شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

«أصوصا».. كيف تحولت مدينة حدودية إلى أزمة بين الخرطوم وأديس أبابا؟

«أصوصا».. كيف تحولت مدينة حدودية إلى أزمة بين الخرطوم وأديس أبابا؟

وفي أحدث تطور، أمرت السلطات الإثيوبية ستة موظفين في القنصلية السودانية بأصوصا بمغادرة البلاد خلال 48 ساعة، وأغلقت البعثة القنصلية، في خطوة تعكس تدهور العلاقات بين البلدين، وسط تبادل الاتهامات بدعم جماعات مسلحة معادية لكل طرف. وتكتسب المدينة أهمية استثنائية من موقعها الجغرافي في غرب إثيوبيا، باعتبارها عاصمة إقليم بني شنقول-قمز المحاذي للسودان، فضلاً عن وجود مطار شهد أعمال تطوير عسكرية، وأصبح اسمه محور اتهامات الخرطوم المتعلقة باستخدام الأراضي الإثيوبية في عمليات عسكرية عابرة للحدود. لم تعلن أديس أبابا سبباً رسمياً لطرد الموظفين السودانيين وإغلاق القنصلية، وفق ما نقلته وكالتا رويترز وأسوشيتد برس عن مسؤولين من البلدين، لكن القرار جاء بعد أيام من اتهام الخرطوم لإثيوبيا بالسماح باستخدام مطار أصوصا لتسهيل هجمات بطائرات مسيرة على منشآت حيوية داخل السودان. وفي 31 أكتوبر، اتهمت وزارة الخارجية السودانية الحكومة الإثيوبية بتسهيل هجمات استهدفت محطات كهرباء ومرافق خدمية، وقالت إن مطار أصوصا يستخدم أيضاً لإمداد قوات الدعم السريع بالأسلحة والمعدات وتسهيل عبور مقاتلين أجانب. وتصاعدت المواجهة في 2 نوفمبر، عندما أعلنت الخرطوم تقديم شكاوى رسمية إلى مجلس الأمن الدولي ومجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي، متهمة إثيوبيا بالسماح باستخدام أراضيها لإطلاق مسيرات باتجاه مواقع سودانية. ووفق تقرير قدمه مجلس السيادة الانتقالي في السودان، وثقت السلطات 70 هجوماً خلال الفترة من 15 فبراير إلى 27 أكتوبر 2026، باستخدام 187 طائرة مسيرة انتحارية و82 ذخيرة أطلقتها مسيرات، وقالت إن الهجمات أسفرت عن مقتل وإصابة مئات المدنيين والعسكريين. وذكر التقرير أن 484 مدنياً قتلوا أو أصيبوا، إلى جانب مقتل 176 جندياً سودانياً وإصابة نحو 200 آخرين، وحدد مطار أصوصا، ومنطقة كورموك-غيزن الحدودية، وقاعدة بحر دار الجوية، ضمن المواقع التي قال إنها استُخدمت لإطلاق الهجمات. وتبقى هذه الأرقام والاتهامات منسوبة إلى السلطات السودانية، ولم يجر التحقق المستقل من مجمل تفاصيلها. وكانت إثيوبيا قد رفضت اتهامات مماثلة، ووصفتها بأنها لا أساس لها، متهمة الجيش السوداني بدعم متمردين مرتبطين بجبهة تحرير تيغراي، وهو ما تنفيه الخرطوم. وتتجاوز أهمية أصوصا الاتهامات الأخيرة، إذ سبق أن سلط تحقيق استقصائي لوكالة رويترز، ، الضوء على إنشاء معسكر لتدريب مقاتلين في منطقة منغي بإقليم بني شنقول-قمز، على بعد نحو 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. واستند التحقيق إلى مقابلات مع مسؤولين ومصادر أمنية ودبلوماسية، وتحليل صور الأقمار الصناعية، وقال إن المعسكر أُنشئ لتدريب مقاتلين لصالح قوات الدعم السريع، ونقلت الوكالة عن مصادر أن الإمارات مولت إنشاء الموقع وقدمت دعماً لوجستياً ومدربين عسكريين، لكنها أكدت أنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من الدور الإماراتي أو الغرض النهائي للمعسكر، فيما نفت أبوظبي أي تورط في الحرب السودانية. ورصد التحقيق أيضاً أعمال تطوير في مطار أصوصا بدأت منذ أغسطس 2025، شملت إنشاء حظيرة جديدة ومناطق ممهدة قرب المدرج، فضلاً عن تجهيزات حددها خبير في التكنولوجيا العسكرية باعتبارها محطة للتحكم الأرضي في الطائرات المسيرة وهوائياً للأقمار الصناعية. ونقل التحقيق عن مسؤول إثيوبي ومصدر عسكري أن الجيش يعتزم تحويل المطار إلى مركز لعمليات الطائرات المسيرة، فيما قال مصدر دبلوماسي إن التطوير يأتي ضمن خطة لنقل قواعد جوية إلى غرب البلاد لمواجهة تهديدات محتملة على الحدود وحماية منشآت إستراتيجية. ويضيف موقع إقليم بني شنقول-قمز بعداً استراتيجياً آخر، إذ يقع المعسكر الذي رصدته رويترز على بعد نحو 101 كيلومتر من سد النهضة، أكبر منشأة لتوليد الطاقة الكهرومائية في أفريقيا. وأشار التحقيق إلى مخاوف لدى مسؤولين إقليميين ودبلوماسيين من تعرض السد لمخاطر إذا امتد القتال إلى المنطقة، دون أن يعني ذلك وجود تهديد مباشر أو استهداف فعلي للمنشأة. وتتقاطع هذه التطورات مع تاريخ من التوترات الحدودية بين السودان وإثيوبيا، خصوصاً النزاع حول منطقة الفشقة الزراعية، التي تصاعد الخلاف بشأن السيطرة عليها منذ أواخر عام 2020. كما أن إقليم بني شنقول-قمز شهد اضطرابات ونزاعات داخلية مرتبطة بالتنافس على الأراضي والموارد والنفوذ، ما يزيد تعقيد الحسابات الأمنية في المنطقة. وتكشف التطورات الأخيرة أن أصوصا باتت تقع عند تقاطع ثلاثة ملفات شديدة الحساسية: الحرب السودانية، والتنافس الأمني على الحدود، وحماية المنشآت الإستراتيجية الإثيوبية، وفي مقدمتها سد النهضة. ومع إغلاق القنصلية السودانية، يتسع نطاق الأزمة من الاتهامات العسكرية إلى إجراءات دبلوماسية تنذر بمزيد من التوتر بين البلدين.

المصدر: عكاظ