سوريا والسعودية.. من تمويل التعافي إلى صناعة الثروة
تفتح الاتفاقيات التي رافقت زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى المملكة العربية السعودية آفاقاً جديدة للتعاون الاقتصادي بين البلدين، تتجاوز تمويل الاحتياجات العاجلة إلى بناء شراكات إنتاجية واستثمارية طويلة الأمد. وفي هذا السياق، أكد الباحث والخبير الاقتصادي الدكتور ياسين العلي، في تصريح خاص لـ«الوطن»، أن أهمية هذه الاتفاقيات تكمن في قدرتها على نقل العلاقة الاقتصادية من تمويل متطلبات التعافي إلى تأسيس مصالح إنتاجية متبادلة، تقوم على تكامل القدرات الصناعية والتكنولوجية السعودية مع الموارد والخبرات والموقع الجغرافي السوري، بما يتيح بناء سلاسل قيمة مشتركة. وأضاف العلي: إن الشراكات الاقتصادية المستدامة لا تقوم على انتقال الموارد ورؤوس الأموال وحدها، بل على تكامل المصالح الذي يجعل استمرار التعاون مجدياً للطرفين، ويحول الاتفاقيات من إطار للتفاهم إلى مشروعات ملموسة ذات قيمة مضافة. وأوضح أن الاتفاقيات الموقعة تكشف عن مسارات اقتصادية متكاملة: مسار تنموي يعالج اختناقات البنية التحتية والخدمات، وإنتاجي يفتح مجالات التعاون الصناعي والزراعي والبيئي، إلى جانب مسار دفاعي يعكس اتساع نطاق العلاقات الاستراتيجية بين البلدين. وأشار إلى أن الحزمة شملت ستة قروض ميسرة من الصندوق السعودي للتنمية بقيمة إجمالية تبلغ 403.6 ملايين دولار، خُصصت لقطاعات الكهرباء والمياه والإسكان والصحة والدفاع المدني والتحول المالي الرقمي، إضافة إلى مذكرات للتعاون الصناعي والزراعي والبيئي، واتفاقية للتعاون الدفاعي. ولفت إلى أن اختلاف أدوات هذه الاتفاقيات ومجالاتها لا يلغي تكامل أهدافها، إذ يمكن أن تسهم مجتمعة في الانتقال من معالجة الاحتياجات إلى تهيئة شروط النمو والإنتاج. وبيّن العلي أن الاستثمار في الكهرباء والمياه يساعد على تخفيف اختناقات التشغيل وتحسين موثوقية الخدمات، بينما تدعم إعادة تأهيل المساكن استقرار القوى العاملة وتنشط الطلب على مواد البناء، كما يسهم تأهيل المنشآت الصحية في تعزيز رأس المال البشري، ويرفع تطوير قدرات الدفاع المدني جاهزية المدن والمنشآت لإدارة المخاطر، بينما يمكن للتحول المالي الرقمي تحسين كفاءة الإدارة المالية والخدمات الحكومية. وأكد أن ربط هذه المشروعات بالأولويات الإنتاجية يجعل التمويل التنموي أداة لتقليل مخاطر الاستثمار وتوسيع الطلب المحلي، بدلاً من اقتصار أثره على استعادة الخدمات. التعاون الصناعي وسلاسل القيمة المشتركة وفي ما يتعلق بالتعاون الصناعي، رأى العلي أن مذكرة التفاهم الخاصة بهذا القطاع تمثل محوراً أساسياً في الشراكة السورية – السعودية، لا سيما في ضوء ما تتضمنه من مجالات لتطوير المدن الصناعية، وتحسين كفاءة الإنتاج، وتبادل الخبرات، والتعاون في التمويل الصناعي. وأضاف: إن البناء على هذه المذكرة يمكن أن يفتح المجال أمام إنشاء تجمعات صناعية مشتركة تربط المدخلات الأولية بالتصنيع التحويلي والخدمات اللوجستية والتصدير، مع إعطاء الأولوية للمشروعات القادرة على تنشيط الموردين المحليين وتوليد روابط إنتاجية، وليس بالضرورة للمشروعات الأكبر حجماً أو تكلفة. وأشار إلى أن الصناعات التحويلية المرتبطة بالبتروكيماويات تمثل فرصة تستحق الدراسة، من خلال الاستفادة من القدرات السعودية في إنتاج البوليمرات والمواد الكيميائية الوسيطة، وتحويلها داخل مناطق صناعية سورية متخصصة إلى منتجات أعلى قيمة مضافة، مثل مواد التعبئة والتغليف والأنابيب ومستلزمات الري والمكونات الهندسية والطبية. وأوضح أن هذا النموذج يتيح للسعودية توسيع امتداد سلاسلها الصناعية، ولسوريا توطين التكنولوجيا وتطوير الصناعات المساندة وتوفير فرص العمل، لكنه شدد على أن جدوى هذه المشروعات، لا سيما في التصدير إلى أوروبا، تتطلب مقارنة التكلفة الكلية للتصنيع والطاقة والنقل والتأمين والامتثال بالبدائل الإنتاجية واللوجستية في السعودية والأسواق المنافسة، إلى جانب استيفاء المواصفات والمتطلبات البيئية وقواعد المنشأ، فالموقع الجغرافي، حسب العلي، يمنح فرصة، لكنه لا يصنع ميزة تنافسية من دون إنتاج ذي جدوى. الزراعة والبيئة والبعد اللوجستي ولفت العلي إلى أن فرص التكامل تمتد إلى الزراعة والصناعات الغذائية، عبر بناء سلاسل إنتاج تعاقدية تربط الزراعات السورية بعمليات التصنيع والتبريد والتخزين والأسواق السعودية والخليجية، ومن شأن هذا النموذج، وفق رؤيته، أن يسهم في تنويع مصادر الإمداد الغذائي للمملكة وزيادة القيمة المضافة السورية، شريطة مراعاة الأمن المائي وكفاءة الري وسلامة الغذاء واستقرار التوريد. وأضاف: إن الصناعات الدوائية والهندسية ومواد البناء يمكن أن ترتبط بالطلب الناشئ عن مشروعات إعادة التأهيل، بما يوسع فرص المنتجين والموردين المحليين وفق معايير الجودة والمنافسة. وفي الجانب البيئي، أكد أن التعاون في هذا المجال يمثل مكوناً اقتصادياً أساسياً للتكامل، إذ تتيح إعادة بناء الصناعة السورية فرصة لتطوير مناطق صناعية أكثر كفاءة في استخدام الطاقة والمياه والمواد الخام، من خلال اعتماد الإنتاج الأنظف وإعادة استخدام المياه واسترداد الموارد وتدوير المخلفات. وأشار إلى أهمية هذه المقاربة خصوصاً في الصناعات الكيميائية والبتروكيماوية، حيث تشكل السلامة الصناعية وإدارة الانبعاثات والمواد الخطرة شروطاً أساسية للجدوى والاستدامة، فضلاً عن إمكانية الاستفادة من المخلفات الزراعية والصناعية القابلة للتدوير، بما يخفض الفاقد والأعباء البيئية وتكاليف المعالجة. وتوقف العلي عند الموقع الجغرافي السوري، معتبراً أنه يمنح التكامل الاقتصادي بعداً يتجاوز وظيفة العبور، إذ إن سوريا، حسب قوله، لا تستعيد أهميتها الاقتصادية بمجرد إعادة فتح المعابر والموانئ، بل بقدرتها على تحويل موقعها إلى قاعدة إنتاج ترتبط فيها المناطق الصناعية بالممرات التجارية والأسواق. وأضاف: إن تحقيق ذلك يتطلب بنية لوجستية موثوقة، وتكاليف تنافسية، وزمن تسليم يمكن التنبؤ به، لأن القيمة الاقتصادية لا تتولد من مرور السلع عبر الجغرافيا فحسب، بل من مقدار ما تضيفه إليها قبل وصولها إلى المستهلك النهائي. التنفيذ.. الاختبار الحقيقي للاتفاقيات وفي موازاة المسارات الاقتصادية، أشار العلي إلى أن اتفاقية التعاون الدفاعي تمثل مجالاً مستقلاً لتعزيز التنسيق وبناء القدرات المؤسسية، من دون افتراض تفاصيل تنفيذية لم يُعلن عنها، لافتاً إلى أن أثرها الاقتصادي غير المباشر يرتبط بمدى إسهامها في استقرار فعلي يحمي البنية التحتية والممرات التجارية والمنشآت الحيوية، وموضحاً أن الأمن ليس بديلاً عن الإصلاح الاقتصادي، لكنه أحد شروط فاعليته، بالنظر إلى تأثير المخاطر الأمنية في قرارات الاستثمار وتكاليف التأمين والنقل والتمويل. وحذّر العلي من أن تعدد الاتفاقيات لا يضمن تكامل نتائجها تلقائياً، إذ إن تأخر التمويل والتنفيذ، وضعف التنسيق المؤسسي، وتشتت الأولويات، قد تحول المشروعات إلى تدخلات متفرقة محدودة الأثر. وأكد أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى آلية تنسيق سورية – سعودية ضمن المؤسسات القائمة، تربط مشروعات التعافي بإزالة اختناقات الإنتاج، ثم بتطوير استثمارات صناعية وزراعية متكاملة، وصولاً إلى التوسع التصديري ونقل التكنولوجيا وتطوير الموردين المحليين. وأضاف: إن ذلك يتطلب إعداد محفظة مشروعات قابلة للتمويل، وتوفير أدوات لضمان مخاطر الاستثمار والائتمان الصناعي وتمويل الصادرات، إلى جانب وضع مراحل تنفيذ ومؤشرات أداء معلنة، بما يضمن متابعة النتائج من دون استحداث بيروقراطية موازية. وشدد على ضرورة تقييم كل مشروع وفق معايير متعددة، تشمل القيمة المضافة المحلية، وفرص العمل ونقل التكنولوجيا، والأثر الصافي على النقد الأجنبي بعد احتساب الواردات والتحويلات والالتزامات الخارجية، فضلاً عن الأثر المالي والاجتماعي والبيئي، محذراً من اختزال جدوى المشروعات في مؤشر نقدي واحد. وأوضح أن حجم الاستثمار لا يكشف وحده عن جدواه، كما أن ارتفاع الصادرات الإجمالية لا يعني بالضرورة ارتفاع العائد الوطني، الأمر الذي يستدعي تمكين القطاع الخاص السوري من المشاركة الفعلية في الملكية والإنتاج وتطوير الموردين، مع حماية المنافسة وتكافؤ الفرص. وختم العلي بالتأكيد أن الاختبار الحقيقي للشراكة السورية – السعودية لا يتمثل في قدرتها على تمويل ما دمرته الحرب فحسب، بل في قدرتها على بناء نموذج إنتاجي أكثر تكاملاً وتنافسية واستدامة، فالتعافي يعيد الاقتصاد إلى العمل، أما التكامل فيعيد تعريف موقعه في سلاسل القيمة، وعندما تصبح سوريا شريكاً في إنتاج الثروة وتطويرها وتصديرها، لا مجرد متلقٍ للتمويل أو مستهلك للسلع، تكون الشراكة قد تجاوزت استعادة الماضي إلى صناعة المستقبل.
المصدر: الوطن