تصبير الزيتون بميلة… تقليد عائلي أصيل يقاوم الاندثار
الزائر لولاية ميلة، خاصة بلدياتها الشمالية، هذه الأيام الخريفية، بين شمس ومطر، يلاحظ على قارعة الطرقات الولائية والفرعية وخاصة الوطنية، أطنانا من الزيتون الخام الفخم والضخم، يباع لمن يطلبه… وما أكثرهم. أطفال مراهقون وحتى كهول، يضعون طاولات بألوان خضراء وسوداء، وبحجم حبة الجوز، تعلن عن زيتون الدار، أو زيتون “الترقاد” أو المخلّل أو المملّح، كما يقولون، للبيع، وحتى المحضّر منه لمن يريد تفادي تحضيره المتعب نوعا ما. وكما جرت العادة، كانت عطلة نوفمبر القصيرة، فرصة لنزول مزيد من الأطنان من الزيتون “كبير الحجم”، إلى الأسواق الشعبية والأسبوعية وعلى قارعة الطرقات، حيث يدخل تلاميذ المشاتي في عطلة قصيرة فيساعدون عائلاتهم في بيع الزيتون، لطالبيه من السيّارة وأهل المنطقة أيضا. عواصم الزيتون “المشلّح” تعتبر الجهة الشمالية من ولاية ميلة، عاصمة للزيتون الضخم، الذي لا يُحوّل إلى المعاصر، وإنما إلى بيوت الناس، كما يسمونه زيتون المائدة أو العائلة أو بالدارجة “المشلّح” أو “المرقّد”. وتعتبر بلديات واد النجاء وأحمد راشدي وعميرة أراس وترعي باينان وقرارم قوقة وسيدي مروان وعين التين، أهم المناطق في إنتاج الزيتون “المشلّح” على الإطلاق، على المستوى الوطني. وكلما حلّ منتصف شهر أكتوبر إلى غاية نهاية شهر نوفمبر، تشاهد على قارعة الطرقات، وفي قلب هذه البلديات، مئات السيارات بترقيم من كل ولايات الوطن، بما فيها الجنوبية والغربية والوسطى، تطلب ذخيرتها من زيتون “الترقاد”. يجلس رامي، وهو شاب في الثامنة عشرة من العمر، في الطريق الولائي، الفاصل ما بين بلدية أحمد راشدي وعاصمة الولاية ميلة، وقد مدّ بساطا كبيرا، فيه أربعة أنواع من الزيتون المُحوّل لـ”التشليح”، يضع لكل نوع ثمنا خاصا ما بين 200 دج إلى 320 دج للكيلوغرام الواحد، بألوان تتغير من الأخضر إلى الأسود والبنفسجي، وبأحجام من حبة العنب إلى حبة الجوز ويشرح حكايته مع الزيتون: “غادرت عالم الدراسة في السنة الرابعة متوسط، دخلت عالم البيع الموسمي، لكن للزيتون نصيب كبير في سنتي التجارية، من الجني إلى زيتون “التشليح” إلى بيع الزيتون وزيته الطيب، في المدن الكبرى، بين قسنطينة وميلة وسطيف في شهر رمضان وفي الصيف، والناس تتفتح شهيتهم للزيتون ولزيت الزيتون طوال السنة، وهو ما يجعلني مرتاح في هذه التجارة، على أمل أن أمتلك سيارة وسجلا تجاريا مع مرور السنوات، لأحسّن وضعي المادي مع اتساع جغرافية نشاطي”. تركنا رامي عندما توقفت إلى جانبه سيارة بترقيم ولاية أم البواقي، واتضح بأن سائقها قدم خصيصا من مدينة عين مليلة، من أجل شراء نصيبه من الزيتون “المشلّح”، قد يصل ما يأخذه الزبون الواحد 20 كيلوغراما، كما قال رامي الشاب. ولرامي في الطرقات الكثير من المنافسين، بعضهم يبيع توابع “الترقاد”، من خل ومن سوائل أخرى يقولون بأنها تساعد في عملية “الترقاد” السريعة، إضافة إلى حشيشة الرند والليمون والملح، وكلها تستعمل في عملية التصبير التي قد تطول إلى غاية نضج الزيتون وجاهزيته لمدة شهر كامل. …أول الغيث إذا كان منتجو التمور يتحفون متذوقي هذه الثمرة الحلوة أولا بما يسمى التمر “المنقر” إيذانا بقرب جني التمور بكل أنواعها، بما فيها “دقلة نور”، فإن أول المسك أو الغيث في عالم الزيتون الجزائري هو زيتون “الترقاد” الذي يظهر قبل بقية أنواع الزيتون مختلفة الأذواق والأحجام والألوان. ولزيتون “الترقاد” شجرته وأرضيته الخاصة، عمي عمر، وهو مختص في أشجار الزيتون “المشلّح”، له العشرات من الأشجار التي أبلى فيها قرابة نصف قرن من العرق والجهد ببلدية أحمد راشدي التي تبعد عن عاصمة الولاية ميلة، بحوالي 25 كلم. تحدث لـ”الشروق اليومي” بشغف وأسف أيضا فقال: “للأسف، هذا الموسم الزيتون مردوده تراجع كثيرا مقارنة بالموسم الماضي، السبب ليس كارثة النيران التي نجونا منها بحقولنا ولا بالجفاف حيث كان الموسم ماطرا على العموم ومياه سد “بني هارون” متوفرة، وإنما بحبات البرد التي “قصفت” حقولنا مع بداية شهر أكتوبر الحالي، فكانت كارثة على إنتاجنا للزيتون الذي تساقطت حباته وهو في عنفوان حجمه ونضجه، فتأثر زيتون “التشلاح” مع سقوط حبات البرد الأخيرة. ولكننا أنقذنا بعض الشجرات التي أعطتنا بعض الكيلوغرامات التي ستتحوّل للعائلة والجيران فقط، من دون بقية الزبائن للأسف”. ومن عادة عمي عمر أن تصله الطلبات والكمية المحددة والصنف المرغوب فيه، منذ الصيف من أماكن مختلفة من ولايات ميلة وقسنطينة وسطيف، ولكنه هذا الموسم اعتذر لأصحاب الطلبات بسبب ما أحدثته حباب البرد في حقله، وفي حبات الزيتون التي تخصّص فيها وكان يقتني أشجارها الخاصة لتعويض التي شاخت أو أصابتها الأمراض الفطرية والبكتيرية التي تضرب أشجار الزيتون مثل سل الزيتون أو البياض وغيرها من الأمراض التي تثقل كاهل مزارعي الشجرة الطيبة. يتحدث عمي عمر عن رحلته مع زيتون التمليح أو المخلل أو المرقّد، فيقول: “بالعين المجردة، يمكنك أن تفرق بين شجرة الزيتون الضخم وبقية أشجار الزيتون، فأوراقه عريضة وكبيرة وخضراء داكنة وليست فاتحة الاخضرار، مثل زيتون المعاصر مثلا، وللأسف، فإن هذه الأشجار معرضة أكثر من بقية أشجار الزيتون للأمراض ولذبابة الزيتون الفتّاكة، والجفاف عدوها الأول، وهي تتطلب سقيا منتظما. في الوقت الذي يمكن لشجرة الزيتون العادي أن تعطي ثمارها من دون أدنى جهد أحيانا وكلها تبقى تحت رحمة المناخ والغيث. قيمة ثقافية وصحية في ولاية ميلة، مُدنها مثل قُراها، كما في ولايات أخرى ومنها الجارة الكبيرة والعريقة قسنطينة، يصنف الزيتون الضخم ضمن التقاليد العائلية التي لا يفرط فيها أحد، فالخريف هو عيده الأول، تبدأ كل عائلة تبحث عن نصيبها من زيتون “الترقاد”، كما يقال في قسنطينة و”المشلّح” كما يقال في ميلة و”المخلل” كما يقال في سطيف، وفي العادة، فإن الزيتون الضخم بحجم حبة الجوز والملون بالأسود هو المطلوب، وهو الأغلى ثمنا، مع نصيب من الزيتون صغير الحجم، وتتولى النسوة وحتى أرباب البيوت تحضيره في حضور كمية من الخل والملح والرند والليمون، حيث يتم تحضير سائل مائي مع هذه المكونات مع إضافات حسب المذاق من نعناع وما شابه، وبكميات مدروسة بدقة، ثم يتم شق حبة الزيتون الضخمة بالسكين، حتى تمتص الثمرة ما أعطي لها من سائل وتتشبع به في أيام النضج، وتوضع بعد ذلك في “بيادين” كبرى أو “زير” فخم وتترك في أحد زوايا المطبخ أو بقية غرف المنزل، إلى أن تبلغ درجة النضج، وكلما طالت المدة وقد تبلغ شهرا، كلما أعطت المذاق المر اللذيذ الذي يشتهيه عامة الجزائريين، كما تقول السيدة رحمة بن تونسي. وهناك من يترك جزءا مهما من زيتونه “المرقّد” إلى شهر الصيام وبعض النسوة يفضلونه مع “البوراك” والشربة وحتى في وجبات السحور. يختصر السيد عبد النور حكاية الزيتون مع أسر ميلة: “أنا لحد الآن أتناول زيتون السنة الماضية، فكلما طال تواجده في القارورات الزجاجية الخاصة، كلما تخلل وطاب مذاقه، وفي سنوات وعقود سابقة، كان الزيتون “المشلّح” وجبة كاملة، خاصة إذا اشتد البرد وتساقط الثلج، فتقوم ربة البيت أو الأم بطبخ الكسرة التقليدية الثخينة أو ما يسميه البعض بـ”المطلوع”، وتخرج حبات من الزيتون الضخم، وتضعها في صحن وتتناوله في وجبة الغداء مع أبنائها”. تحتل الجزائر حاليا المركز الرابع عالميا في إنتاج الزيتون، والمرتبة السابعة عالميا في إنتاج زيت الزيتون، وللعائلة الجزائرية ألف قصة وقصة مع الزيتون وشجرته الطيبة، وعشق الناس له، ورفقته لهم على موائدهم، مثل الأسطورة أو الملحمة، مع زيتون له بُعد ثقافي واجتماعي وصحي لا تضاهيه أي ثمرة في العالم.
المصدر: الشروق