمثلون نحو 41% من المشاركين، و15 عضو هيئة تدريس بنسبة 21%، وتسع مدرسي لغة إنجليزية بنسبة 13%، وتسع أطباء ممارسين بالنسبة ذاتها، وسبع أطباء مقيمين بنسبة 10%، وعميدين بنسبة 3%، وفق النسب المقربة التي أوردتها الدراسة. وتوزعت العينة بين المؤسسات الثلاث بواقع 33 مشاركاً في المؤسسة الثانية، و24 في الأولى، و14 في الثالثة. واعتمد الباحثون على 51 مقابلة مسجلة صوتياً، استغرقت نحو 13 ساعة، إلى جانب 20 مقابلة موثقة كتابياً. وحدد التحليل أربع عوائق مترابطة، يتقدمها نقص المراجع الطبية العربية الحديثة، ثم تفاوت ترجمة المصطلحات وعدم توحيدها، والاعتماد على الإنجليزية في البحث العلمي والاختبارات المهنية والتخصصات الدقيقة، وأخيراً اعتياد الطلاب والأطباء على استخدام الإنجليزية بعد سنوات من الدراسة والممارسة. وأظهرت المقابلات أن بعض الطلاب يستعينون بالشرح العربي لفهم المفاهيم الطبية المعقدة، بينما يواجهون صعوبة في العثور على مصادر عربية حديثة وموثوقة. كما أشار مشاركون إلى أن اختلاف المقابلات العربية للمصطلحات العلمية يزيد الجهد المطلوب لفهمها وتوظيفها في الدراسة. تبرز أهمية النتائج في التمييز بين اللغة المستخدمة للوصول إلى أحدث الأبحاث الطبية واللغة التي يحتاجها الطبيب عند التواصل مع المريض. فبينما تتيح الإنجليزية للأطباء متابعة المجلات الدولية والمشاركة في المؤتمرات واستكمال التدريب والتخصص، تكتسب العربية أهمية مباشرة عند شرح التشخيص والخطة العلاجية والمخاطر والإجراءات الطبية للمرضى الناطقين بها. وتشير الدراسة إلى أن الاعتماد الطويل على الإنجليزية قد يجعل المصطلحات الطبية أكثر ألفة لدى بعض الممارسين من مقابلاتها العربية، الأمر الذي يستدعي تدريباً منظماً على التواصل السريري بالعربية، إلى جانب المحافظة على الكفاءة العلمية باللغة الإنجليزية. اقترحت الدراسة ثلاث مسارات للإصلاح، تبدأ بإدخال دعم ثنائي اللغة داخل المقررات الطبية، ثم تطوير نماذج تدريس انتقالية تجمع العربية والإنجليزية، وصولاً إلى بناء منظومة تعليم طبي عربية أكثر اكتمالاً على المدى الطويل، تستند إلى تحديث المراجع وتوحيد المصطلحات وتأهيل أعضاء هيئة التدريس. ودعت الدراسة إلى تقييم أثر هذه المسارات على فهم الطلاب للمفاهيم الطبية، وأدائهم في الاختبارات السريرية، وقدرتهم على التواصل مع المرضى، ومستوى إتقانهم للإنجليزية العلمية، بما يتيح بناء قرارات تعليمية تستند إلى نتائج قابلة للقياس. وتخلص الدراسة إلى أن تعزيز حضور العربية في التعليم الطبي يحتاج إلى استثمار معرفي ومؤسسي طويل المدى، مع استمرار الاستفادة من الإنجليزية بوصفها إحدى اللغات الرئيسية للإنتاج العلمي العالمي. وتظل نتائج البحث محددة بتصورات المشاركين في المؤسسات الثلاث؛ إذ اعتمد منهجاً نوعياً لتفسير العوائق، دون قياس نسبة انتشارها في جميع كليات الطب السعودية أو إثبات تفوق إحدى لغتي التدريس على الأخرى في النتائج التعليمية والسريرية. وبين تاريخ العربية بوصفها لغة حملت مؤلفات طبية إلى جامعات العالم، وواقع التعليم الطبي الحديث، تطرح الدراسة قضية تتصل بإنتاج المعرفة وتوطينها: كيف يمكن إعداد طبيب قادر على متابعة أحدث العلوم بلغتها العالمية، وشرحها لمريضه بلغته العربية بالدقة نفسها؟
المصدر: عكاظ