تحولات السياسة الخارجية السعودية تجاه اليمن ..!
تشكلت السياسة السعودية تجاه اليمن عبر مراحل تاريخية مختلفة، بدأت بسياسة التوسع الإقليمي التي انتهجتها الدولة السعودية الأولى في شبه الجزيرة العربية، مستندةً إلى خطاب ديني .. اعتبر المجتمعات الواقعة خارج نطاق الدعوة الوهابية مجتمعات ينبغي إخضاعها ونشر التوحيد فيها، وقد اتخذ هذا التوسع طابع الغزوات العسكرية في ظل الصراع مع الدولة العثمانية والقوى المحلية. وفي الربع الأول من القرن العشرين، تحولت العلاقة إلى تنافس بين مملكتين، المملكة المتوكلية اليمنية والدولة السعودية الناشئة، وفي ظل الدعم البريطاني لابن سعود، اتجهت أطماعه نحو اليمن، وصولاً إلى الحرب التي انتهت عام 1934م ببسط السيطرة السعودية على أجزاء من الأراضي اليمنية التاريخية. ارتبطت السياسة السعودية في تلك المرحلة بالتوجهات الاستراتيجية البريطانية في شبه الجزيرة العربية، ومنذ منتصف القرن العشرين أصبحت المملكة جزءاً من المعسكر الغربي، وخضعت سياستها الإقليمية لاعتبارات الحرب الباردة، فوقفت في مواجهة الجمهوريات والحركات القومية والتقدمية والاشتراكية، وسعت إلى احتواء التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة، وفي مقدمتها الثورة الجمهورية في اليمن. وخلال هذه المرحلة، التي تزامنت مع الطفرة النفطية السعودية، استقرت السياسة تجاه اليمن على مبدأ الحيلولة دون قيام دولة يمنية قوية ذات سلطة مركزية مستقلة، ومعارضة الوحدة بين الشطرين. وبدلاً من الغزوات القديمة واحتلال الأراضي، اتجهت السياسة السعودية، خصوصاً منذ عام 1970م، نحو السيطرة على اليمن من الداخل، عبر بناء شبكة من القوى النافذة التي تتلقى الأموال والتوجيهات من لجنة سعودية خاصة، وقد تلاقت مصالح هذه القوى في المحافظة على الحكم التسلطي وامتيازاتها الاقتصادية والسياسية مع المصلحة السعودية في إضعاف الدولة اليمنية وإعاقة استقلال قرارها. ويُمثل الصدام مع توجهات الرئيس إبراهيم الحمدي لبناء دولة مؤسسات مثالاً بارزاً على التقاء مصالح القوى التقليدية المحلية مع السياسة السعودية في مواجهة مشروع بناء الدولة المركزية. لم تكن لهذه السياسة، طوال عقود، عواقب جسيمة على السعودية، فقد أتاح تدفق الريع النفطي تمويل شبكات النفوذ وتوزيع الأموال على القوى السياسية والعسكرية والقبلية اليمنية، وتحولت قطاعات واسعة من النخبة الحاكمة إلى جزء من منظومة التبعية. وكان الحزب الاشتراكي اليمني، بحكم موقعه في اليمن الديمقراطية وتوجهاته السياسية، خارج هذه المنظومة. وعند تحقيق الوحدة عام 1990م، حاولت السعودية استيعاب علي سالم البيض ودفعه نحو التراجع عن الوحدة، ثم التقت المصالح السعودية والأمريكية مع علي عبدالله صالح وبيت الأحمر في إقصاء الحزب الاشتراكي خلال حرب صيف 1994م، والإبقاء على نظام سياسي تتداخل فيه السلطة المحلية مع الوصاية الخارجية. ومع دخول القرن الحادي والعشرين، وما رافقه من تحولات اجتماعية وسياسية واقتصادية في اليمن والسعودية، بدأت هذه السياسة تتحول تدريجياً إلى عبء على المملكة. فقد تغيرت البنية الاجتماعية اليمنية وموازين القوى السياسية والعسكرية، وأصبحت أدوات النفوذ التقليدية أقل قدرة على ضمان النتائج التي اعتادت الرياض تحقيقها. ومع استمرار التدخل السعودي، لم تعد عواقب هذه السياسة محصورة داخل اليمن، بل امتدت إلى السعودية نفسها، وصولاً إلى الحرب المفتوحة بين البلدين٢٠١٥م، وما ترتب عليها من استهداف للبنية التحتية والمنشآت الاقتصادية السعودية، وإضرار بمكانتها الدولية، وضغوط على موقع بيت سلمان داخل الأسرة الحاكمة. واليوم، لم يعد من مصلحة السعودية استمرار اليمن دولةً ممزقة وضعيفة ومنتهكة السيادة، تتكاثر فيها التشكيلات المسلحة وتتداخل على أراضيها المنافسات الإقليمية والدولية. فالمملكة التي تتبنى رؤية اقتصادية طموحة لتنويع قطاعات الإنتاج وتحديث انشطتها الاقتصادية، أصبحت بحاجة إلى جوار مستقر، وإلى دولة يمنية موحدة وقادرة على فرض سيادتها على كامل جغرافيتها وضبط علاقاتها الخارجية، بما يضمن مصالح البلدين وأمنهما المشترك. إن استمرار سياسة عسكرة اليمن، وبناء الميليشيات، ودعم الجماعات الإرهابية، وتغذية الحروب والصراعات الداخلية، سيؤدي إلى استنزاف السعودية اقتصادياً وسياسياً وأمنياً، وسيجعل اليمن مصدراً دائماً للتهديد وعدم الاستقرار على حدودها. وقد أصبحت كلفة هذه السياسة تتجاوز بكثير المكاسب التي كانت تحققها المملكة خلال العقود الماضية، في وقت تتطلب فيه التحولات الاقتصادية السعودية إعادة النظر في طبيعة علاقاتها الإقليمية، وفي مقدمتها العلاقة مع اليمن. فهل تستجيب القيادة السعودية لصوت العقل ودروس التاريخ، وتعيد النظر في سياستها تجاه اليمن، أم تمضي في النهج نفسه حتى تتحول أزمته إلى عامل يستنزف المملكة ويهدد استقرارها ومستقبلها؟
المصدر: 26 سبتمبر