شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

الوهم النّفسي للتّدخين: كيف نتخلّص من الحلقة المفرغة؟

الوهم النّفسي للتّدخين: كيف نتخلّص من الحلقة المفرغة؟

يُهمل الكثيرون، لا سيّما المراهقين، دوافع التدخين الخفية، فمنهم من يتّخذه كتسلية، عادة متأصّلة أو تقليداً أعمى للمحيط والرفاق. والواقع أن التحذيرات التقليدية المكتوبة على العلب تفقد جدواها، إذ لا تعدو كونها عبارات تُتجاهل عند فتح العلبة واستمرار الاستهلاك.

من هذا المنطلق، يُؤكّد علم النفس أن الحلّ الجذري لا يكمن في السطح، بل في تفكيك الأسباب والدوافع العميقة للّجوء إلى التدخين.

وتتطابق مع هذا الطرح الدراسات الطبّية والنفسية كمراجعات "Cochrane" التي تُسقط الوهم الشائع بأنه ما يُخفّف من التوتر، لتُثبت بوضوح أن التحرّر التام من النيكوتين هو وحده ما يُرمّم المزاج ويُحسّنه على المدى الطويل.

 صدمات الطفولة والتجارب النفسية (Pexels)

السيجارة كـ"علاج ذاتي" وحلقة مفرغة

يشرح جوي عيسى، الاختصاصي النفسي، أن "العلاقة بين التدخين والصحة النفسية تُشبه الشبكة المتشابكة التي لا تسير في اتّجاه واحد أبداً". فعندما يُواجه الإنسان موجات من القلق، الاكتئاب أو حتى مشاعر الوحدة وضغوط الحياة اليومية، قد يجد نفسه تلقائياً يبحث عن "السيجارة".

هنا يظهر بوضوح مصطلح التداوي الذاتي "Self-medication"، فكثير من الناس يستخدمون التدخين كأداة سريعة لتسكين الغضب، الهروب من الأفكار المزعجة أو ملء فراغ عاطفي مفاجئ.

لكن المفارقة المؤلمة تكمن في أن السيجارة التي تُشعل لتهدئة التشنّج هي نفسها التي تُغذّيه على المدى الطويل، فالتقلّبات المستمرّة لمستويات النيكوتين داخل الجسم وأعراض الانسحاب المتكرّرة تخلق عبئاً جديداً، ما يُدخل الشخص في حلقة مفرغة: يُدخّن ليتخلّص من الإجهاد الذي سبّبه انخفاض المادة في الأساس!

#Quote#

صدمات الماضي وبحث الإنسان عن مهرب

لا تنفصل خيوط التدخين عن تاريخ الإنسان وتجاربه الأولى في الحياة، فيما يلفت عيسى إلى "الدور المحوري الذي تلعبه الخبرات المبكرة وجروح الطفولة في تشكيل طريقة تعامل الفرد مع مشاعره لاحقاً".

فالأشخاص الذين مرّوا بتجارب قاسية، تعرّضوا لإساءة نفسية أو جسدية أو نشأوا في بيئات منزلية تفتقر إلى الأمان والاستقرار العاطفي، قد يتأثّرون بشدّة في قدرتهم على تنظيم انفعالاتهم وبناء شعور داخلي بالاطمئنان.

نتيجة لذلك، قد يلجأ البعض في مراحل متقدّمة من العمر إلى سلوكيات معيّنة وفي مقدّمتها التدخين، كمحاولة لا واعية لتهدئة الصراعات الداخلية أو التخفيف من وطأة الذكريات والمشاعر الثقيلة.

فخّ الارتباط الشرطي

حول الكيفية التي يتحوّل بها التدخين إلى سلوك أوتوماتيكي يتجاوز حدود القرار الواعي، يستند عيسى إلى مفهوم الارتباط الشرطي "Classical Conditioning".

فالدماغ البشري يعتاد ربط التدخين بأنشطة يومية كاحتساء القهوة، العمل أو القيادة، لتتحوّل هذه المواقف إلى محفّزات تُستثار معها الرغبة في التجربة تلقائياً.

ومع التكرار، يتبرمج على تنفيذ العادة أوتوماتيكياً، ما يجعل الإقلاع يتطلّب إعادة هيكلة الروتين اليومي وقطع هذه الارتباطات، لا الاعتماد فقط على الإرادة.

 التدخين والضغط النفسي (Pexels)

مراهقة تحت الإنشاء

يصل النيكوتين سريعاً إلى "نظام المكافأة" محفّزاً تدفّق الدوبامين، ما يجعل المراهق يُدمن أسرع من الكبار، فتُصبح محاولات الإقلاع مستقبلاً شاقّة للغاية، فضلاً عن تأثيره السلبي على المزاج والانتباه.

وتُظهر الأبحاث كمراجعات "Cochrane" أن الإقلاع عن التدخين يُحسّن من الاضطرابات النفسية بفضل استقرار الدماغ واستعادة السيطرة الذاتية، لكنه ليس علاجاً بديلاً للاكتئاب السريري، إذ يستدعي خطة علاجية متخصّصة بالتوازي مع الإقلاع.

ويخلص إلى أن نجاح الإقلاع لا يقتصر على التوقّف الجسدي عن التدخين، بل يتطلّب فهم الوظيفة النفسية للسيجارة، فيما توصي الهيئات الصحية بمقاربة تكاملية تشمل:

الجانب الجسدي ببديل النيكوتين لتخفيف الأعراض الانسحابية، الجانب السلوكي بالعلاج المعرفي السلوكي (CBT) لإدارة المحفّزات والأعباء والجانب الإنساني بمعالجة الرواسب النفسية، ليتحوّل الإقلاع إلى محطة لاستعادة التوازن وجودة الحياة.


غالباً ما تتلّخص الذريعة الشهيرة عند كلّ أزمة بعبارة: "أنا غاضب"، ليتحوّل التدخين في الأذهان إلى عكاز وهمي، متجاهلين تماماً أنه في جوهره ليس مهدّئاً لها.

إن التعافي الحقيقي لا يتحقّق بالحلول السطحية ولا بحملات التخويف العابرة، كما أن الانسياق خلف البدائل المستحدثة كالأجهزة الإلكترونية والفيب تحت ذريعة أنها "أخف ضرراً" هو خداع نفسي محض، فالنيكوتين بشتى أشكاله مدمّر وكلّها عادات مهلكة يتطبّع معها الإنسان تدريجياً حتى تستهلكه.

من هنا، يُدق ناقوس الخطر موجَّهاً لفتة صارمة إلى الأولياء والتربويين بضرورة مراقبة المراهقين والشباب الذين ينجرفون وراء ضغط الأقران والبيئة المحيطة.

المصدر: النهار