جذور الصهيونية الدينية… كيف دمج يهودا القلعي الدين بالقومية؟
نعرض في الجزء الثالث دور الحاخام يهودا القلعي في التبشير بالصهيونية الدينية، ودمج النصوص التوراتية بالأفكار القومية لإقامة دولة يهودية. خاص قدس الإخبارية: حققت الصهيونية الدينية، في دولة الاحتلال، نتائج استراتيجية هامة في سياق رحلتها المستمرة، منذ عقود، نحو محاولة السيطرة على المفاصل المركزية في الأمن والسياسة والثقافة والاقتصاد والاجتماع، لتحقيق الهدف الأساسي لها وهو إقامة دولة "التوراة/ الشريعة اليهودية"، على كامل فلسطين المحتلة والأراضي العربية الموصوفة في الرواية التوراتية المزعومة بوصفها "أرض إسرائيل". وفي انتخابات "الكنيست" الأخيرة، في السابع والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، أظهرت النتائج تحول التيار من حزب أو أحزاب إلى مجموعات اجتماعية، داخل دولة الاحتلال، إذ حققت الكتل الحزبية الصاعدة وسط "الصهيونية الدينية" عدداً من المقاعد والأصوات بعضها ذهب هدراً، بعد فشل الضابط السابق في جيش الاحتلال، عوفر فينتر، في اجتياز نسبة الحسم. تؤشر نتائج الانتخابات، ومجموعة من الأحداث، والتغيرات في دولة الاحتلال، من أبرزها توجه أبناء التيارات "الصهيونية الدينية"، نحو الدخول بكثافة في جيش الاحتلال، بهدف السيطرة عليه، ومنع في المستقبل أي توجهات نحو إخلاء مستوطنات، في سياق عملية سياسية، أو مبادرة فردية، كما حصل في قطاع غزة، خلال حكومة أرئيل شارون، في 2005، بالإضافة لتنفيذ برنامجهم في إبادة الفلسطينيين والعرب وتهجيرهم. ناقشنا في الحلقتين السابقتين من السلسلة، مفاهيم مرتبطة بالمنظومة الفكرية للصهيونية الدينية، وتاريخها داخل التيار العام للصهيونية، والجذور العتيقة لها، وحاخامين من أبرز المنظرين لها، وواضعي البذور الأساسية فيها. ورغم أن البناء الأساسي للحركة الصهيونية، انطلاقاً من ثمانينات القرن التاسع عشر، بدأت مع شخصيات تحسب على التيارات العلمانية، إلا أن العودة للتاريخ تظهر جذوراً دينية نظَرت لدمج الصهيونية مع الدين والعقائد التوراتية، وساهمت في الترويج لفكرة إقامة دولة يهودية، بين مجموعات اليهود، المنتشرة حينها بكثافة في شرقي أوروبا خاصة، وتعرضت حينها لمجازر من جانب السلطات الروسية، دفعتها للتفكير بالهجرة، وهو ما استغلته طلائع المبشرين بالصهيونية، لدفع جزء من هذه المجتمعات نحو تبني فكرة إقامة الدولة، على خلاف الموقف التقليدي للحاخامات المعتقدين أن الخلاص اليهودي لا يقوم إلا بإرادة إلهية متجسدة في ما يسمونه "المسيح المخلص"، ورفضوا أي إسهام بشري في عملية الخلاص. في هذا الجزء الثالث من السلسلة نعرض لدور الحاخام يهودا القلعي، بوصفه أحد المبشرين الأوائل بالصهيونية الدينية، وأفكاره للتبشير بين اليهود بالقيام بإقامة دولة يهودية على أرض فلسطين، دمج فيها بين أفكار القومية المنتشرة حينها في أوروبا، حيث ولد وترعرع، ومعتقدات ونصوص من التوراة جرى تأويلها لتكون مناسبة للفكر الصهيوني. خاص| جذور الصهيونية الدينية: كيف أثرت أفكار الحاخام كوك؟ ولد الحاخام يهودا القلعي، في 1879، في مدينة سراييفو، لعائلة يهودية متدينة، وسافر معها لاحقاً في عام 1809 إلى مدينة القدس، وتلقى تعليماً في الشريعة اليهودية والتوراة، قبل أن يعود ويتولى الحاخامية في مدينة زيمون، ثم يعود ويهاجر إلى فلسطين برفقة زوجته، في 1874. تأثر القلعي، وفق الأدبيات والمصادر التاريخية، بحركة الاستقلال القومي الصاعدة في أوروبا حينها، وتحمس لإقامة دولة قومية لليهود، بعد أن رأى استقلال اليونان عن الدولة العثمانية، وحصول مجتمعات في البلقان، حيث ترعرع على دول قومية، بالإضافة إلى هجمات تعرضت لها المجتمعات اليهودية، أبرزها في تلك المرحلة ما عرفت بحادثة دمشق، أو "فرية الدم"، في 1840، حين اتهم اليهود بخطف أطفال مسيحيين وقتلهم لاستخدام دمهم في صنع مخبوزات مرتبطة بأعيادهم، وهو ما نفوه، وتشير الأبحاث إلى دور للاستخبارات الفرنسية، في إثارة القضية. دعا القلعي، في 20 كتاباً وكتيباً، والمقالات المنشورة له، في صحف مختلفة، إلى إقامة دولة قومية لليهود، عبر تأسيس هيئة عليا مسؤولة عنهم، وجمع التبرعات لهذا الهدف، والتواصل مع الدول الأوروبية والعظمى، ومحاولة شراء أراضي فلسطين من السلطات العثمانية. كانت ميزة القلعي، بين المبشرين الأوائل في الصهيونية، هي مزجه بين النص التوراتي المؤول باطنياً على طريقة ما يعرف في اليهودية بـ"الكابالاه" أو "التصوف اليهودي"، مع الأفكار السياسية والقومية. انشغل يهودا القعلي بالاعتماد على نصوص مستوحاة من شروحات الحاخامات على التوراة، و"الزوهار" وهو الكتاب الأساسي في "الكابالاه"، على تكريس فكرة أن "الخلاص اليهودي" يجب أن يكون مسبوقاً بعمل بشري، على خلاف الفكرة السائدة في المجتمعات اليهودية، بتأثير من التفسيرات الحاخامية الأساسية، أن حالة الانتظار هي المطلوبة، وأي عمل بشري يسعى لتعجيل قدوم "المخلص" مرفوض. استناداً إلى أفكار "الكابالاه" قال القعلي إن ما يسميه "العالم السفلي"، أي البشر في الأرض، يمكن أن يؤثرا في "العالم العلوي"، عن طريق الصلوات والأذكار والعمل، واعتبر أن على اليهود الحركة في العالم للعودة إلى فلسطين أو بالوصف الصهيوني المزعوم "أرض إسرائيل"، كي يستحقوا "الخلاص" من قبل الرب، وفق توصيفاته. في أحد نصوصه يستند لتحريض اليهود على تبني مشروع إقامة دولة، في فلسطين، على نصوص منسوبة لفقهاء في الشريعة اليهودية ترى في أن "عدداً من الفرائض لا تصح إلا بإقامتها في أرض إسرائيل"، وفق زعمهم، ويستند إلى مقولة لهم تبالغ في تصوير فداحة استمرار ما يسمونه "الشتات اليهودي" عن فلسطين "إن المقيم خارج البلد أشبه بمن لا رب له". ويهاجم القلعي في نصوصه المختلفة التيار المتبني لفكرة انصهار اليهود، في مجتمعات أوروبية وغيرها كانوا يعيشون فيها، ويرى فيهم مشروع تدمير للخصوصية اليهودية، وينتقد سلوك بعض الحاخامات الرافضين للتعاون مع شخصيات بادرت لإقامة مشاريع لليهود، في فلسطين، في العقود الأخيرة من الدولة العثمانية، ويحملهم مسؤولية إحباط الساعين لتحقيق "الخلاص" بإقامة الدولة القومية اليهودية. وفي تنظيره لمشروعه السياسي الداعي بداية لإقامة مجلس للحكماء والقيادات اليهود، يستخدم في كتابه "منحة يهوداً"، آية من سفر إشعياء "وأرد قضاتك كما في الأول ومشيريك كما في البداءة"، وعن اجتماع اليهود تحت قيادة واحدة آية من سفر هوشع "ويجمع بنو يهودا وبنو إسرائيل معاً ويجعلون لأنفسهم رأساً واحداً ويصعدون من الأرض لأن يوم يزرعيل عظيم". وزعم بالاستناد إلى تأويلات لنصوص توراتية، أن البداية في العودة اليهودية لأرض فلسطين، التي يرى أنها جزء من "التوبة" المنصوص عليها في أسفار مختلفة، تكون باجتماع 20 ألفاً من اليهود، يجب على بقية المجتمعات اليهودية، في ما يعرف بالأدبيات اليهودية "الشتات"، أي الدول التي يعيشون فيها، دعمهم ورعايتهم وتقديم الأموال اللازمة لهم، ويورد في كتاب "منحة يهودا" آية من سفر حزقيال "وآخذكم من بين الأمم وأجمعكم من جميع الأراضي وآتي بكم إلى أرضكم". وفي تبريره لدعوة ملوك وقادة العالم لمنح اليهود أرض فلسطين، لإقامة دولتهم عليها، يستند إلى تفسيرات لنصوص من التوراة "ويحضر جميع إخوتكم من كل الأمم تقدمة للرب"، كما يرد صراحة اسم السلطان العثماني، عبد الحميد الثاني، في أحد نصوصه وهو يجلب أدلة من كلام الحاخامات والنصوص التوراتية عن ما يسميه علاقة بين نسل إسماعيل وتحقيق إعادة "بناء الهيكل"، واليهود إلى فلسطين. يقدم الحاخام يهودا القلعي، في مختلف كتاباته، ونشاطاته، في هذه الفترة المبكرة من تاريخ الصهيونية، نموذجاً على الاستخدام الصهيوني للنصوص الدينية التوراتية، لشرعنة الفكرة القومية، القائمة على سلب أرض فلسطين، وإقامة دولة يهودية عليها، وهي من البذور النامية منها تيارات صهيونية دينية بارزة، في الحياة السياسية الإسرائيلية.
المصدر: وكالة القدس