شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

الشراكة السعودية السورية.. هل تنتقل الاتفاقيات إلى مرحلة التنفيذ؟

الشراكة السعودية السورية.. هل تنتقل الاتفاقيات إلى مرحلة التنفيذ؟

تكتسب زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى السعودية أهمية اقتصادية في ظل الاتفاقيات والمشاريع التي سبق توقيعها بين البلدين، وما تطرحه من فرص للتعاون في قطاعات حيوية كالاتصالات والطيران والمياه إلا أن نجاح هذه الشراكة يبقى مرهوناً بقدرة الطرفين على الانتقال من توقيع العقود والتفاهمات إلى تنفيذ المشاريع فعلياً، وتوفير الظروف التي تضمن استمراريتها. عميد كلية الاقتصاد في جامعة اللاذقية الدكتور عبد الهادي الرفاعي يرى في حديث لـ”الوطن”، أن العلاقات الاقتصادية السورية السعودية تمر بمرحلة تحول نوعي، تنتقل فيها من التفاهمات السياسية إلى التنفيذ التجاري، استناداً إلى الزيارة الحالية للرئيس الشرع إلى السعودية، والاتفاقيات التي سبق توقيعها بين البلدين في شباط 2026. ويشير الرفاعي إلى أن أهمية الزيارة لا تقتصر على ما سيتم توقيعه خلالها، بل تتصل أيضاً بطبيعة الوفد المرافق للرئيس الشرع والجهات التي يلتقي بها، إذ يضم وزراء الخارجية والدفاع والمالية والصناعة، إلى جانب رئيس الاستخبارات. ويرى أن هذا التشكيل يشير إلى أن المفاوضات لا تقتصر على المشاريع الاقتصادية، بل تشمل أيضاً ضمانات أمنية وتنسيقاً سياسياً، باعتبار أن الاستقرار الأمني يشكل الشرط الأساسي للاستثمار السعودي في سورية. وعلى نطاق أوسع، لفت إلى أنه شهدت العلاقات الاقتصادية بين البلدين تحضيراً مسبقاً خلال الأشهر الستة الماضية، ففي تموز 2025 وقع الجانبان 47 اتفاقية استثمارية بقيمة تقارب 24 مليار ريال سعودي، خلال منتدى الاستثمار في سورية وفي شباط 2026، وقعت السعودية وسورية في دمشق حزمة من العقود الاستراتيجية التي وُصفت بأنها أوسع حزمة عقود منذ استئناف العلاقات. وبحسب الرفاعي، فإن زيارة الرئيس الشرع الحالية إلى الرياض تمثل دفعاً على أعلى المستويات السياسية لتنفيذ العقود الموقعة بالفعل. مشاريع في قطاعات البنية التحتية الحيوية ويحدد الرفاعي ثلاث خصائص تميز الاتفاقيات السعودية السورية، أولها تركيز الاستثمارات على النقاط الحيوية في البنية التحتية، بدلاً من التوجه إلى مشاريع صغيرة ومتفرقة، إذ دخلت السعودية مباشرة في مجالات حيوية وربحية في سورية. ويبرز في هذا السياق مشروع «سيلك لينك» الذي فازت به شركة الاتصالات السعودية STC، باستثمار يقارب مليار دولار، ويتضمن مد كابلات ألياف بصرية بطول يزيد على 4500 كيلومتر، وبناء مراكز بيانات، بهدف تحويل سورية إلى مركز لنقل البيانات بين أوروبا وآسيا. ويرى الرفاعي أن المشروع لا يمثل استثماراً تجارياً فحسب، بل يربط سورية بالبنية التحتية الرقمية العالمية. أما الخاصية الثانية، فتتمثل في تحديد الشركات التي ستتولى تنفيذ المشاريع، بدلاً من الاكتفاء باتفاقيات إطارية عامة، إذ تتولى شركة STC قطاع الاتصالات، فيما ترتبط شركة «فلاي ناس» (Flynas) بقطاع الطيران من خلال تأسيس «ناس سورية» مع الجانب السوري، في حين تتولى شركة «أكوا باور» (ACWA Power) مشاريع تحلية المياه ونقلها. ويشير الرفاعي إلى أن هذه الشركات السعودية الخاصة أو شبه الحكومية لديها دوافع تجارية واضحة، ما يزيد من احتمالية التنفيذ مقارنة بالاتفاقيات الحكومية البحتة. وتتمثل الخاصية الثالثة في إزالة العوائق المالية، باعتبارها نقطة انطلاق لتحويل الاتفاقيات إلى أموال فعلية، إذ جرى الإعلان عن إنشاء صندوق «إيلاف»، والتأكيد على تفعيل القنوات المصرفية بين البلدين. وبالنسبة إلى سورية التي لا تزال تحت ضغط العقوبات، فإن وجود صندوق استثماري مخصص وقنوات للتحويل المالي يشكل، بحسب الرفاعي، شرطاً أساسياً لتحويل الاتفاقيات إلى استثمارات فعلية. مشاريع بدأت التحرك وأخرى تنتظر التنفيذ وعلى صعيد انتقال الاتفاقيات إلى مشاريع ملموسة، يشير الرفاعي إلى وجود مؤشرات إيجابية على بدء تحرك بعض المشاريع، رغم استمرار التحديات ففي قطاع الطيران، استؤنفت الرحلات السعودية إلى سورية، وتم إطلاق «ناس سورية» كشركة طيران اقتصادية مشتركة. أما في القطاع العقاري، فإن مشروع «أبيات» السعودي (Abyat) في ريف دمشق قيد التنفيذ، ويعد أحد المشاريع القليلة التي دخلت مرحلة البناء الفعلي. في المقابل، لا تزال مشاريع أخرى في مرحلة الترسيخ، إذ إن مشروع «سيلك لينك»، رغم فوز شركة STC بالعقد، يحتاج إلى دورة بناء طويلة تشمل مد الكابلات وإنشاء مراكز البيانات. وفي قطاع المياه، تتضمن مذكرة التفاهم الموقعة مع شركة «أكوا باور» خططاً لإنشاء محطات لتحلية المياه على الساحل ونقلها إلى الجنوب، لكنها لا تزال في مرحلة إعداد خريطة الطريق، ولم تبدأ أعمال البناء الفعلية حتى الآن. الاستقرار التشريعي والدعم السياسي ويربط الرفاعي انتقال هذه المشاريع إلى مرحلة التنفيذ بتوافر شروط رئيسة، في مقدّمتها الاستقرار التشريعي والمالي، إذ تحتاج الشركات السعودية إلى ضمانات لحماية أصولها في سوريا. ورغم توقيع البلدين اتفاقية لحماية الاستثمار في آب 2025، فإن إنفاذها الفعلي لا يزال بحاجة إلى اختبار. كما يشكّل استمرار الدعم السياسي السعودي عاملاً مهماً في استمرارية الاستثمارات، فمصلحة الرياض في سوريا لا تقتصر على الجانب الاقتصادي، بل تشمل أيضاً اعتبارات جيوسياسية، وبالتالي فإن أي تغيّر في الوضع الإقليمي قد ينعكس على وتيرة الاستثمار. ويخلص الرفاعي إلى أن زيارة الرئيس الشرع إلى الرياض رفعت العلاقات الاقتصادية بين البلدين من المستوى الوزاري إلى مستوى القمة، إلا أن العلاقات الاقتصادية السورية السعودية لا تزال في مرحلة البداية الجدية لكنها هشّة. ويؤكد أن معيار النجاح لا يتمثّل في عدد الاتفاقيات التي ستُوقّع خلال الزيارة الحالية، بل في مدى قدرة مشروع «سيلك لينك» على بدء العمل فعلياً، وإمكانية انطلاق أعمال بناء أول محطة تحلية تابعة لشركة «أكوا باور». وحتى يتحقق ذلك، يمكن القول إن الشراكة بدأت، لكن لا يمكن الجزم بأنها تحقّقت بعد.

المصدر: الوطن