شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

تنظيم الإنترنت في لبنان... هل يضبط الفوضى أم يعزز الاحتكار؟

تنظيم الإنترنت في لبنان... هل يضبط الفوضى أم يعزز الاحتكار؟

يواجه قطاع الإنترنت في لبنان تحديات تتجاوز بطء الخدمة وارتفاع أسعارها وضعف التغطية في عدد من المناطق، من سعي الدولة إلى تنظيم القطاع وملاحقة الشبكات غير المرخصة، واعتماد آلاف المشتركين على موزعين محليين لتأمين اتصالهم بالإنترنت.

أعلن وزير الاتصالات شارل الحاج وجود أكثر من 1800 شبكة إنترنت غير مرخصة، مشيراً إلى خطة لتفكيكها خلال 90 يوماً ونقل مشتركيها إلى مزودين مرخصين. وفي هذا السياق، أصدرت الهيئة الناظمة للاتصالات القرار رقم 4/2026 بتاريخ 5 شباط، لتنظيم عملية نقل المشتركين، مع التشديد على ضرورة استمرار الخدمة وعدم تحميل المواطنين أعباء مالية إضافية.

لكن خلف هذا التوجه التنظيمي، تبرز إشكالية تتعلق بواقع البنية التحتية في لبنان، ومدى قدرة الشركات المرخصة على الوصول إلى جميع المناطق، ولا سيما تلك التي لا تزال محرومة من خدمات الدولة.

من أين يأتي الإنترنت وكيف يصل إلى المنازل؟

يوضح ممثل إحدى كبرى شركات الإنترنت في لبنان أن الشركات العاملة في القطاع تحصل جميعها على الإنترنت من وزارة الاتصالات، ولا توجد شركة تستورد الخدمة عبر الأقمار الصناعية أو تعتمد مصدراً مستقلاً عن الوزارة. وتشتري هذه الشركات حزم الإنترنت من الدولة مقابل رسوم شهرية تختلف بحسب حجم السعات المطلوبة، وقد تصل، وفق قوله، إلى مئات آلاف الدولارات أو ملايين الدولارات.

ولا تنتهي العملية عند شراء الإنترنت، إذ تتحمل الشركات كلفة البنية التحتية والتجهيزات والشبكات والموظفين ومصاريف التشغيل اللازمة لإيصال الخدمة إلى المشتركين.

ويشرح ممثل الشركة أن مسار الخدمة يبدأ من السنترالات التابعة للدولة، ثم ينتقل إلى نقطة وجود الشركة، المعروفة اختصاراً بـ(POP)، ومنها يجري توزيع الإنترنت على الموزعين المحليين أو المستخدمين النهائيين، عبر الكابلات أو الشبكات اللاسلكية والألياف الضوئية.

ومن هنا، يرى أن الإشكالية الأساسية لا تتعلق بمصدر الإنترنت، بل بالمرحلة الأخيرة من توزيعه، في ظل غياب إطار قانوني واضح ينظم عمل الموزعين المحليين، خصوصاً في المناطق التي لم تصل إليها البنية التحتية الرسمية.

وتندرج هذه الإشكالية ضمن نقاش أوسع حول مستقبل الإنترنت والحقوق الرقمية في لبنان والمنطقة، وهو ما تناوله ملتقى "خبز ونت 2026" الذي عُقد في بيروت، إذ ركزت جلساته على واقع التحول الرقمي في المؤسسات الرسمية، والتحديات المرتبطة بحماية البيانات والأمن السيبراني وحرية التعبير، إلى جانب تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي. وقد أعادت هذه النقاشات تسليط الضوء على أهمية تطوير الأطر التنظيمية والتشريعية لمواكبة التحولات الرقمية وضمان وصول أكثر عدالة وفاعلية إلى خدمات الإنترنت.

الموزعون بين المخالفة والحاجة الفعلية

بحسب ممثل الشركة، يوجد نحو 1800 موزع محلي يعملون في مناطق مختلفة، ويوفرون الإنترنت لمشتركين لا تصل إليهم شبكات الشركات المرخصة بصورة مباشرة. ويشير إلى أن هؤلاء الموزعين يستخدمون وسائل متعددة، من بينها الكابلات والشبكات اللاسلكية وتقنيات الألياف الضوئية، لتأمين الخدمة للمنازل والمباني.

ولا ينفي ممثل الشركة وجود شبكات تعمل من دون استكمال التراخيص المطلوبة، لكنه يعتبر أن معالجة المخالفات يجب أن تأخذ في الاعتبار واقع التغطية، وألا تؤدي إلى وقف الخدمة في مناطق لا تملك فيها الدولة بديلاً جاهزاً.

ويكتسب هذا الأمر أهمية إضافية في جنوب لبنان، حيث تضررت شبكات الاتصالات والسنترالات والبنية التحتية خلال الحرب، وبقيت بعض المناطق بحاجة إلى حلول بديلة لتأمين الاتصال بالإنترنت.

ويحذر ممثل الشركة من أن وقف الموزعين قبل توفير بديل فعلي قد لا يضر بالمشتركين وحدهم، بل قد ينعكس أيضاً على الشركات الأساسية التي تبيع حزم الإنترنت، باعتبار أن هؤلاء الموزعين يشكلون جزءاً من سلسلة إيصال الخدمة إلى المستخدم النهائي.

الهوائيات وأجهزة البث فوق الأبنية

الفايبر والتراخيص... أين تكمن المشكلة؟

في المقابل، تؤكد الهيئة الناظمة للاتصالات ضرورة إخضاع القطاع للقوانين والأنظمة، معتبرة أن الشبكات غير المرخصة لا تخضع بالضرورة لمعايير الجودة والسلامة، ولا تسدد الرسوم المستحقة للخزينة وفق الأصول. وترى أن تنظيم السوق يتيح توسيع قاعدة المزودين الشرعيين، ويحمي حقوق المستهلك وإيرادات الدولة.

وكانت الهيئة قد أطلقت في 23 أيلول/ سبتمبر عملية تنظيم الاشتراكات في المناطق التي تخدمها عشرة مراكز هاتفية تابعة لأوجيرو. أما في المناطق الواقعة خارج نطاق هذه المراكز، فيوضح الدكتور هيثم سرحان، عضو إدارة الهيئة الناظمة ورئيس وحدة الإعلام وشؤون المستهلكين، أن مزودي الإنترنت المرخصين الذين يؤمنون الاتصال لهذه الشبكات يسددون الرسوم المستحقة للخزينة وفق عدد المشتركين، بهدف ضمان استمرار الخدمة وعدم تحميل المواطنين أعباء إضافية، إلى حين إيجاد مسار قانوني مناسب.

لكن ممثل الشركة يطرح في المقابل ضرورة وضع آلية واضحة وعادلة تتيح للشركات الخاصة الاستفادة من البنية التحتية الرسمية، ولا سيما شبكات الألياف الضوئية، والحصول على التراخيص وفق شروط معلنة. فالفايبر، بحسب رأيه، يمثل مستقبل القطاع، إلا أن حصر البنية التحتية بالدولة من دون توفير آلية مشاركة واضحة قد يحد من قدرة الشركات على توسيع خدماتها.

بين التنظيم والاحتكار... ماذا عن المواطن؟

لا تقتصر المخاوف على مصير الموزعين والشركات، بل تمتد إلى شكل السوق بعد تنفيذ خطة التنظيم. فانتقال المشتركين إلى مزودين مرخصين لا يكفي وحده لضمان تحسين الخدمة، ما لم يترافق مع منافسة فعلية، وشفافية في اختيار الشركات التي ستستقبل المشتركين، ورقابة على الأسعار وجودة الخدمة.

وفي هذا الإطار، تؤكد الهيئة أنها تتابع الأسعار وشكاوى المشتركين، وأن الممارسات الاحتكارية تخضع لأحكام قانون الاتصالات رقم 2002/431، ويمكن للمواطنين تقديم شكاواهم عبر البريد الإلكتروني:[email protected].

خلاصة القول

بين ضرورة تطبيق القانون وحماية حقوق الدولة، والحاجة إلى استمرار الخدمة في المناطق غير المغطاة، يبقى التحدي في ألا يتحول تنظيم القطاع إلى مجرد نقل المشتركين من شبكة إلى أخرى. فنجاح الخطة يُقاس بقدرتها على تحسين التغطية والجودة، وضمان أسعار عادلة، وإتاحة المنافسة أمام الشركات، من دون أن يجد المواطن نفسه أمام خيارات محدودة وكلفة أعلى.

فهل يكون تنظيم الإنترنت مدخلاً لبناء سوق أكثر شفافية وتنافسية، أم أن غياب البدائل والآليات الواضحة قد يحوّله إلى إعادة توزيع للسوق بين عدد محدود من الشركات؟

المصدر: النهار