شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

الهوية في زمن الخوارزميات

الهوية في زمن الخوارزميات

◄ كيف ندخل المستقبل دون أن نتحول إلى متاحف أثرية؟ مرتضى بن حسن بن علي لم تعد الثورة التكنولوجية التي يشهدها العالم مجرد موجة جديدة من الاختراعات، ولا امتدادًا طبيعيًا للثورات الصناعية السابقة، بل نحن أمام تحول حضاري عميق يعيد تشكيل الإنسان نفسه: طريقة عمله، وتعلمه، وتواصله، واستهلاكه، بل وحتى نظرته إلى ذاته ومجتمعه والعالم من حوله. ومن هنا يبرز سؤال ربما يكون أكثر أهمية من السؤال عن التكنولوجيا ذاتها: كيف تستطيع مجتمعاتنا المحافظة على هويتها القومية والحضارية، من دون أن تتحول هذه الهوية إلى سور يعزلها عن المستقبل، أو إلى متحف يحفظ الماضي لكنه يعجز عن صناعة الحاضر؟ الذكاء الاصطناعي، والهندسة الوراثية، والروبوتات، والاقتصاد الرقمي، وتقنيات الاتصال الحديثة لا تغير أدوات الحياة فحسب، وإنما تعيد صياغة بنيتها. وظائف تختفي، وأخرى تولد، ومهن كانت تحتاج إلى آلاف البشر أصبحت تنجزها أنظمة مؤتمتة، بينما تظهر مجالات جديدة لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة. حتى الزراعة، وهي من أقدم الأنشطة البشرية، لم تعد كما عرفتها الأجيال السابقة. فقد أسهمت التكنولوجيا الحيوية وتحسين المحاصيل وتقنيات الزراعة الدقيقة في تطوير أصناف أكثر قدرة على مقاومة بعض الأمراض والآفات والملوحة والجفاف، ورفع الإنتاجية في ظروف بيئية صعبة. وهذا أمر بالغ الأهمية بالنسبة إلى منطقتنا العربية التي تواجه تحديات ندرة المياه، والتصحر، وتراجع الأراضي الزراعية، وتزايد الحاجة إلى الأمن الغذائي. ولذلك فإن مواجهة مشكلات الزراعة والفقر الريفي وشح المياه لا يمكن أن تستمر بالأدوات القديمة وحدها. المطلوب ليس فقط زيادة الدعم أو حفر المزيد من الآبار أو توزيع الأراضي، وإنما الاستثمار في البحث العلمي، والتكنولوجيا الحيوية، وتحسين البذور، والزراعة الذكية، وإدارة المياه، وربط الجامعات ومراكز البحوث بالاقتصاد الحقيقي. وهنا نصل إلى المفارقة الكبرى: التكنولوجيا التي تمنح المجتمعات أدوات هائلة للتقدم هي نفسها التي تضع هوياتها أمام اختبار غير مسبوق. لقد كانت المجتمعات في الماضي تتغير ببطء. تنتقل القيم والعادات وأنماط التفكير من جيل إلى آخر، وقد يحتاج التحول الاجتماعي إلى عقود طويلة. أما اليوم فقد أصبح الإنسان يشاهد تغيرات عميقة في القيم والسلوك واللغة وأنماط العلاقات خلال سنوات قليلة، بل أحيانًا خلال دورة حياته نفسها. والسبب أن الثورة الرقمية ألغت عمليًا كثيرًا من الحدود التقليدية بين المجتمعات. فالهاتف المحمول الذي يحمله الطفل أو الشاب لم يعد مجرد وسيلة اتصال، وإنما أصبح نافذة مفتوحة على العالم، يدخل منها المحتوى والثقافة واللغة والقيم وأنماط الاستهلاك ونماذج الحياة. ولذلك فإن الاعتقاد بأن المجتمع يستطيع حماية هويته من خلال المنع والحجب والرقابة وحدها أصبح وهمًا يصعب الدفاع عنه. ويمكن إغلاق قناة، لكن يصعب إغلاق الفضاء الرقمي. ويمكن حجب موقع، لكن لا يمكن بناء جدار حول عقل الإنسان في عصر تنتقل فيه الأفكار والصور والمعلومات عبر الحدود في ثوانٍ. والحماية الحقيقية للهوية لا تتحقق بعزل المجتمع عن العالم، وإنما بجعله قادرًا على التعامل معه بثقة؛ فالهوية القوية ليست التي تخشى كل فكرة وافدة، وإنما التي تمتلك من العمق الحضاري والمعرفة والمرونة ما يسمح لها بأن تستوعب الجديد، وتأخذ منه ما يفيدها، وترفض ما يتعارض مع مصالحها وقيمها، ثم تعيد إنتاجه في إطارها الخاص. وقد أثبت التاريخ أن الحضارات الحية لم تتطور في العزلة. لقد أخذت وأعطت، وترجمت واقتبست وطورت. والحضارة العربية والإسلامية نفسها ازدهرت عندما تفاعلت مع علوم وفلسفات وحضارات متعددة، ثم لم تكتف بنقلها، بل أضافت إليها وأعادت إنتاجها. المشكلة إذن ليست في الانفتاح، وإنما في الانفتاح من موقع المستهلك العاجز؛ فعندما ينتج الآخر التكنولوجيا التي نستخدمها، والمنصات التي نتواصل عبرها، والمحتوى الذي يشاهده أبناؤنا، والخوارزميات التي تحدد ما يصل إليهم، بينما يقتصر دورنا على الاستهلاك، تصبح قضية الهوية أكثر تعقيدًا. ومن هنا يصبح التعليم خط الدفاع الأول عن الهوية، ولكن ليس التعليم القائم على الحفظ والتلقين والخوف من السؤال. نحتاج إلى تعليم يبني الإنسان القادر على التفكير النقدي: أن يسأل، ويحلل، ويتحقق من المعلومات، ويميز بين المعرفة والدعاية، وبين الانفتاح والتبعية، وبين احترام التراث وتحويله إلى قيد على الحاضر. كما أن المؤسسات الثقافية والإعلامية مطالبة بتغيير أدواتها. لا يمكن مخاطبة أجيال الذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل بلغة إعلامية وثقافية تنتمي إلى زمن مضى، ثم لوم الشباب لأنهم يبحثون عن محتوى أكثر جاذبية في مكان آخر. وإذا أردنا حماية لغتنا، فعلينا أن نجعلها لغة علم وتكنولوجيا وإبداع، لا مجرد لغة احتفالات وخطب. وإذا أردنا حماية ثقافتنا، فعلينا أن نحولها إلى محتوى معاصر قادر على المنافسة. وإذا أردنا حماية قيمنا، فعلينا أن نشرح للأجيال الجديدة لماذا تستحق هذه القيم البقاء، لا أن نطلب منهم قبولها لمجرد أنها موروثة. وهناك فارق كبير بين مجتمع يحرس تراثه ومجتمع يصنع حضارته. الأول ينظر دائمًا إلى الخلف، ويخشى أن يفقد شيئًا من الماضي. أما الثاني فيعرف ماضيه جيدًا، لكنه يستخدمه قاعدة للانطلاق نحو المستقبل. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل مجتمعاتنا ليس: كيف نمنع العالم من التأثير فينا؟ فهذا أصبح شبه مستحيل. السؤال الأهم هو: كيف نصبح نحن أيضًا قادرين على التأثير في العالم؟ الإجابة تبدأ من المدرسة والجامعة ومركز البحث العلمي، ومن حرية التفكير والإبداع، ومن اقتصاد يكافئ المعرفة، ومن مؤسسات ثقافية مرنة، ومن الاستثمار في الإنسان القادر على الجمع بين الاعتزاز بهويته والانتماء إلى عصره؛ فالهوية ليست قطعة أثرية نخشى عليها من الهواء، وليست جدارًا نبنيه حول أنفسنا. الهوية الحقيقية كائن حي؛ تتطور وتتفاعل وتتعلم، من دون أن تفقد جذورها. وأمام مجتمعاتنا اليوم خيار حضاري واضح: إما أن تدخل المستقبل بثقة، فتشارك في إنتاج العلم والتكنولوجيا والثقافة، وتحمل معها هويتها باعتبارها قوة للإبداع والانطلاق؛ وإما أن تنشغل بحراسة الماضي حتى تستيقظ ذات يوم لتكتشف أن العالم مضى بعيدًا، وأنها نجحت في حماية المتحف، لكنها خسرت مكانها في التاريخ.

المصدر: الرؤية