أين أصاب وأين أخفق سامي العامري في نقد العلمانية
يبرز كتاب “العالمانية طاعون العصر” للدكتور سامي عامري في زحام الكتابات العربية عن العلمانية كأحد أكثر الأعمال إثارة للجدل في السنوات الأخيرة.
منذ صدوره انقسم القراء بين مُشيدٍ بجرأته في فضح العلمانية ومتحفظٍ على منهجه الذي يخلط بين التوصيف والتبشير. فالسؤال الذي يفرض نفسه: هل نجح عامري فعلاً في تقديم نقد علمي للعلمانية أم أنه قدّم دفاعاً عقائدياً بغلاف أكاديمي؟
لا يمكن إنكار أن الكاتب بذل جهداً توثيقياً لافتاً . اعتمد الكتاب على منهج علمي صارم حيت اطلع على أكثر من مئتي مصدر نصفها باللغات الأجنبية، وهو رقم يدل على اطلاع واسع وتجاوز للحدود اللغوية التي تحاصر الكثير من الكتابات العربية. هذا الجهد يظهر جلياً في الفصل الأول، حيث فكّك المؤلف المصطلح لغوياً واصطلاحياً، وتتبع جذوره التاريخية في الغرب، وفرّق بين أنواع العلمانية الجزئية والشاملة، وأوضح أن العلمانية لم تنشأ فقط من صراع الكنيسة مع العلم، بل من صراعها مع العقل الذي سعى للتحرر من وصايتها. هذا الجزء تحديداً يوصف بأنه أفضل ما في الكتاب، لأنه يقدم مادة معرفية رصينة تملأ فراغاً في المكتبة العربية.
كما أصاب عامري في تفكيكه للخطاب العلماني الذي يقدّم العلمانية كفصل بريء بين الدين والدولة، بينما هي في جوهرها كما يرى رؤية كونية شاملة تمسّ هوية الإنسان ذاته. ومقولته الشهيرة بأن العلمانية ثورة على إنسانية الإنسان وإرغام له على أن يلتحف إزار الألوهية، تختصر هذا الطرح ببراعة. ولا شك أن تسليط الضوء على الآثار الأخلاقية والاجتماعية للعلمانية في الغرب، من سيولة أخلاقية وتفكك أسري، هو طرح يستحق النقاش الجاد.
المشكلة الكبرى التي يعترف بها حتى المقرّبون من مشروع عامري هي أن الكتاب يغلب عليه الوصف لا النقد.
ويظهر إخفاق منهجي آخر: الانتقائية في التعامل مع التجربة الغربية. يستشهد عامري بمقولات لدوستويفسكي ونيتشه لبيان مآلات العلمانية، لكنه لا يوازن بينها وبين القراءات التي ترى في العلمانية سياقاً تاريخياً محدداً ارتبط بصراع السلطة مع الكنيسة، لا بعداء أزلي مع الدين كدين. كما أن التركيز على موت الإنسان وكل شيء مباح يختزل تجربة معقدة في مقولات صادمة، قد تصلح للتحريض العاطفي أكثر من التحليل العلمي.
الأمر الآخر أن الكتاب، رغم عنوانه طاعون العصر يقع في فخ اللغة التعبوية. وصف العلمانية بالطاعون ليس تشخيصاً علمياً بقدر ما هو حكم قيمي مسبق. هذا لا يعيب الكاتب كداعية أو مفكر إسلامي، لكنه يعيبه إذا كان يطمح إلى نقد أكاديمي محايد. فالناقد الحقيقي لا يكتفي بوصف خصمه بالمرض، بل عليه أن يفهم منطقه أولاً ثم يفككه من الداخل.
لعل الإنصاف يقتضي القول إن سامي عامري لم يكتب كتاباً في النقد العلمي للعلمانية بقدر ما كتب كتاباً في الرفض العقائدي للعلمانية. وهو في هذا الميدان بطلٌ لا يُشق له غبار لكن إذا كان القارئ يبحث عن محاكمة فكرية تضع العلمانية على مشرحة التحليل البارد، فإنه سيخرج من الكتاب بأدوات دفاعية جاهزة لا بأدوات تحليلية جديدة. وكأنه يكتب فقط ليطمئنّ المؤمنين.
The post أين أصاب وأين أخفق سامي العامري في نقد العلمانية appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.
المصدر: عين ليبيا