أئمّتُنا بشرٌ مثلُنا
يَروي أحد الأفاضل -من الجزائر- موقفا حصل له مع إمام أحد المساجد، فيقول: وصلت إلى المسجد يوم الجمعة في حدود السّاعة 11 صباحا، فوجدت بأنّه لا يزال مغلقا. انتظرت مع بعض المصلّين لأكثر من نصف ساعة، ولكنّ القيّم لم يحضر! بدأت جموع المصلين تتوافد، وكان بينها في الطّرف الآخر عجائز مسنّات ينتظرن أن تفتح الأبواب؛ فما كان منّي إلا أن تقدّمت إلى منزل الإمام الملاصق للمسجد وطرقت بابه لأنظر إن كان يملك نسخة من المفتاح؛ ففوجئت به يفتح النافذة ويصرخ في وجهي غاضبا كأنّي أتيت فعلا منكرا! وأخذ يوبّخني على طَرق بابه ويخبرني بأنّه ليس من مهامه فتح وإغلاق المسجد. يستطرد الرّاوي قائلا: ذُهلت لردّ فعله، وما كان منّي إلا أن انصرفت بعد أن قلتُ لابني الصّغير الذي شهد معي الموقف: لا تعجب! إنّ الإمام يمزح معنا! بعدها بعشر دقائق، حضر القيّم وفتح المسجد… ظننت أنّ الأمر انتهى، لكنّي فوجئت بالإمام يلغي درس الجمعة، ويأخذ “الميكروفون” قبل الخطبة بقليل ليصبّ جام غضبه عليّ وعلى المصلين، محذرا الجميعَ طرقَ بابه مهما كان السّبب، وكرّر تحذيره أكثر من مرّة حتى احتار المصلون لأمره! (انتهى بتصرّف يسير). لا شكّ في أنّ الإمام المذكور قد أخطأ في تصرّفه هذا الذي يُستشنع من مسلم عاديّ، كيف بإمام مسجد يُفترض في حقّه أن يكون من أحلم الناس وأوسعهم صدرا، وأن ينظر إلى كلّ خدمة يقدّمها في بيت الله على أنها عمل صالح ينال لقاءه أجورا مضاعفة، ولا يُنقص من قدره أبدا أن يفتح المسجد ويرفع الأذان ويقيم الصّلاة ويصلّي بالنّاس ويغلق الأبواب، بل لا ينقص من قدره أن ينظّف المتوضَّأ والمراحيض؛ فالمكان هو بيت من بيوت الله، يتخلّى عند عتباته كلّ النّاس عن ألقابهم ورتبهم ونياشينهم، ويتواضعون لخالقهم ولإخوانهم من حولهم. ووالله إنّه لأمر مؤسف حقا أن نسمع عن أئمّة يستنكف بعضهم عن إمامة المصلّين على اعتبار أنّهم أئمّة “أساتذة” أو “خطباء” وليس من مهامهم تقدُّم جموع المصلّين في الصّلاة! وينسون الأجر العظيم الذي يناله من يؤمّ النّاس، ونسمع عن أئمّة يستنكف الواحد منهم عن رفع الأذان ويرى أنّ ذلك ينقص من قدره! وهو يعلم الأجر العظيم الذي يناله المؤذّنون عند الله. لكن من جهة أخرى، ينبغي على رواد بيوت الله ألا يغيب عنهم أنّ الإمام -كغيره من البشر- تعتريه أحوال في بعض الأوقات تجعله ينزعج ويبدي غيظه الذي كان يفترض فيه أن يكظمه، وأنّ موقفا خاطئا يرونه من إمامهم ربّما تكون سبقته مواقف أخرى توالت عليه لم يطّلعوا عليها، حمَلته على أن يتصرّف ببشريته… على سبيل المثال لا الحصر، كثيرا ما يكون الإمام في الساعات الأخيرة التي تسبق درس وخطبة الجمعة في حاجة إلى الهدوء والتركيز، ما يجعل كلّ طارئ يطرأ عليه أو طارق يطرق بابه، يربكه، وكثيرٌ من المصلّين يقصدون منزل الإمام في هذا الوقت الحرج في قضايا أغلبها ليست مستعجلة، في وسعهم أن يصبروا لها حتى يخرج الإمام إليهم. ((وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) (الحجرات، 5). ليس هذا هو الوقت الوحيد الذي يُحرَج فيه الأئمّة الذين يقطنون في سكنات تابعة للمساجد، مع عامّة النّاس، الذين ينظرون إلى السكن التّابع للمسجد على أنّه نعمة يُغبط عليها الإمام، وهي كذلك في بعض جوانبها، لكنّها في جوانب أخرى عبءٌ ليس من السّهل تحمّله؛ فربما يُطرق بابه في وقت الطّعام أو وقت القيلولة، بل وفي وقت متأخّر من اللّيل، والإمام ليس وحده من يقبع خلف ذلك الباب الذي يطرق في ذلك الوقت؛ فمعه أهلٌ وأبناء يُعانون معه… ولنا أن نتخيّل إماما له ولد رضيع، يأتيه طارق في وقت متأخر من الليل يطرق بابه بعنف وإصرار؛ كيف يكون مصير ذلك الرضيع الذي يستيقظ مذعورا في ذلك الوقت؟ فعلى رواد بيوت الله أن يستحضروا دائما وأبدا أنّ الأئمّة بشر مثلهم، يأكلون الطّعام ويمشون في الأسواق، ولهم أزواج وأبناء، ويحتاجون إلى بعض الرّاحة في بيوتهم مع أهليهم، ويحتاجون إلى أوقات يجلسون فيها مع أنفسهم، وأخرى يحضّرون فيها دروسهم التي يلقونها على مسامع المصلّين؛ فالإمام على خلاف باقي الموظّفين، عندما يكون في بيته، فليس بالضّرورة أن يكون في راحة أو حتى في أموره الحياتية الخاصّة؛ فربّما يكون في شغل المسجد وهو في بيته. الإمام صاحب رسالة قبل أن يكون موظّفا، ومن مقتضيات رسالته أن يستقبل النّاس في المسجد وفي بيته وفي الشّارع وفي كلّ مكان، ليًصغي إلى أسئلتهم واستشاراتهم وهمومهم، ويبذل لهم النّصح بكلّ رفق، لكنّ عامّة النّاس –من جهتهم- ينبغي لهم أن يعرفوا لبيت الإمام خصوصيته في الأوقات الحرجة، وهي الأوقات التي تحدّث عنها القرآن في قول الله تعالى: ((مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ))، وأن يصبروا على الإمام حينما يكون في منزله حتى يخرج إليهم، إلا أن تكون هناك أسئلة وقضايا مستعجلة. كما ينبغي لهم أن يغضّوا أبصارهم قدر الإمام عن أخطائه التي تبدر منه أحيانا ويلتمسوا له الأعذار، فلعلّ وراء الأكمة ما وراءها… وبهذا يحتفظ الأئمّة بمكانتهم بين النّاس، وتُحفظ كرامتهم وتراعى بشريتهم، ويسود الودّ والاحترام بينهم وبين رواد بيوت الله.
المصدر: الشروق