شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

الشهادة أم الزواج: هل نحن أمام خيارين متعارضين؟

الشهادة أم الزواج: هل نحن أمام خيارين متعارضين؟

المجتمعالشهادة أم الزواج: هل نحن أمام خيارين متعارضين؟٤ نوفمبر ٢٠٢٦ | 3:21 مساءً أحمد الشبيبياستشاري علاقات أسريةالشهادة أم الزواج: هل نحن أمام خيارين متعارضين؟أثير - أحمد بن عبدالله الشبيبي، خبير الاستشارات الأسريةكلما تحدثنا عن الزواج حضرت قائمة طويلة من الشروط: إنهاء الدراسة، والحصول على وظيفة، وتأمين المسكن ثم تحسين الدخل وربما إكمال الماجستير والدكتوراه. وكل مطلب منها مفهوم في ذاته، لكن السؤال الذي يستحق النقاش: متى تتحول هذه الاستعدادات من وسائل لبناء الأسرة إلى أسباب لتأجيلها باستمرار؟ وهل يلزم أن ننجز جميع طموحاتنا أولًا ثم نمنح الزواج ما تبقى من العمر؟هذا السؤال لا ينتقص من قيمة العلم ولا يدعو إلى استعجال زواج لم تنضج ظروفه. إنه يراجع تصورًا اجتماعيًا يضع الشهادة وتأسيس الأسرة على طرفي نقيض وكأن الإنسان لا يستطيع أن يكون طالب علم وزوجًا في الوقت نفسه. والحقيقة أن إمكان الجمع بينهما يستحق البحث متى توافر الرضا والنضج والقدرة والتفاهم مع دعم أسري يخفف الأعباء بدل أن يزيدها.وفي مجتمعنا العماني ينبغي أن يمتد هذا الحوار إلى مستقبل الأسرة والتحولات السكانية. فوفق الكتاب الإحصائي السنوي 2026 الصادر عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، بلغ معدل الخصوبة الكلي للعمانيات 2.8 مولود لكل امرأة عام 2025. وهذا مؤشر يستحق المتابعة ضمن سلسلة زمنية، ولا يكفي منفردًا للحكم على وجود أزمة أو لتفسير أسباب التغير في الإنجاب. كما لا يصح الخلط بين معدل الخصوبة السكاني والقدرة الطبية الفردية على الإنجاب.ومن المهم أن نسأل عن ظروف الشباب قبل أن نسألهم لماذا تأخروا. فمن ينتظر مصدر دخل يستطيع به تحمل النفقة يختلف عمن يملك مقومات مناسبة، لكنه ينتظر حياة مكتملة لا نقص فيها. ومن لم يجد شريكًا مناسبًا يختلف عمن يرفض الزواج لمجرد أن المجتمع أقنعه بأنه نهاية لطموحه. هذه الفروق أساسية لأن التعميم يحجب الأسباب ويجعل الحلول بعيدة عن أصحابها.فلننظر إلى شاب وفتاة بالغين يملكان قدرًا مناسبًا من الاستقرار ويرغبان في الزواج ومواصلة الدراسة. قد يكون السؤال المفيد: كيف ننظم الوقت والمصروفات والمسؤوليات؟ لكن بعض الأسر تبدأ من حكم مسبق: الزواج يعطل الدراسة. وهنا تُغلق فرصة التفاهم قبل اختبارها وقد تمر السنوات ويتغير الموعد المنتظر كلما ظهرت شهادة جديدة أو ترقية مأمولة أو مقارنة اجتماعية ترفع سقف المطلوب.ولا ينبغي أن يُطلب من المرأة وحدها دفع ثمن هذا التعارض. فحين نشجعها على الجمع بين الدراسة والزواج يجب أن نتحدث أيضًا عن دور الزوج في تقاسم مسؤوليات المنزل ورعاية الأطفال، واحترام وقتها الدراسي وطموحها المهني. وكذلك يحتاج الزوج الذي يواصل تعليمه إلى شراكة متفهمة. نجاح التجربة يحتاج إلى اتفاق عملي بين الطرفين، يتناول تفاصيل الحياة اليومية ويستعد لضغوطها، بعيدًا عن الوعود العامة.أما الأسر فلها دور مباشر في تيسير البداية. وقد يكون تخفيف تكاليف الحفل والقبول بمسكن مناسب للإمكانات واحترام استقلال الزوجين أكثر أثرًا من تكرار النصائح بالزواج. وأحيانًا نطالب أبناءنا بتأسيس أسرة ثم نحاصرهم بمطالب مالية واجتماعية تجعل الخطوة أثقل مما يستطيعون. ومن حقهم علينا أن نراجع ما نضيفه إلى الطريق من عقبات وأن نفرق بين الضروري وما تفرضه المظاهر والمقارنات.وفي البعد الديني يحمل الزواج معاني السكن والمودة والرحمة وتحمل الذرية معنى النعمة والمسؤولية. ويمنح الإيمان برزق الله الإنسان أملًا يعينه على تجاوز الخوف مع الأخذ بالأسباب والتخطيط للنفقة والرعاية. ويمكن للخطاب الديني والاجتماعي أن يعزز هذه المعاني بلغة تطمئن الشباب وتعينهم على حسن الاختيار وتراعي ظروف من تعثر زواجه أو تأخر إنجابه وتحفظ كرامته وخصوصيته.وعلى مستوى المجتمع، يستحق استمرار انخفاض الإنجاب إذا أكدته البيانات عبر السنوات دراسة آثاره المحتملة على التركيب العمري وتجدد القوى العاملة، والعلاقات بين الأجيال واحتياجات الرعاية مستقبلًا. لكن البحث الجاد يحتاج إلى فهم أثر تكاليف المعيشة والسكن، والعمل وسن الزواج، وتوقعات الوالدية، بدل تعليق القضية كلها على التعليم أو تحميل النساء مسؤوليتها. فالمؤشرات السكانية تطرح أسئلة للبحث والتخطيط، ولا تمنحنا أحكامًا جاهزة على الأفراد.وهنا تبرز مسؤولية المؤسسات. فالجامعات تستطيع دراسة تسهيلات معقولة للطلبة المتزوجين والوالدين، بما يحفظ متطلبات الدراسة، وجهات العمل تستطيع تطوير بيئات أكثر دعمًا للأسرة، والجهات المعنية بالإسكان والتمويل تستطيع بحث احتياجات المقبلين على الزواج. كما أن برامج التأهيل الزواجي والإرشاد الأسري يمكن أن تساعد الشباب على بناء توقعات واقعية، وتعلم الحوار وإدارة المال والخلاف، حتى تبدأ الأسرة على فهم واستعداد.ومن المفيد أن يصاحب ذلك حوار وطني تشارك فيه الجهات الإحصائية والصحية والاجتماعية والجامعات، يستمع إلى الشباب أنفسهم: ما الذي يؤخر قرار الزواج؟ وما الذي يجعل تربية الأطفال عبئًا يصعب احتماله؟ وما أشكال الدعم التي يرونها مؤثرة؟ فالإجابات الميدانية تساعد على توجيه الموارد إلى الاحتياجات الفعلية، وتمنح السياسات فرصة لمعالجة الأسباب كما تتيح تقييم المبادرات بمرور الوقت بدل الاكتفاء بإطلاقها.نحن بحاجة إلى ثقافة ترى في التعليم قوة للأسرة وفي الزواج شراكة يمكن أن تسند الطموح. وحين يتوافر الاستعداد وشريك مناسب يستحق قرار التأجيل مراجعة هادئة مثلما يستحق قرار الإقدام تخطيطًا جادًا. والسؤال الذي أضعه أمام الأسر والمؤسسات: ماذا نستطيع أن نغير اليوم حتى يتمكن أبناؤنا وبناتنا من مواصلة تعليمهم وبناء أسر مستقرة دون أن يظل أحد الحلمين مؤجلًا إلى أجل غير معلوم؟ الشهادة أم الزواج هل نحن أمام خيارين متعارضين.الأولىشارك هذا الخبر

المصدر: أثر