هدنة غير معلنة بين السلطة و"حزب الله"... بانتظار التطورات
يبدو أن المسار السياسي الذي يسلكه لبنان في المرحلة الحالية يتجه نحو قدر من التهدئة، بعدما وصلت حدة الاشتباك بين السلطة اللبنانية و"حزب الله" إلى مستويات مرتفعة خلال الأسابيع الماضية. غير أن هذا التراجع في التصعيد لا يعكس بالضرورة تحولاً في المواقف أو اقتراباً من تفاهم سياسي فعلي، بقدر ما يرتبط بقرار متبادل بتجميد المواجهة، بانتظار التطورات الإقليمية التي قد تعيد خلط الأوراق وتفرض توسيع الاشتباك السياسي في الداخل اللبناني. Advertisement وبحسب قراءات سياسية متقاطعة، فإن الواقع القائم بات يفرض ما يشبه الهدنة غير المعلنة بين الطرفين، خصوصاً بعدما قرر "حزب الله" التعامل بإيجابية مع تراجع السلطة اللبنانية عن إحالة قضية شاحنة المتفجرات إلى المجلس العدلي. إذ اعتبر "الحزب" هذه الخطوة بمثابة بادرة إيجابية تستحق التجاوب معها، وهو ما انعكس على خطابه الإعلامي والسياسي الذي بدا أقل حدة تجاه السلطة ومؤسساتها خلال الفترة الأخيرة. لكن هذه الإيجابية لا تعني أن "الحزب" بات مقتنعاً بإمكانية الوصول إلى تسوية داخلية مستقرة، أو أن أسباب الخلاف مع السلطة قد انتهت. على العكس، فإن التقديرات داخل "الحزب" تنطلق من أن الاشتباك السياسي سيعود عاجلاً أم آجلاً، وأن الظروف التي أدت إلى انفجاره لا تزال قائمة، سواء على مستوى الخيارات السياسية الكبرى أو في ما يتعلق بموقع "الحزب" ودوره في المرحلة المقبلة. من هنا، يبدو أن "حزب الله" يسعى مجدداً إلى تمرير الوقت بأقل قدر ممكن من الخسائر السياسية والداخلية، بانتظار أحد احتمالين أساسيين: إما اندلاع الاشتباك الإقليمي الكبير الذي قد يفرض وقائع جديدة على المنطقة ولبنان، وإما الوصول إلى تسوية إقليمية واسعة تنعكس بصورة مباشرة على التوازنات الداخلية. وفي الحالتين، لا يرى "الحزب" مصلحة في استنزاف نفسه بمعارك سياسية داخلية قد لا تكون نتائجها حاسمة قبل اتضاح المشهد الإقليمي. في المقابل، يبدو أن السلطة اللبنانية وصلت بدورها إلى قناعة بأن التصعيد مع "حزب الله" له سقف سياسي وأمني لا يمكن تجاوزه بسهولة. فالتجربة الأخيرة أظهرت أن "الحزب" مستعد للذهاب بعيداً في المواجهة الشعبية والسياسية إذا شعر بأن الضغوط تستهدف موقعه بصورة مباشرة، وهو أمر تدرك السلطة أن كلفته قد تتجاوز بكثير النتائج التي يمكن تحقيقها من خلال التصعيد. أما العامل الثاني، وربما الأكثر تأثيراً، فيرتبط بالموقف الإقليمي الذي لا يبدو مشجعاً على دفع لبنان نحو انفجار داخلي واسع. فالقوى الإقليمية المعنية بالملف اللبناني، على اختلاف حساباتها ومواقفها من "الحزب"، لا تبدو راغبة في فتح ساحة مواجهة داخلية جديدة في لحظة تشهد فيها المنطقة احتمالات تصعيد عسكري كبير. وعليه، فإن الهدوء السياسي الحالي لا يمكن اعتباره بداية تسوية بين السلطة و"حزب الله"،بل أقرب إلى استراحة مؤقتة فرضتها موازين القوى وحسابات المرحلة. فكل طرف لا يزال متمسكاً بمواقفه الأساسية، لكنه يدرك أن لحظة الحسم لم تحن بعد، وأن ما سيجري في الإقليم قد يكون العامل الأكثر تأثيراً في تحديد شكل المواجهة المقبلة داخل لبنان، أو في تأجيلها إلى أجل غير معلوم.
المصدر: لبنان 24