شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

علم الأمراض في لبنان: أزمة اختصاص تهدد رعاية المرضى

علم الأمراض في لبنان: أزمة اختصاص تهدد رعاية المرضى

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;} الدكتور غازي زعتري - الأمين العام للأكاديمية العالمية لعلم الأمراض- رئيس دائرة الباثولوجيا والطب المخبري الجامعة الأميركية في بيروت رئيس سابق للجمعية اللبنانية لعلم الأمراض ان علم الأمراض (الباثولوجيا) هو عنصر أساسي في القطاع الصحي في العالم وركيزة كبيرة للعمل الطبي، ولكنه اليوم يواجه تضافراً من التحديات، تتمثل في التوزيع غير المتكافئ لاختصاصيّي علم الأمراض على مستوى العالم، واستمرار النقص في أعدادهم في المناطق التي تعاني من نقص الخدمات الصحية، وذلك في وقت يشهد فيه التشخيص المرضي تزايداً في التعقيد، إلى جانب التوسع السريع في الطب الجزيئي والطب الدقيق، وازدياد أعباء العمل التشخيصي، وتنامي المتطلبات المتعلقة بالتعليم والتدريب، فضلاً عن العزلة المهنية ومحدودية الوصول إلى الخبرات التخصصية الدقيقة. ويُضاف إلى ذلك أن الطب الحديث أصبح يعتمد بصورة متزايدة على علم الأمراض، ولا سيما في مجال تشخيص السرطان، الذي يتطلب اليوم تسلسلاً تشخيصياً يشمل: الفحص المورفولوجي التقليدي ← الكيمياء النسيجية المناعية ← علم الأمراض الجزيئي ← المؤشرات الحيوية ← العلاج الدقيق الموجّه. لذلك، كلما ازداد الطب تطوراً وتعقيداً، ازدادت أهمية التشخيص المرضي الدقيق. وبناءً على ذلك، فإن الفجوة العالمية في أعداد القوى العاملة المتخصصة في علم الأمراض لم تعد مجرد مشكلة تتعلق بالقوى العاملة المهنية، بل أصبحت مشكلة تؤثر بصورة مباشرة في رعاية المرضى وجودة الخدمات الصحية المقدمة لهم. في العالم اليوم ما يقارب 120,000 اخصائي في علم الأمراض، ولكن هناك تفاوتاً كبيراً في التوزيع الجغرافي لهذه الطاقات البشرية. وكما هو متوقع، فإن الدول النامية، ومعظمها في دول الغرب، لديها العدد الأكبر من هذه الطاقات، وتبلغ النسبة ما يفوق 40 أخصائي علم الأمراض لكل مليون نسمة. وحتى هذه البلدان تواجه تحديات كبيرة. ففي بريطانيا مثلاً، يعمل 60% من الأطباء الاستشاريين بانتظام لساعات تتجاوز ساعات العمل المتعاقد عليها، ويُعدّ العمل الإضافي غير مدفوع الأجر (بدافع الالتزام المهني وحسن النية) الوسيلة الأكثر شيوعاً (39%) للتعامل مع الطلب السريري الزائد. كما أنه يُعدّ عبء العمل المفرط (50%) والأعباء الإدارية (44%) أبرز العوامل التي تؤثر في الرفاه الوظيفي والنفسي. كما يفيد أكثر من ثلث اختصاصيّي علم الأمراض بأن الوقت المتاح لهم غير كافٍ للتطوير المهنيا أو للمساهمة في تحسين الخدمات. ولكن الصورة مختلفة جداً في بقية أنحاء العالم، وتتدنى هذه النسبة لأقل من عشرة أخصائيين في علم الأمراض لكل مليون فرد في الدول ذات الدخل المتوسط أو المتدني. وهذا بالطبع ينعكس سلباً على جودة العمل الطبي. وهذا الحديث ينطبق على لبنان الذي يشهد حالياً نقصاً كبيراً في اختصاصيّي علم الأمراض؛ فبالإضافة إلى تدني عدد الراغبين من خريجي كليات الطب في هذا الاختصاص، جاءت الأحوال المالية والنقدية والأمنية السيئة في البلد خلال السنوات الأخيرة لهجرة عدد غير ضئيل منهم. أضف إلى ذلك المعضلة التاريخية في البلد لعدم الاعتراف بطب علم الأمراض كاختصاص طبي كبقية الاختصاصات الطبية والإصرار على التعامل مع اختصاصييه عن طريق بدل اتعاب مقطوع وليس بتحديد قيمة للعمل الطبي الذي يقوم به هذا الاختصاصي أسوةً بغيره من الاختصاصات الطبية، وهو ما هو متعارف عليه "k value" في الجداول الطبية لوزارة الصحة العامة والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. عبر العقود الماضية باءت محاولات عديدة لتغيير هذا المسار المجحف بالفشل، وهناك إصرار على إبقاء الحال على ما هو عليه بوضع الطبيب الاختصاصي تحت رحمة إدارات المستشفيات التي يتعاملون معها. واليوم نشهد نقصاً حاداً في عدد اختصاصيّي علم الأمراض يجب التنبّه له ومعالجته بأسرع وقت ممكن إذا كنا جديين في وضع لبنان على مسار سليم وقوي للعمل الطبي الروتيني، ولمواكبة الدراسات العلمية والطبية المتسارعة والعلاجات الحديثة والمتطورة. إني أناشد وبإصرار جميع القيمين على القطاع الصحي في لبنان (وزارة الصحة العامة، الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، نقابتي الأطباء في لبنان، جمعية أصحاب المستشفيات الخاصة في لبنان) للاجتماع مع أصحاب الشأن في الجمعية اللبنانية لعلم الأمراض في أقرب وقت ممكن للاتفاق على ما يلزم من إجراءات وقرارات تنفيذية مستعجلة التي تساعد على وقف هذا الوضع المتدحرج الذي يسيء إلى مستوى الطب في لبنان. لقد آن الأوان لإنقاذ ما تبقى من هذه المهنة الطبية رفعيه الشأن.

المصدر: النهار