«الفيتو» مقابل «المحاكمة».. هل تدفع موازين القوى الجديدة ترامب والديمقراطيين إلى صفقة سياسية؟
بين تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستخدام حق النقض الرئاسي «الفيتو» ضد تشريعات الديمقراطيين، واستعداد هؤلاء لفتح سلسلة من التحقيقات التي قد تصل إلى إجراءات عزله للمرة الثالثة، تبدو واشنطن مقبلة على مواجهة سياسية ودستورية قد تحدد ملامح العامين الأخيرين من ولاية ترامب الثانية. غير أن موازين القوى الجديدة تطرح احتمالاً آخر لا يقل أهمية عن المواجهة، يتمثل في اضطرار الطرفين إلى البحث عن تسويات متبادلة، بعدما أصبح كل منهما يمتلك أدوات لتعطيل الآخر، دون القدرة منفرداً على فرض أجندته كاملة.قلبت انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، التي جرت الثلاثاء 3 نوفمبر، المعادلة السياسية في العاصمة الأمريكية، بعدما انتزع الديمقراطيون السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، في انتكاسة كبيرة للجمهوريين، عكست حالة الاستياء من ارتفاع تكاليف المعيشة والحرب مع إيران والسياسات الاقتصادية للإدارة الأمريكية. وتمنح هذه النتائج الديمقراطيين، اعتباراً من انعقاد الكونغرس الجديد في يناير 2027، صلاحيات واسعة للتحقيق والرقابة ومراجعة التعيينات الحكومية والقضائية، لكنها لا تنتزع من ترامب سلطاته الدستورية، وفي مقدمتها الفيتو الذي يستطيع من خلاله تعطيل معظم التشريعات التي يرفضها.وكان ترامب قد استبق نتائج الانتخابات بالإعلان عن استعداده للتحول إلى ما وصفه بـ«السيد فيتو»، معتبراً أن تعطيل مشروعات القوانين التي يقدمها الديمقراطيون سيدفعهم في نهاية المطاف إلى التفاوض معه. وفي مقابلة مع شبكة «سي بي إس نيوز»، في الثالث من نوفمبر، قال إن الرؤساء يستطيعون استخدام حق النقض لعدة أشهر قبل أن يعود خصومهم السياسيون بحثاً عن اتفاق، في إشارة إلى أن تعطيل التشريعات قد يكون، من وجهة نظره، وسيلة لفرض التفاوض وليس مجرد أداة لرفض القوانين.وبعد اتضاح حجم الخسائر الجمهورية، كرر ترامب موقفه خلال مقابلة مع «فوكس نيوز»، مؤكداً أنه سيتصدى للتشريعات التي يعتبرها غير مقبولة، لكنه أبدى في الوقت نفسه استعداده للعمل مع الديمقراطيين، وكشف عن اتصالات أجراها معه عدد من أعضاء الحزب المنافس. وهذا التزامن بين التهديد بالفيتو وإبداء الاستعداد للتفاهم يشير إلى أن الرئيس لا يستبعد التفاوض، وإن كان يريد دخوله من موقع يحتفظ فيه بورقة دستورية قوية.وفي المقابل، لا يقتصر ما يمتلكه الديمقراطيون على تعطيل أجندة ترامب التشريعية. فالفوز بمجلسي الكونغرس يمنحهم القدرة على إدارة لجان الرقابة، واستدعاء مسؤولين حاليين وسابقين، والمطالبة بوثائق تتعلق بقرارات الإدارة، فضلاً عن التأثير في تعيين كبار المسؤولين والقضاة. وقد تتحول هذه الصلاحيات إلى مصدر ضغط مستمر على البيت الأبيض، خصوصاً إذا اتجهت التحقيقات إلى الملفات المالية أو المصالح التجارية المرتبطة بالرئيس وأفراد عائلته، أو قرارات الحرب والإنفاق والهجرة.وأفادت صحيفة «وول ستريت جورنال»، في تقرير نشرته الأربعاء، بأن الديمقراطيين يعتزمون مراجعة ملفات تتعلق بأنشطة ترامب التجارية والعملات المشفرة وقرارات إدارته، إلى جانب بحث إجراءات مساءلة محتملة لبعض كبار المسؤولين. كما يضع الحزب قضايا الرعاية الصحية والضرائب وتكاليف المعيشة على رأس أولوياته، في محاولة للجمع بين الضغط على الرئيس وإظهار قدرته على تقديم بدائل سياسية واقتصادية قبل الانتخابات الرئاسية لعام 2028.وتفتح هذه الصلاحيات الباب أمام سؤال أكثر حساسية يتعلق بإمكانية استخدام التحقيقات البرلمانية، أو التلويح بإجراءات العزل، باعتبارها أوراق ضغط في مواجهة الفيتو الرئاسي. فبينما يستطيع ترامب تعطيل مشروعات القوانين، يستطيع مجلس النواب الذي يسيطر عليه الديمقراطيون بدء إجراءات اتهام سياسي، وإحالتها إلى مجلس الشيوخ لمحاكمة الرئيس أو غيره من المسؤولين الاتحاديين، دون أن يمتلك البيت الأبيض حق الاعتراض بالفيتو على هذه الإجراءات.غير أن الطريق من التحقيق إلى العزل الفعلي يبدو بالغ الصعوبة. فالدستور الأمريكي يشترط موافقة الأغلبية البسيطة في مجلس النواب لتوجيه الاتهام، بينما يتطلب إدانة الرئيس وعزله موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ الحاضرين. وهي أغلبية لا يمتلكها الديمقراطيون بمفردهم، ما يجعل نجاح محاولة ثالثة لعزل ترامب رهناً بانضمام عدد كبير من الجمهوريين إليها، وهو احتمال لا تشير موازين القوى الحالية إلى قرب تحققه.والأمر نفسه ينطبق، بصورة مختلفة، على الفيتو الرئاسي. فالرئيس يستطيع رفض القوانين التي يقرها الكونغرس، لكن المجلسين يستطيعان تجاوز اعتراضه بأغلبية الثلثين في كل منهما. وهكذا، يجد الطرفان نفسيهما أمام معادلة دستورية معقدة: الديمقراطيون قادرون على التحقيق وتعطيل جانب من أجندة ترامب، والرئيس قادر على منع معظم التشريعات التي لا تحظى بتأييده، بينما تظل القرارات الكبرى بحاجة إلى توافق سياسي يتجاوز حدود الأغلبية الحزبية.وفي تحليل نشره معهد بروكينغز قبل الانتخابات، ناقش باحثون احتمال أن تتحول سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس إلى مرحلة من الرقابة المكثفة على الإدارة، بدلاً من التركيز على تشريعات يصعب تمريرها في مواجهة الفيتو. وطرح التحليل تساؤلاً بشأن ما إذا كان ترامب سيفضل تعزيز إرثه السياسي من خلال قوانين تحظى بدعم الحزبين، أم الاستمرار في استخدام صلاحياته التنفيذية وخوض مواجهة مفتوحة مع السلطة التشريعية.أما صحيفة «الغارديان»، فقد نشرت الأربعاء مقالاً تحليلياً للخبيرة القانونية كلير فينكلشتاين، رأت فيه أن التحقيقات المطولة قد تكون أكثر جدوى للديمقراطيين من التسرع في إجراءات عزل جديدة لا يُرجح أن تنتهي بإطاحة الرئيس. واعتبرت أن استخدام سلطات الاستدعاء والحصول على الشهادات والوثائق قد يتيح للكونغرس استعادة جانب من دوره الرقابي، مشيرة إلى إمكانية البدء بالتحقيق مع أعضاء في الإدارة قبل الانتقال إلى الرئيس نفسه.لكن التوجه نحو المحاكمة ليس محل إجماع داخل الحزب الديمقراطي. فقد نقلت شبكة «إيه بي سي نيوز» عن زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز أنه لم يستبعد إجراءات العزل، لكنه لم يتعهد بها أيضاً، مؤكداً أن الأولوية تتمثل في معالجة أزمة تكاليف المعيشة. كما أشار النائب الديمقراطي جيمي راسكين إلى أن العزل يظل إحدى الأدوات الدستورية المتاحة، مع ضرورة الموازنة بين فوائده وتكاليفه السياسية. وهو ما يعكس إدراكاً داخل الحزب بأن فتح مواجهة تستنزف الوقت والجهد قد يصرف الأنظار عن المطالب الاقتصادية التي ساهمت في فوزه بالانتخابات.وتشير هذه المواقف إلى أن أي تفاهم محتمل مع ترامب لن يكون بالضرورة صفقة معلنة تتضمن التخلي عن التحقيقات مقابل تمرير التشريعات، وإنما قد يتخذ صورة تفاهمات محدودة في ملفات بعينها، خصوصاً الموازنة الفيدرالية وسقف الدين والإنفاق الحكومي والرعاية الصحية. فهذه قضايا لا يستطيع أي طرف تجاهلها طويلاً، لأن استمرار تعطيلها قد ينعكس مباشرة على المؤسسات الحكومية والأسواق والناخبين.وكانت رويترز قد كشفت، في الأول من نوفمبر، أن البيت الأبيض أمضى أشهراً في إعداد خطط تسمح لترامب بمواصلة تنفيذ أجزاء من أجندته عبر القرارات التنفيذية، خصوصاً في ملفات الهجرة والرسوم الجمركية والإسكان والإنفاق، استعداداً لاحتمال خسارة الجمهوريين الكونغرس. وشملت الاستعدادات أيضاً دراسة كيفية مواجهة طلبات الاستدعاء والتحقيقات البرلمانية، وحدود الاستناد إلى امتيازات السلطة التنفيذية لحجب بعض المعلومات.وتعني هذه الاستعدادات أن المواجهة المحتملة قد لا تقتصر على البيت الأبيض والكونغرس، بل يمكن أن تمتد إلى المحاكم الفيدرالية، إذا لجأ الديمقراطيون إلى الطعن في قرارات تنفيذية أو حاولت الإدارة منع المسؤولين من الإدلاء بشهاداتهم. وفي هذه الحالة، قد تصبح المعارك القضائية الطويلة جزءاً من الصراع السياسي خلال العامين المقبلين، بما يعطل قدرة الطرفين على تحقيق نتائج ملموسة.ومع ذلك، فإن الحديث عن احتمال صفقة سياسية واسعة يظل استنتاجاً تحليلياً لا تؤكده حتى الآن معلومات عن مفاوضات فعلية لربط الفيتو بإجراءات العزل. فالتحقيقات البرلمانية تمثل ممارسة لصلاحيات دستورية، ولا ينبغي الخلط بين التوافق على أولويات التشريع وبين اتفاق مفترض لتعطيل المساءلة. كما أن وجود اتصالات بين ترامب وبعض الديمقراطيين لا يكفي للاستنتاج بأن الطرفين يناقشان مثل هذه المقايضة.وتبرز انتخابات الرئاسة المقبلة في عام 2028 عاملاً إضافياً قد يحدد سلوك الجانبين. فالديمقراطيون يحتاجون إلى إثبات قدرتهم على الحكم وتقديم حلول اقتصادية، وليس الاكتفاء بالتحقيق مع الإدارة، بينما يسعى ترامب إلى الحفاظ على نفوذه داخل الحزب الجمهوري وترك إرث سياسي قبل انتهاء ولايته. وقد يجد الطرفان أن استمرار الصدام الكامل يحمل تكلفة انتخابية أكبر من تقديم تنازلات محدودة في بعض الملفات.وبين رئيس يمتلك الفيتو وكونغرس يمتلك سلطة التحقيق والمساءلة، تدخل واشنطن مرحلة جديدة لا تبدو فيها الغلبة الكاملة متاحة لأي من الطرفين. وقد تصبح الموازنة والإنفاق والتعيينات والتحقيقات أدوات ضغط متبادلة، تدفع أحياناً نحو التصعيد وأحياناً أخرى نحو التفاوض.ويبقى السؤال الأساسي ليس ما إذا كان ترامب قادراً على إسقاط قوانين الديمقراطيين، أو ما إذا كان هؤلاء قادرين على فتح تحقيقات قد تصل إلى محاكمة سياسية جديدة، وإنما إلى أي مدى يمكن أن يتحمل الطرفان تبعات استخدام هذه الصلاحيات قبل أن تصبح التسوية أقل تكلفة من المواجهة.فقد لا تنتهي المعركة بين الفيتو والمحاكمة بانتصار أحدهما على الآخر، بل بتسوية يفرضها عجز كل طرف عن حسم الصراع منفرداً.الفيتودونالد ترامبالكونغرسالحزب الديمقراطيالحزب الجمهوري
المصدر: البيان