فخري كريم في شهادته يروي وقائع انهيار سحب الثقة: الاستعانة بسليماني لإحباط تنحية المالكي
الجزء الرابع عشر
حاوره: ياسر السالم
تكشف الوقائع التي يرويها فخري كريم في هذا الجزء من شهادته عن واحدة من أكثر اللحظات تعقيدا في تاريخ العملية السياسية العراقية بعد عام 2003، حين بدا أن القوى السياسية التي اجتمعت على تشكيل النظام الجديد قد وصلت إلى حدود قدرتها على إدارة خلافاتها، وأن التوافقات التي قامت عليها الشراكة في الحكم أخذت تفقد قيمتها أمام صراع الإرادات والمصالح والنفوذ.
كانت أزمة سحب الثقة من رئيس الوزراء نوري المالكي عام 2012 اختبارا حقيقيا لطبيعة السلطة في العراق، ولحدود ما يستطيع الدستور أن يفعله حين تتعارض أحكامه مع موازين القوى السياسية، وتتداخل الحسابات الداخلية مع إرادات القوى الإقليمية. وقد كشفت تلك الأزمة عن هشاشة التحالفات، وصعوبة تحويل التفاهمات بين القادة إلى مواقف ملزمة، فضلا عن قدرة التدخلات الخارجية على التأثير في القرارات التي يفترض أنها من صميم السيادة الوطنية.
وتتيح شهادة كريم النظر إلى ما جرى من داخل الغرف التي دارت فيها المفاوضات، بعيدا عن البيانات الرسمية والتفسيرات التي قدمت للرأي العام آنذاك.
في الحنانة، «لا.. مستحيل»
انتهى الجزء السابق عند رد التحالف الوطني على رسالة أربيل، وجواب القادة الذي طالب ببديل للمالكي. ويفتح كريم هذا الجزء بحكمه على ذلك الرد: «جاء رد الجعفري على رسالة اللقاء التشاوري للقادة المجتمعين في أربيل مخيبا، ومؤكدا أن التحالف الوطني الشيعي الحاكم غير مستعد للاستماع إلى صوت العقل والمنطق الوطني لإخراج البلاد من الأزمة الخانقة التي باتت تعيد إنتاجها وتعميقها عبر الانفراد والتسلط وتجريد العملية السياسية من مقومات تأسيسها. لم يتضمن جواب التحالف الوطني أي وقفة مسؤولة عند المطالب والقضايا التي تضمنتها رسالة قادة اللقاء التشاوري، ولهذا لم يبق أمام القادة سوى السير وفق الضوابط الدستورية نحو ما يقتضيه سحب الثقة برلمانيا».
والضوابط الدستورية المقصودة هي المادة الحادية والستون. غير أن أولى محطات هذا الطريق كانت في النجف، عند السيد مقتدى الصدر.
وكان كريم قد عرف السيد الصدر عن قرب في أربيل، في اليوم التالي لوصول زعيم التيار الصدري إليها في 26 نيسان 2012. يقول: «زرته مرحبا، وتبادلت الحديث معه حول ما يجمعنا ويوحد موقفنا في مواجهة الأخطار التي تتهدد البلاد والعراقيين عموما. وفي معرض الحديث خاطبته قائلا: هناك ما يجمع الشيوعيين وجمهور تياركم، يتمثل جانب منه في أن مدينة الثورة ومدن حزام بغداد، التي بناها الزعيم عبد الكريم قاسم للفقراء النازحين من الفرات الأوسط والجنوب، كانت معاقل للشيوعيين، وقد أصبحت الآن مراكز متقدمة لأنصاركم. وهي ظلت مدنا للفقراء، تحتاج إلى اهتمام استثنائي بتوفير الخدمات لهم، وكل ما يخفف الأعباء الحياتية عنهم، وأعتقد أن بالإمكان أن يكون هذا الميدان نقطة تواصل وتعاون بيننا».
وجاء رد الصدر دعابة: «ما إن انتهيت حتى بادر السيد وهو يقول: حبيبي، كلامك يعني أننا شيوعيون، أم تريد أن تجعلنا شيوعيين؟ أجبته: سيدنا، هذا ليس قصدي، ثم إن الأمر ليس بهذه السهولة يا سيدنا». ومن هذه الدعابة بدأت بين الرجلين لغة خاصة، سيعود إليها الصدر في النجف.
فبعد أن عاد الصدر إلى النجف، جاءت الدعوة إلى رد الزيارة. يقول كريم: «بعد سفر السيد مقتدى الصدر إلى النجف، طرح الأخ مسعود بارزاني رغبة السيد في رد زيارته لأربيل بزيارته في الحنانة. وجد الجميع في المقترح خطوة إيجابية، واتفق على الوفد بعد أن بينت أن علينا أولا استئذان بيت السيد السيستاني على الزيارة، لتجنب تفسيرها خارج سياقها، باعتبارها للمجاملة ومواصلة التشاور، وكذلك رفع الحرج عن الوفد الذي يتعذر عليه اللقاء مع سماحته، بسبب قراره الامتناع عن استقبال أي سياسي أو مسؤول في الدولة، تعبيرا عن عدم رضاه عن السياسات التي تنتهجها الطبقة الحاكمة ورجالاتها. اتصلت بالحاج حامد الخفاف، وكيل المرجع الأعلى في لبنان، فكان رده إيجابيا حول الزيارة وطبيعتها، ولا داعي للحرج».
وكانت الزيارة في 19 أيار 2012، ونقلت وسائل الاعلام يومها عن مكتب الصدر أن الاجتماع ضم الطالباني والبارزاني وعلاوي والنجيفي، وأحمد الجلبي ممثلا للتحالف الوطني.
واستقبل الصدر الوفد بدعابة من الطراز نفسه. يقول كريم: «كان بانتظارنا عند وصولنا مطار النجف استقبال حار، من المطار إلى الحنانة، حيث كان على رأس المستقبلين في مدخل البيت السيد. وكنت آخر الداخلين، وأنا أصافح سماحته مال على أذني وهو يبتسم بود: أستاذ فخري، أنت في النجف، فانتبه، لا شيوعيات هنا. أجبته بالمودة نفسها: يا سيد، أنا ساكت، وأنت الذي تتحدث بالشيوعيات. ضحك ونحن ندخل البيت».
ثم جاء الجد. يقول كريم: «دار الحديث حول تطورات الموقف على صعيد التحرك لسحب الثقة، ولم تكن قد ظهرت بعد ملامح التردد من قبل الرئيس. وكانت الإشكالية التي تنتظر اللقاء التشاوري تدور أيضا حول البديل عن المالكي في حالة نجاح سحب الثقة منه. ومن بين أقوى المرشحين كان يتردد اسم الدكتور عادل عبد المهدي، لكنه كان يصطدم برفض حاسم من قبل السيد الصدر، ارتباطا بتمثيله المجلس الإسلامي الأعلى».
والبديل هو المسألة التي لم يحسمها خصوم المالكي قط. ففي مطلع أيار رجح ناطق باسم الحزب الديمقراطي الكردستاني أن يكون إبراهيم الجعفري هو البديل. أما عادل عبد المهدي فمن قادة المجلس الأعلى الإسلامي، ونائب رئيس الجمهورية السابق. والخصومة بين التيار الصدري والمجلس الأعلى قديمة، وإليها يشير كريم بقوله «ارتباطا بتمثيله المجلس الإسلامي الأعلى».
وعاد الصدر إلى الدعابة على المائدة: «أثناء الانتقال إلى مائدة الطعام طلب السيد من الحضور أن أجلس في الكرسي المواجه له، قائلا وهو يبتسم: لاحظوا أنني أجلس مقابل الشيوعي، لكي لا يقال ما يقال عن موقفنا! فأجبته باستنكار مازح: يا سماحة السيد، ألم تقل أن نحذر، ونحن في النجف الأشرف، من الحديث عن الشيوعية؟ فضحك، وانتقلنا إلى متابعة ما لم ننته منه». ويحتمل كلام الصدر أكثر من قراءة، وأقربها أنه أراد أن يعلن أمام الحاضرين أنه لا يتحرج من مجالسة شيوعي.
أما المسألة الجدية فحسمها الصدر بكلمتين، عند الباب. يقول كريم: «عند خروجنا ملت إليه وأنا أهمس في أذنه: سماحة السيد، إذا لم يكن ثمة بديل آخر عن المالكي سوى عادل عبد المهدي يحظى بثقة الائتلاف الشيعي، ألا تعتقد أن علينا، كمخرج، أن نوافق عليه كمرحلة انتقالية؟ فجاء رده حاسما: لا، مستحيل».
بهاتين الكلمتين أغلق الصدر الباب أمام المرشح الذي رآه كريم مخرجا ممكنا. ومن دون بديل يتفق عليه، كان سحب الثقة يعني فراغا، وهي الحجة نفسها التي ساقها سليماني في طهران حين طلب إبقاء المالكي إلى نهاية ولايته.
ويقطع كريم روايته هنا بحكم من اليوم: «لم نكن يومذاك قد ذقنا ما تعرضنا له من ويلات مخبأة تحت عباءة السيد عادل عبد المهدي، وقناصي المجاهد هادي العامري، والمقاومة التي أشاد بها وبأبطالها الذين أخمدوا انتفاضة تشرين، وأباحوا دماء [شبابها] الزكية».
فعبد المهدي تولى رئاسة الوزراء في تشرين الأول 2018، وقبل البرلمان استقالته في كانون الأول 2019، بعد انتفاضة تشرين وما سقط فيها من ضحايا. وفي العبارة ما يوحي بأن كريم صار يرى في رفض الصدر يومها ما لم يره في حينه.
اتصالات سليماني ومخرج لنواب الاتحاد
لم يكن رد الجعفري وحده ما اعترض الطريق إلى البرلمان. يروي كريم: «خلال الفترة التي استغرقها تبادل الرسائل بين قادة اللقاء التشاوري والتحالف الوطني، وبشكل خاص عند الاتجاه نحو سحب الثقة، أجرى السيد قاسم سليماني أكثر من اتصال تلفوني بالرئيس، يتمنى عليه فيها التراجع عن المطالبة بسحب الثقة من المالكي، مع تعهده مجددا بإلزام المالكي بالاستجابة للمطالب المطروحة، وثنيه عن مواصلة نهجه وسياسته التي تتقاطع مع التوافقات والاتفاقيات الموقعة في اجتماع أربيل ومبادرة البارزاني».
والتعهد الذي يجدده سليماني هنا هو نفسه الذي سمعه كريم في طهران، وقبله في 2010: يبقى المالكي، وتعالج خروقاته. واجتماع أربيل ومبادرة البارزاني هما اتفاقية أربيل في تشرين الثاني 2010.
ويستبق كريم النهاية، فيقولها قبل أن يروي طريقها: «وليس بمعزل عن هذه الضغوط المتوقعة، تخلى الرئيس عن تعهده بطلب سحب الثقة من رئيس الوزراء وفقا للمادة 61 ب1 من الدستور، التي تنص على أن "لرئيس الجمهورية تقديم طلب إلى مجلس النواب بسحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء"».
والتعهد هو ما قطعه الطالباني في أربيل، ورهن عليه استقالته عند البارزاني.
ثم يشرح لماذا كان هذا الطريق بالذات هو المقصود: «ووفقا لهذه المادة يباشر مجلس النواب التصويت على القرار، دون المرور بالإجراءات التي تقتضيها المادة نفسها (61 ب2)، وهي طلب خمس أعضاء مجلس النواب، ولا يجوز أن يقدم هذا الطلب إلا بعد استجواب موجه إلى رئيس مجلس الوزراء، وبعد سبعة أيام على الأقل من تقديم الطلب. ويتطلب إقرار سحب الثقة الأغلبية المطلقة لعدد أعضاء مجلس النواب».
والفرق بين الطريقين هو الفرق بين قرار سياسي يحمله رئيس الجمهورية إلى البرلمان، ومعركة برلمانية تبدأ باستجواب المالكي نفسه وتمنحه أياما للمناورة. وفي الطريقين يبقى النصاب واحدا: 163 صوتا من 325.
أما الضغط فلم يبق عند حده الأول. يقول كريم: «وجد الرئيس نفسه تحت ضغط متصاعد من الجنرال قاسم سليماني، عبر الاتصالات التلفونية والرسائل الخطية، لكنها ظلت في البداية بصيغة تمنيات ومناشدات. كما تلقى الرئيس البارزاني مناشدات منه للدفع باتجاه التخلي عن توجه سحب الثقة، لاعتبارات سياسية ليست لصالح العراق».
وفي هذا الضغط بحث كريم عن مخرج يحمي الطالباني ولا يسقط المبادرة: «ولإيجاد مخرج يحول دون الفشل الكامل لمشروع الإقالة، وما يترتب على ذلك من عواقب سياسية سلبية، لم أجد سوى أن أقترح على الرئيس ألا يوقع نواب الاتحاد على طلب سحب الثقة، ما دام النصاب المطلوب متكاملا، كما يؤكد قادة العراقية، وكذلك السيد الصدر الذي وضع تواقيع نوابه رهن الطلب، شرط تأمين تواقيع الآخرين. وفي مثل هذه الحالة لن يؤثر عدم توقيع نواب الاتحاد الوطني الكردستاني على شرط توفر نسبة الأغلبية المطلقة من أعضاء البرلمان. ووجد الرئيس الاقتراح ملائما لمواجهة الضغوطات».
وشرط الصدر كان معلن في حينها، حيث قال في 31 أيار 2012 إن نوابه الأربعين سيكملون الأصوات إذا جمع الآخرون 124 صوتا.
غداء دوكان والتواقيع الشخصية
عاد الوفد من النجف، وبدأ الانتظار يثقل على القادة في أربيل. يذكر كريم: «في هذه الأثناء وجد القادة المنتظرون في أربيل أن الوقت يمر دون التحرك المطلوب، وقد يمنح هذا التأخير والتلكؤ المالكي وفريقه فرصة تنشيط المناورات، واعتماد كل الوسائل، بما في ذلك الوعود المعسولة والإغراءات، لثني أي عدد من النواب عن التوقيع، أو التراجع عن التوقيع. ولمواجهة هذا التحدي حاول الدكتور إياد علاوي، باسم القادة، الاتصال بالرئيس في دوكان دون أن يتوفق. كنت خارج أربيل حين اتصل بي الأخ مسعود، وأخبرني بتعذر اتصال القادة بالرئيس لطلب اللقاء به، والتشاور حول ما آلت إليه المبادرة من تلكؤ غير مفهوم».
فعاد كريم إلى دوره القديم، الوسيط الذي يعيد ترتيب المشهد: «اتصلت بالرئيس، وعكست له الأجواء التي باتت تثير علامات استفهام لدى قادة اللقاء التشاوري، واقترحت المبادرة إلى دعوتهم إلى لقاء غداء عمل في دوكان، والاستماع إلى وجهات نظرهم بصفته رئيسا للجمهورية، تجنبا لما قد يتعرض له من إحراج. في اليوم التالي اتفقت مع الأخ نيجيرفان، بعد موافقة الرئيس مسعود، على أن نزور الرئيس في دوكان قبل وصول القادة، للاتفاق مع المام على أن يدير اللقاء بوصفه رئيسا وليس كطرف». وهو الترتيب نفسه الذي سعى إليه كريم قبل اللقاء التشاوري في أربيل: أن يبقى الطالباني رئيسا يحيل ما يتفق عليه الآخرون.
وانتهى الترتيب إلى ما انتهى إليه في أربيل. يروى كريم: «بدأ اللقاء بحضور الجميع، بدون السيد الصدر لسفره إلى النجف. وفوجئنا بالرئيس وهو يفتتح اللقاء مستعرضا ما انتهت إليه الأوضاع السياسية في البلاد، وتنصل المالكي من كل ما التزمه من عهود واتفاقات، ودفعه البلاد إلى أزمة أشد تفاقما من كل المراحل التي تعاقبت سوءا منذ 2003. وأفاض في استعراض الأحداث المخلة والارتكابات التي تتقاطع مع الدستور، وتنفي مثلث التوافق والتوازن والشراكة التي كانت في أساس قيام العملية السياسية، وتتهددها بأوخم العواقب. ولم يكن أمام السيد [أسامة] النجيفي رئيس البرلمان إلا أن يثني على كل ما قاله الرئيس: بارك الله فيك وجزاك خيرا، كفيت وأوفيت ولم تترك لنا ما نقوله! وكرر الدكتور إياد وصالح المطلك ما قاله النجيفي، وأعلنوا أنهم يخولون الرئيس تقديم طلب سحب الثقة عن المالكي إلى مجلس النواب». وصالح المطلك يومها نائب لرئيس الوزراء، ومن قادة القائمة العراقية. وبهذا التخويل صار الطريق الذي شرحه كريم في المحور السابق، أي طلب يقدمه رئيس الجمهورية، هو الطريق المتفق عليه.
ثم جاءت مسألة التواقيع: «وكان المطلوب بعد ذلك تهيئة قائمة بتواقيع النواب وفقا للدستور (أغلبية مطلقة)، فأشار السيد صالح المطلك إلى أن القائمة عندنا، ونحن نمثلهم وننوب عنهم بالتوقيع. لكنني استأذنت الرئيس، وأكدت ضرورة جمع التواقيع الشخصية وليس بالإنابة، لأن المطلوب في غاية الأهمية والخطورة، مما يتطلب التأكد دون أي خلل. حاول المجتمعون الاكتفاء بالإنابة بالتوقيع، لأنهم رؤساء مكونات القائمة العراقية، وكذلك الأمر مع التحالف الكردستاني. لكن ما تقرر هو الخيار الأول».
والتواقيع ليست شرطا دستوريا لطلب يقدمه الرئيس، لكنها كانت الضمانة الوحيدة أن الأغلبية موجودة قبل الذهاب إلى البرلمان.
ولم يغب عن كريم أن الطالباني خرج مرة أخرى عن الدور المرسوم له، فحاول أن يستدرك: «وفي محاولة لتخفيف ما ترتب على دخول الرئيس من خلال خطابه كطرف، باعتباره (أحد القادة)، كتبت على عجل بلاغا صحفيا عن اللقاء، باعتباره استجابة لدعوة غداء من الرئيس، التقى فيه أولا الرئيس مسعود بارزاني، بحضور نيجيرفان بارزاني، لتبادل المعلومات حول الإقليم وعلاقاته مع بغداد، ثم الانتقال إلى الغداء مع الضيوف من قادة الكتل».
الطائرة التي لم تقلع!
انتهى غداء دوكان، ولم ينته يوم كريم. يقول: «وعند المغادرة طلب مني الرئيس أن أرافقه إلى السليمانية. في الطريق سألني: لماذا لم تصدر بيانا موقعا من قبل الحاضرين؟ وضحت أن ذلك كان سيعني أن ما جرى اجتماع عمل مكمل للقاءات التشاورية، وأنك كنت طرفا وليس رئيسا. أما بشأن التواقيع الشخصية فكانت ضرورية للتوثق من عدد الموقعين والتزامهم بالتصويت في البرلمان، وتجنبا لانسحابات في اللحظات الأخيرة، وتحول المبادرة إلى انتكاسة».
وفي السليمانية سأل الطالباني السؤال الذي كان يشغله: «ثم سأل بعد وصولنا وانفرادنا في لقاء عمل: كيف تقيم الوضع، ورد فعل الجيران وصديقنا الجنرال سردار؟ قلت: أنت أعرف. لكن من الواضح أن نجاح مبادرة سحب الثقة سيواجه بالترحيب عربيا وإقليميا، باستثناء الجارة الجمهورية الإسلامية، وأرجو أن يقتصر موقفها على عدم ترحيبها فقط. والولايات المتحدة ستكتفي بعدم الترحيب، وقد تبرر موقفها بخشيتها من فراغ سياسي يستمر لشهور، وربما توحي بأن العواقب ستكون أسوأ من بقاء المالكي!».
ثم عاد الطالباني إلى ما قاله لكريم بعد اللقاء التشاوري: «وبعد توقف متأمل، وجد الرئيس الطالباني أن من الأفضل أن أتوجه إلى طهران للقاء السيد سردار قاسم سليماني، ووضعه بالتفصيل في صورة ما وصلت إليه الأمور من تدهور وتأزم غير مشهود. وأكد ضرورة تذكيره بشكل خاص بما تعهد به أكثر من مرة في زياراتي ولقاءاتي معه، وكذلك ما دار بينه وبين الرئيسين طالباني وبارزاني حول لجم سلوك المالكي، واتخاذ ما يلزم إذا تمادى ولم يرتدع. ولن نعرف ماذا بقي ليفعل أكثر مما قام به وتمادى».
وأعدت الرحلة على عجل: «اتصل، كما هو معتاد، وطلب من الأخ نيجيرفان أن يجهز لي طائرة إلى طهران غدا صباحا. انتقلت بعد اللقاء في وقت متأخر إلى أربيل. وفي الصباح اتصل الأخ نيجيرفان وأبلغني أن الطائرة بانتظارك». ثم سبقت طهران رسولها: «فوجئت وأنا في طريقي إلى المطار باتصال من الرئيس ليطلب مني تأجيل سفري، لأن الحاج سليماني اتصل به تلفونيا، وأبلغه أن ناظم عمر دباغ (ممثل الاتحاد الوطني في طهران) سيصل مساء حاملا رسالة مهمة منه، ومن الممكن أن يحمل جوابه فخري كريم».
وجاء الجواب في اليوم التالي على لسان البارزاني. يقول كريم: «في اليوم التالي دعا الرئيس مسعود قادة اللقاء التشاوري إلى لقاء، وقد لاحظت على ملامحه ما يشي بتطور غير محمود. وبالفعل أخبر المجتمعين بأن الرئيس تراجع عن تقديمه طلب سحب الثقة وفقا لصلاحياته الدستورية، لعدم توفر العدد المطلوب من التواقيع، مما جعله يعتمد المادة (61/ثامنا/ب2)، التي تنص على أن "لمجلس النواب، بناء على طلب خمس أعضائه، سحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء، ولا يجوز أن يقدم هذا الطلب إلا بعد استجواب موجه إلى رئيس مجلس الوزراء، وبعد سبعة أيام في الأقل من تقديم الطلب. ويتقرر سحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه"».
ولم يقبل المجتمعون الحجة: «اعتبر المجتمعون أن الحجة التي اعتمدها الرئيس ليست صحيحة، وأن عدد الموقعين كاف وأكثر». ويضيف كريم ما يفسر الفرق بين العددين: «كان الرئيس قد اعتمد على التقرير الذي وصله من اللجنة التي شكلها، وفيه إشارة إلى انسحابات عديدة من العراقية». وهكذا انتقل الخلاف من المالكي إلى العد نفسه.
الرسالة الشديدة.. واللجنة والقطيعة
لم يمر إعلان التراجع بهدوء. يقول كريم: «ساد عدم الارتياح الاجتماع، وظهر على الكل تقريبا الغضب المكبوت، الذي عبر عن نفسه بموقف سلبي من الرئيس، والمطالبة باتخاذ موقف متشدد منه برسالة موجهة من المجتمعين، بالإضافة إلى المطالبة بنشر ما يوضح أن سبب التراجع يعود إلى تدخل الجمهورية الإسلامية وضغطها على الرئيس. لكن المطالبة لم تمر، واكتفي بتوجيه رسالة شديدة اللهجة إلى الرئيس».
فالقادة كانوا يعرفون، في تلك اللحظة، من أين جاء التراجع، وأرادوا أن يقولوه علنا، ثم عدلوا عنه. وبقي السبب الحقيقي خارج البيانات، وبقيت الحجة المعلنة هي عدد التواقيع.
واتجهت الأنظار إلى أقرب الحاضرين إلى الطالباني: «وحاول البعض توجيه الأنظار إلي، والتساؤل جاء من الدكتور إياد علاوي بغضب: كيف تفسر ذلك؟ أجبت: لماذا توجه السؤال إلي بحضور كل من الأخ برهم صالح وكوسرت رسول، نائبي رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني؟!».
ثم جاءت الرسالة نفسها: «ثم طرح اقتراح تبني مسودة رسالة كتبها أحد الإخوة المشاركين، ورأيت أنها كانت في غاية الشدة والقسوة، ولا تليق بالتخاطب بين قادة أساسيين في العملية السياسية والرئيس. حينها كلفني الرئيس مسعود أن أعيد كتابتها بالتعاون مع كاتب المسودة الأولى، وأرى حتى اليوم أنها كانت تنطوي على عتاب من موقع الاختلاف، وليس العداء والاستنكار. للأسف نقل للرئيس ما يخالف ذلك، واعتباري كاتب المسودة الأولى المتشددة، فظل في خاطره إلى حين!».
وقد رد الطالباني على رسالة القادة برسالة نشر في الإعلام مضمونها في 15 حزيران 2012، وفيها أن من بقوا على تواقيعهم نحو 145 نائبا، وأنه سيستقيل إن استمرت محاولات تغيير موقفه.
وحاول الكرد أن يرأبوا الصدع من داخل البيت. يتحدث كريم قائلا: «في اليوم التالي سافرنا إلى السليمانية برفقة نيجيرفان، وكل من روز شاويس وهوشيار زيباري وفؤاد حسين، لمحاولة تخفيف التوتر الذي بات يسود العلاقة بين قادة اللقاء والرئيس، ووضع حقيقة المعطيات الرقمية بشأن عدد النواب الموقعين التي جمعها فؤاد، وكانت تختلف عما جمعته اللجنة التي شكلها الرئيس في بغداد، وكانت تضم كلا من فؤاد معصوم ولطيف رشيد ونزار أميدي وجلال الماشطة».
ويحمل كريم اللجنة مسؤولية هذا الفرق: «ودون أي شك، فإن اللجنة بذلت كل مسعى ووسيلة لحمل أكبر عدد من النواب على سحب تواقيعهم. وقد سحب الكرابلة تواقيعهم، على سبيل المثال، بفضل معصوم، وتذكيره إياهم بأن ذلك يعتبر موقفا ضد الرئيس، مذكرا إياهم بما قدمه لهم. وكان لطيف رشيد من أشدهم حماسا في إفشال سحب الثقة، وكان ذلك موضع تقدير وتكريم السيد المالكي ومن معه!».
ثم انتقل الخلاف من السياسة إلى ما بين الرجلين. يقول كريم: «في العادة لم أكن أتعشى، لكنني يوم اجتماعنا مع الرئيس دعا الحضور إلى العشاء، وحين توجهت معهم إلى المائدة ذكرني الرئيس بشيء من الشماتة: يبدو أنك تتعشى خلافا للعادة! اكتفيت بالقول إنني لم آكل شيئا طوال اليوم».
وطالت القطيعة: «وظللت بعد ذلك بعيدا عنه، ورفضت مرافقته إلى ألمانيا رغم إلحاح السيدة هيرو ومحاولته الاتصال بي! وظل سوء الفهم، المبني على تشويه موقفي منه خلافا لما فعلت طوال اللقاءات، على حاله، ولم يتبدد إلا بعد أن عرف الحقيقة من الصديق برهم صالح، الذي بين له حقيقة موقفي من الرسالة المزعومة».
وهيرو إبراهيم أحمد زوجة الطالباني. وكان الطالباني في ألمانيا للعلاج في صيف 2012، ومن برلين كتب في 19 آب رسالة بخط يده إلى البارزاني يعتذر فيها عن موقف اتخذه في مسألة تخص المالكي.
«مدين للحاج قاسم سليماني شخصيا»
في ختام روايته يعود كريم إلى السؤال الذي يحمله عنوان الجزء، فيفصل بين الحجة التي أعلنها الطالباني والسبب الذي يراه حاسما. يقول: «فالرئيس قرر، اعتمادا على تقرير احتساب أصوات النواب الذي أظهرته اللجنة التي شكلها، أن العدد المطلوب غير كاف، بعد الانسحابات التي حصلت بفضل ضغوطات أعضاء اللجنة وتحرك فريق المالكي. لكن العامل الحاسم في إفشال التوجه لم يكن في كل الأسباب التي أشارت التقارير إليها آنذاك، بدءا من تصدع وحدة صف الائتلاف الشيعي، أو تراجع في صفوف مكونات العراقية، ولا حتى في عدم تصويت نواب الاتحاد الوطني الكردستاني، وإنما تمثل في ذروة الضغط الذي مارسه الحاج قاسم سليماني في آخر رسالة موجهة إلى الرئيس مام جلال، وآخر مكالمة تلفونية بينهما، ولم تكن رسالة ومكالمة تقليديتين من حيث المخاطبة الرسمية، أسلوبا ومحتوى».
والأسباب التي ينفي عنها كريم الحسم هي نفسها التي تداولتها الصحف يومها: انسحابات من العراقية، وامتناع نواب من الاتحاد الوطني ونواب حركة التغيير عن التوقيع.
ويستشهد كريم على حكمه بجملة قالها المالكي نفسه: «ويكفي الإشارة في هذا المورد إلى رد الدكتور نوري المالكي على السيد مدير مكتب الرئيس جلال، حينما حاول تذكيره بما فعله وبذله مام جلال لإحباط مسعى إقالته بسحب الثقة منه، حيث قال: لست مدينا للرئيس جلال ولا لغيره، وإنما أنا مدين للحاج قاسم سليماني شخصيا!».
ثم يروي كريم واقعة أخيرة، تبين أين صار ميزان العلاقة بين الرئاستين: «تمنع المالكي من زيارة الرئيس، كما هي العادة، ولمح إلى أن الرئيس إذا كان لديه شيء فليتفضل لزيارتي. لكن رسالة شفهية نقلها إليه الفقيد أبو مهدي المهندس جعلته يبادر ويتصل ويزور الرئيس».
The post فخري كريم في شهادته يروي وقائع انهيار سحب الثقة: الاستعانة بسليماني لإحباط تنحية المالكي appeared first on جريدة المدى.
المصدر: المدى