هل يغني الذكاء الاصطناعي في الطب عن زيارة الطبيب؟
في عالم تتسارع فيه وتيرة الحياة، وترتفع فيه تكاليف الرعاية الصحية، لم يعد المريض مضطرا إلى الانتظار طويلا للحصول على إجابة عن سؤال يتعلق بصحته، خاصة غير المستعجلة. فبمجرد كتابة الأعراض على محرك بحث أو طرحها على أحد روبوتات المحادثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، يمكنه الحصول على قائمة من الاحتمالات المرضية، وشروح طبية مفصلة، بل وحتى اقتراحات تتعلق بالأدوية والعلاج والنظام الغذائي. تبدو الوسائل الرقمية للكثير حلا سريعا ومريحا، وربما بديلا أقل تكلفة من زيارة العيادات والمستشفيات، غير أن الدراسات العلمية والحالات السريرية المنشورة، كشفت أن الخطأ الرقمي في المجال الصحي قد يتحول إلى معاناة بشرية حقيقية. فلم يعد الأمر مجرد مخاوف نظرية يطرحها المتوجسون من التكنولوجيا، إذ يحذر الخبراء من أن الخوارزميات لا تستطيع فهم المرض كما يحلله الطبيب، فلا تكفي إجاباتها الواثقة لبناء قرار طبي آمن، خاصة في ما يتعلق بأمراض عضوية أو نفسية مستعجلة. والأهم من ذلك، على الإنسان أن ينتبه إلى ثقته في إجابة رقمية خاطئة، يمكن أن تؤخر العلاج، أو تجعله يتناول مادة ضارة أكثر، أو يطمئن إلى أعراض تستدعي تدخلا طبيا عاجلا. إجابات مقنعة لا تعني بالضرورة نصائح آمنة حاول باحثون تقييم جودة النصائح التي تقدمها روبوتات الذكاء الاصطناعي، عند مواجهة أسئلة طبية حقيقية أو محاكية للواقع، وفي دراسة نشرت مؤخرا في Journal of Medical Internet Research، قيم باحثون إجابات أربعة روبوتات محادثة مجانية عن عشرة أسئلة تتعلق بحالات طوارئ طبية متفاوتة الخطورة، مستعينين بأطباء مختصين في طب الطوارئ لتقييم الإجابات، وشملت الدراسة معيار الدقة، واكتمال المعلومات، ووضوح الإجابات، ومدى احتوائها على معلومات قد تكون خطيرة. وأظهرت النتائج أن وضوح الإجابات وسهولة فهمها بلغا نحو 85%، بينما بلغت الدقة واكتمال المعلومات نحو 50% وفق التقييمات التي اعتمدتها الدراسة، كما تضمنت الإجابات معلومات خطيرة، بحسب النظام المستخدم، فالشخص الذي يخشى زيارة المستشفى قد يصيغ سؤاله بطريقة تدفع نحو تفسير بسيط، ومن يعاني القلق قد يعيد السؤال مرارا حتى يحصل على إجابة تناسب توقعاته، وقد يتجاهل تحذيرا مهما إذا كانت بقية الإجابة مطمئنة. وفي المقابل، قد يؤدي البحث المتكرر عن الأعراض إلى تضخيم المخاوف، وجعل المستخدم يعتقد أنه مصاب بأمراض خطيرة، استنادا إلى احتمالات عامة لا تنطبق بالضرورة على حالته. إذ تصب جل الدراسات حول استخدامه في مجال العلاج، في أن نجاح الذكاء الاصطناعي بات يعتمد على كيفية تصميمه واختباره واستخدامه ومراقبته. فإذا استخدم لمساعدة الطبيب على قراءة صورة شعاعية، مع وجود بروتوكولات واضحة للتحقق من النتائج، فقد يكون أداة فعالة، أما إذا استخدم لتشخيص شخص مجهول التاريخ المرضي، ثم وصف علاج له دون فحص أو متابعة، فإن هامش الخطأ والمخاطر يصبح أكبر. ولم تثبت التقارير القانونية حتى اليوم وجود هكذا مشاكل في الجزائر برغم اعتراف معالجين بمساعدة الذكاء الاصطناعي، الذين يجدون أن هناك فارقا بين نظام طبي صمم لغرض محدد، واختبر سريريا، وخضع للرقابة التنظيمية، وبين روبوت محادثة عام يمكن أن يجيب عن أسئلة في الطب والاقتصاد والسياسة والبرمجة، دون أن يكون كل جواب يصدر عنه خاضعا للتحقق الطبي. جانب آخر، يحذر منه خبراء المعلوماتية والرقمنة في الآونة الأخيرة، إذ لا تتوقف مخاطر الاستشارات الرقمية عند التشخيص والعلاج، فالمستخدم قد يشارك معلومات شديدة الحساسية، مثل نتائج التحاليل، والتاريخ المرضي، وصور التقارير الطبية، والأدوية التي يتناولها، وأحيانا تفاصيل تتعلق بحياته الشخصية. وإذا أدخلت هذه المعلومات إلى منصة لا يفهم المستخدم سياسة التعامل معها، فقد تتعرض خصوصيته لمخاطر تتعلق بالتخزين أو المعالجة أو الوصول غير المصرح به، بحسب النظام وإعداداته وشروط استخدامه. لذلك، لا بد من التعامل مع البيانات الصحية باعتبارها معلومات حساسة، وتجنب مشاركة الأسماء الكاملة وأرقام الهوية والملفات التي تتضمن بيانات تعريفية.
المصدر: الشروق