مؤثرو ضياء رشوان
المؤثرون باتوا جزءًا أصيلًا من الإعلام العالمي. فقد خرج من عباءة التطور التكنولوجي والمهني من يُعرفون بالصحفيين المؤثرين، واستعانت صحف بمؤثرين لتقديم خدمتها المهنية.لذا فإن الأزمة مع وزير الإعلام د. ضياء رشوان ليست محاولته ربط المؤثرين بالإعلام، فهذا الربط أقدم من توليه ملف الوزارة. لكن الأزمة مع نوعية ومنهج مؤثرين استضافهم، ثم مع إفراد الميكروفون لهم ليقيموا الإعلام كله بلا علم وخبرة، فبات مشهدًا هزليًا.في أزمة النوع، غاب عن منظمي اجتماع الوزير المنهجية، فلم يحددوا معيارًا لاختيار "المؤثرين" الذين سيجتمع بهم الوزير.وبدأت أزمة "النوع" من قبل اللقاء، عندما تسربت أسماء القائمة وبينهم محمد خالد الشهير بـ"مداهم"، ما أثار استياء وانتقادات واسعة لأن "مداهم" سبق اتهامه في قضايا تتعلق بنشر محتوى خادش للحياء، وحيازة مواد مخدرة (حشيش وأفيون)، بالإضافة إلى اتهامات بغسل أموال، وصدرت بحقه أحكام قضائية سابقة قبل خروجه من السجن مؤخرًا في سبتمبر 2026 عقب إجراءات قانونية وإخلاء سبيل.قائمة الـ70 "مؤثرًا وصانع محتوى" تكشف أن وزارة الإعلام لم تفرق بين "المؤثر" و"المنتشر"، فاختارت أغلبهم "صناع محتوى ترفيهي" قائمًا على التنمر والسخرية وافتعال مشاكل لجذب المشاهدات.ضل المنظمون الطريق والبوصلة، واختاروا الانتشار معيارًا أساسيًا، فانفجرت باقي الإشكالات والخلافات من تلقاء نفسها، وباتت تصريحات "المؤثرين المزعومين" مع الوزير مشكلة بحد ذاتها.المؤثر الحقيقي لا يُقاس بعدد متابعيه، بل بطبيعة القيمة التي يقدمها، والثقة التي يبنيها، ومسئوليته تجاه جمهوره. أما الانتشار وحده فلا يمنح صاحبه صفة التأثير ولا أهلية تمثيل الإعلام.و"المؤثرون الإعلاميون"، هم صناع محتوى هادف، تحكمهم قيم مهنية صحفية محكمة. أما "المنتشرون المنصيون" فهم باحثون عن الانتشار والترند، لا يهتمون بالقيمة، ولا يقيمون المخاطر المجتمعية والقانونية. والمنتشر قد يحصد ملايين المشاهدات بفضل ترند عابر أو محتوى مثير للجدل، بينما يستثمر المؤثر في الثقة المتراكمة لدى جمهوره.الغريب أن يلتقي وزير الإعلام، "منتشرون" لا يربط بينهم وبين رسالة الإعلام أي رابط. وخطورة هذا النوع، أنه لا يقدر قيمة الرسالة، ولا مسئولية التصريح، لذا أوقعوا الاجتماع في شرك الاصطدام بالصناعة الإعلامية كلها.فجلوس الوزير معهم، منحهم إحساسًا زائفًا بالاستحقاق، فقيموا مهنة راسخة من وسائل الإعلام، والإعلاميين، والصحافة، والصحفيين، وعلقوا مشانق من نوعية "انتهى دورهم.. وماتوا.. وليس لهم دور". ثم تشجعوا، وهاجموا ذمم المجموع الصحفي بلا سند ولا رابط، أمام الوزير. ولعل هذه نتيجة منطقية لفقدان البوصلة.ولا يمكن تمرير أزمة "لقاء المنتشرين" بالقول إن الوزير كان يبحث عن آلية لتنظيم عمل "الإعلام الجديد"، فلا يمكنه بأدوات "الإعلام" أن ينظم ما لا يعمل بقيم ومبادئ الإعلام. وقواعد مهنة الإعلام والصحافة لا تنسحب على محتوى التندر والإهانة والسخرية والمقالب.وبكل الأحوال، لا يمكن للوزارة أو الدولة التعويل على المنتشرين لتوجيه رسائل مجتمعية أو سياسية، لأن العقد بين أغلبهم وبين جمهورهم يقوم على محتوى لا يمكن أن يفيد السياسة والدولة. وإذا تغير هذا المحتوى، فقدوا الانتشار، وهم يدركون ذلك. والعلاقة القائمة على الترفيه والإثارة لا تضمن بالضرورة قدرة صاحبها على نقل رسائل عامة أو سياسية، وأن تحويل هذه العلاقة إلى أداة توجيه قد يضر بمصداقيته لدى جمهوره. أما "المؤثرون" فيستثمرون في الثقة مع جمهورهم، لذا تظل العلاقة بينهم وبين جمهورهم رابطًا يسمح بتصحيح الاتجاهات وتغيير المواقف.وهذه نقطة الالتقاء بينهم والإعلام، وهي ما يبحث عنه وزير الإعلام، لكن يبدو أنه ضل طريقه.وإذا أراد الوزير تنظيما حقيقيا لعمل المؤثرين، فعليه أن يضع تعريفا واضحا للمؤثر الذي يريده، ثم معايير واضحة لاختياره تتضمن: طبيعة المحتوى والقيمة التي يقدمها، ومصداقيته ومستوى الثقة لدى جمهوره، وقدرته على التأثير الإيجابي والمسئول، واحترامه للقانون والحقوق والقيم المهنية. وإلا فإن اجتماعاته ستتحول إلى فصل من "محتوى المنتشرين". جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع
المصدر: مصراوي