في حرب السودان.. قصف البنى التحتية ومرافق الخدمات تهم تقيد ضد مجهول
تظهر آثار الحرب في الخرطوم بوضوح برج الفاتح الخرطوم، 5 نوفمبر 2026 – قيّد الإنكار المتبادل لأطراف القتال بالسودان لعمليات قصف الأعيان المدنية والمقار الأممية، ضد مجهول، حيث ينأى الطرفان عن تبنٍ رسمي لغارات المسيرات والطيران الحربي. وإثر تزايد الهجمات بالطيران المسير من قبل الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، لم يتبن أي طرف عمليات القصف إلا في حدود ضيقة من قبل الجيش. ودائمًا ما تحدد مسؤولية قصف المسيرات عن طريق المصادر للصحافة، أو عن طريق التحليل عبر ترجيح مصلحة طرف بعينه في قصف مكان ما. وخلال النصف الثاني من أكتوبر الماضي وحتى الرابع من نوفمبر الحالي قصفت مسيرات نحو 18 محطة كهرباء في مناطق سيطرة الجيش، في حين لم يصدر عن قوات الدعم السريع أي تبنٍ رسمي. وخلال أكتوبر ذاته قصفت مسيرات سوق دوماية بمدينة نيالا في جنوب دارفور الواقعة تحت سيطرة الدعم السريع، ما اسفر عن قتلى مدنيون وعسكريون وفقا لمنظمة أطباء بلاحدود، ولم يتبنى أي طرف العملية. وفي 19 أكتوبر الماضي تعرض سوق النعام “أميت” التابع لأبيي حيث تنتشر قوة حفظ السلام الدولية لأبيي “يونيسفا”، لقصف بمسيرة استراتيجية للمرة الثانية أسفر عن عشرات القتلى والجرحى وحرائق واسعة، ونفى كل من الجيش وقوات الدعم السريع مسؤوليته عن العملية، بل وتبادلا الاتهامات بقصف السوق المكتظ والنشط في تجارة الوقود. وفي 13 ديسمبر 2025 تعرضت قاعدة “يونيسفا” بكادوقلي عاصمة ولاية جنوب كردفان لقصف أسفر عن مقتل 6 جنود تابعون للكتيبة البنقلاديشية وجرح آخرين، وحينها تبادل طرفا القتال أيضا الاتهامات بتنفيذ القصف. وإبان الحرب بين الجيش والدعم السريع بولاية الخرطوم تعرض جسرين على النيل بين الخرطوم بحري وأم درمان هما جسر شمبات الرابط في 11 نوفمبر 2023 وجسر الحلفايا – بشكل جزئي – في 1 يوليو 2024. وفي كلا العمليتين لم يتبنى الجيش أو الدعم السريع عمليتي التدمير واكتفيا بتبادل الاتهامات. في وقت تتبادل فيه الأطراف الاتهامات بشأن استهداف البنية التحتية والمرافق المدنية، تتصاعد المطالبات بإجراء تحقيقات مستقلة تستند إلى الأدلة الفنية والعسكرية، وتحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين في انتهاكات الغارات الجوية التي طالت ايضا مستشفيات وأسواق ومحطات مياه ومناطق سكنية ووسائل نقل. وبشأن جسور الخرطوم يقول المتحدث باسم حكومة “تأسيس”، أحمد تقد لسان، لسودان تربيون، إن قوات الدعم السريع كانت تنتشر في الخرطوم بحري والخرطوم وأم درمان، مبيناً أن جسر شمبات كان يمثل حلقة وصل بين القوات المنتشرة في هذه المناطق، وكانت تستخدمه بصورة منتظمة في تحركاتها. وأضاف لسان أن الجيش قرر اعتبار الجسر هدفاً عسكرياً، نظراً لاستخدام قوات الدعم السريع له في الحركة والتنقل، مشيراً إلى أن الجهات المعنية تعاملت معه باعتباره هدفاً استراتيجياً وضرورة عسكرية ميدانية. وأوضح أن قصف جسر شمبات استهدف تعطيل حركة قوات الدعم السريع وقطع الاتصال بين عناصرها المنتشرة في بحري والخرطوم وأم درمان. وحسب أحمد تقد لسان، فإن استهداف الجسور لا يحتاج إلى أدلة أو براهين إضافية، معتبراً أن تدميرها يمثل جزءاً من استراتيجية القوات المسلحة في الحرب، ولم يقتصر الأمر على جسر شمبات، إذ أشار إلى قصف جسر خزان جبل أولياء جنوبي ولاية الخرطوم واستهداف جسر أردمتا في الجنينة وجسر نيالا وجسور أخرى. من جانبه، قال الخبير الاستراتيجي المتخصص في الشؤون الأمنية والعسكرية، العميد متقاعد جمال الشهيد، إن تحديد المسؤولية عن تدمير جسري شمبات والحلفايا، وقصف مقر بعثة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي (يونيسفا) في كادوقلي وسوق النعام بأبيي، ينبغي ألا يستند إلى الاتهامات المتبادلة أو المواقف السياسية، وإنما إلى أدلة فنية واستخباراتية موثوقة وتحقيقات مستقلة تحدد الجهة المنفذة بدقة. وأضاف الشهيد لسودان تربيون أن تحديد المسؤولية العسكرية يتطلب تحليل طبيعة الأضرار وآثار المتفجرات واتجاهات ومسارات المقذوفات ونوعية الأسلحة المستخدمة، إلى جانب الاستعانة بصور الأقمار الصناعية والتسجيلات والمعلومات الاستخباراتية، مشيراً إلى أن تحديد نوع السلاح وحده لا يكفي لإثبات هوية الجهة التي استخدمته. وأضاف أن استهداف المنشآت الأممية والأسواق والمرافق المدنية يمثل تطوراً بالغ الخطورة، ويستوجب إجراء تحقيق مهني وشفاف، مؤكداً أن حماية المدنيين والمنشآت الحيوية ليست واجباً أخلاقياً فحسب، بل التزام قانوني وعسكري بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني. في ذات السياق، رأى الخبير العسكري أمين إسماعيل مجذوب أن قوات الدعم السريع عمدت إلى تخريب الجسور لمنع مطاردتها خلال انسحابها من العاصمة الخرطوم. وأكد مجذوب لسودان تربيون أن تدمير الجسور خلف خسائر اقتصادية واجتماعية جسيمة، موضحاً أن الأضرار الاقتصادية انعكست على حركة الصادرات، بينما تسبب تدمير الجسور في قطع التواصل الاجتماعي بين سكان المدن والمناطق الواقعة على جانبيها. وأضاف أن بعض الأحياء السكنية الواقعة على طرفي الجسور أصبحت غير مهيأة للسكن، ما دفع سكانها إلى مغادرتها نتيجة انقطاع التواصل والحركة بين الجانبين، منبها إلى أن بروتوكولات جنيف المتعلقة بالنزاعات المسلحة وحماية المدنيين تنص على ضرورة تجنيب السكان آثار العمليات العسكرية وتوفير الحماية للأسر والنساء والأطفال وكبار السن. وتشير سودان تربيون إلى أن الجيش تمكن بعد قطع جسر شمبات في نوفمبر 2023 الذي كانت تستغله قوات الدعم في الإمداد، من استعادة السيطرة على مقر الإذاعة والتلفزيون وأم درمان القديمة في مارس 2024. كما أن الجيش وبالرغم من القطع الجزئي لجسر الحلفايا في يوليو 2024 تمكن من العبور من أم درمان إلى الخرطوم بحري انتهت بسيطرته في يناير 2025 على بحري وفي مايو على كل ولاية الخرطوم وانسحاب الدعم السريع إلى كردفان ودارفور. ويتهم المتحدث باسم حكومة “تأسيس” أحمد تقد لسان، الجيش والقوات المتحالفة معه، بتبني استراتيجية تقوم على استهداف التجمعات المدنية والمرافق الخدمية والأسواق والمستشفيات بصورة منظمة خلال الفترة الأخيرة. وأوضح أن العمليات العسكرية الأخيرة شملت استهداف عدد من المواقع في مناطق مختلفة، من بينها أبو زعيمة في شمال كردفان، وسوق البروش في شمال دارفور، ومنطقة النائم وسوق المواشي ودوماية في نيالا بولاية جنوب دارفور، والضعين بشرق دارفور، إلى جانب أبو جابرة وبابنوسة والدبب وأبو زبد والأضية بولاية غرب كردفان، فضلاً عن سوق النعام بأبيي. وأشار إلى أن هذه الأسواق والمناطق تقع، في الغالب، ضمن الأراضي الخاضعة لسيطرة حكومة السلام الانتقالية “أي تحت سيطرة قوات الدعم السريع”، وتوجد بها تجمعات من المدنيين. وأكد أن الجيش هو الجهة المسؤولة، عن تنفيذ العمليات الموجهة ضد المدنيين، وشدد على استعدادهم لتقديم الأدلة والبراهين أمام أي جهة دولية مستقلة للتحقيق وتحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين. لكن الخبير الاستراتيجي المتخصص في الشؤون الأمنية والعسكرية، جمال الشهيد، يرى أن ضرورة التزام جميع الأطراف المتحاربة بمبادئ التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، والتناسب في استخدام القوة، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لتجنب إلحاق الأذى بالمدنيين، مع محاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن أي انتهاكات، بلا استثناء أو اعتبارات سياسية أو عسكرية. وأكد أن الدفاع عن القوات المسلحة لا يتعارض مع مبدأ المساءلة، بل أن قوة المؤسسة العسكرية الحقيقية تكمن في احترافيتها وانضباطها واحترامها للقانون، قائلاً: “نحن مع جيش قوي يحمي الدولة، ومع دولة قوية تحمي المواطن، ومع قانون لا يستثني أحداً”. وأشار الشهيد إلى أن القوات المسلحة، باعتبارها مؤسسة وطنية مسؤولة عن حماية الدولة وسيادتها ومواطنيها، مطالبة بتعزيز آليات الرقابة والتحقيق والمساءلة، والتعاون مع أي تحقيقات مستقلة وموثوقة، بما يحفظ مهنيتها ومصداقيتها ويحميها من الاتهامات غير المؤسسة. وتابع قائلا “إن السودان يواجه تحديات تتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة، لتشمل تهديد أمنه القومي وبنيته التحتية وتماسكه المجتمعي، الأمر الذي يتطلب استراتيجية وطنية شاملة تجعل حماية الإنسان السوداني وصون مؤسسات الدولة أولوية لا تقبل المساومة”. من جهته يقول الخبير العسكري أمين إسماعيل مجذوب إن استهداف مواقع توليد الكهرباء والمياه والأسواق يمثل، وفق تقديره، نمطاً متكرراً في عمليات الدعم السريع الذي دائما ما يتنصل عن مسؤولية قصفها – حسب تعبيره. ورفض مجذوب تحميل الجيش السوداني مسؤولية هذه الانتهاكات، معتبراً أن الجيش مؤسسة عسكرية منظمة تختار أهدافها بدقة، وتلتزم بالقوانين واللوائح والمعايير والاتفاقيات الدولية، ولا تستهدف مناطق المدنيين. وأوضح أن قوات الدعم السريع، وفق تقديره، تفتقر إلى القيادة المركزية والقواعد المهنية والأخلاقية اللازمة للالتزام ببروتوكولات جنيف، كما أن أفرادها غير مدربين بالقدر الكافي. وأضاف أن انتهاكات الدعم السريع امتدت إلى مقار الأمم المتحدة وقوافل الإغاثة، وأشار إلى أن منظمات دولية، من بينها برنامج الغذاء العالمي ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، أعلنت تعرضها لاعتداءات، ما يستوجب محاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات. ويؤكد أن قوات الدعم السريع هاجمت منظومات إقليمية ودولية، مشيراً إلى قصف مقر بعثة يونيسفا، في كادوقلي. وأوضح أن هذه الممارسات قد تترتب عليها تداعيات مستقبلية، أبرزها توقف عمل بعض المنظومات الدولية أو تعثر أنشطتها، الأمر الذي يؤثر بصورة مباشرة على حصول المدنيين على الغذاء والمواد الطبية والاحتياجات الإنسانية المختلفة. وأضاف أن قوات الدعم السريع تسعى عند دخولها أي منطقة إلى تحييد المنظومات الإقليمية والدولية، وتنفيذ عمليات السلب والنهب، وتجنب وجود شهود موثوقين، مثل بعثات الأمم المتحدة والعاملين في المنظمات الدولية، الذين تحظى إفاداتهم باعتراف دولي. من ناحيته، قال المحامي معز حضرة إن تدمير المنشآت المدنية خلال الحرب يمثل مسؤولية قانونية يتحملها الطرف الذي يثبت تورطه في ارتكاب الفعل، معتبراً أن استهداف هذه المنشآت قد يشكل جريمة حرب مكتملة الأركان. وأوضح حضرة لسودان تربيون أن القانون الجنائي السوداني لسنة 1991، وتحديداً المادة 51 المتعلقة بإثارة الحرب ضد الدولة، يتضمن نصوصاً تجرّم تدمير المنشآت، بما فيها الجسور، باعتبارها من الأعيان المدنية، مؤكداً أن كل من يثبت تورطه في مثل هذه الأفعال يمكن أن يخضع للمساءلة الجنائية وفقاً للقانون. وأشار حضرة إلى أن استهداف المدنيين والمنشآت المدنية تحظره قواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، التي تقرر حماية المدنيين والأعيان المدنية أثناء النزاعات المسلحة. وأضاف أن ارتكاب مثل هذه الأفعال قد يشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وفقاً لطبيعة الفعل والظروف المحيطة به، مشيراً إلى أن القانون الجنائي السوداني، بما في ذلك المادتان 51 و186، إلى جانب اتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، توفر الأطر القانونية للمساءلة عن الجرائم والانتهاكات. وأوضح أن مقار البعثات الأممية تتمتع بحماية خاصة بموجب القواعد القانونية المنظمة لعمل الأمم المتحدة، وأن استهدافها من دون مسوغ قانوني قد يشكل جريمة حرب ويترتب عليه قيام المسؤولية الجنائية. وأوضح حضرة أن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة شكّل لجنة لتقصي الحقائق بشأن الانتهاكات في السودان. وقال إنه رغم رفض طرفي الحرب دخول اللجنة إلى البلاد، فإنها واصلت عملها وأصدرت عدداً من القرارات والتقارير التي تناولت مسؤولية طرفي النزاع والقوى المتحالفة معهما عن استهداف المناطق المدنية، وما قد يترتب على ذلك من جرائم حرب. وطالب حضرة مجلس الأمن الدولي بإحالة الجرائم والانتهاكات المرتكبة في السودان إلى المحكمة الجنائية الدولية، أسوة بما حدث في عامي 2003 و2004 بشأن جرائم دارفور، التي شملت اتهامات للرئيس المخلوع عمر البشير وآخرين. وأكد أن مجلس الأمن يواجه تحدياً أخلاقياً وتاريخياً يتعلق بمحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم أمام القضاء الدولي، باعتباره الجهة الرئيسية المعنية بحفظ الأمن والسلم الدوليين. ولفت إلى وجود آليات إقليمية أخرى حيث الاستعانة بها، من بينها المحكمة الجنائية الأفريقية في أروشا، إلى جانب توصيات ومطالبات الجهات الحقوقية التابعة للاتحاد الأفريقي، التي دعت الحكومة السودانية إلى السماح للجهات المختصة بإجراء التحقيقات اللازمة بشأن الانتهاكات. وشدد على أن الآليات الدولية والإقليمية تمتلك أدوات قانونية يمكن من خلالها المساهمة في حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وجرائم الحرب في السودان.
المصدر: سودان تربيون