لماذا تشتري قطر الغاز المسال الأميركي؟ تنويع الإمدادات وتقليل مخاطر هرمز
قد يبدو غريباً أن تشتري قطر، إحدى أكبر الدول المصدّرة للغاز الطبيعي المسال، كميات ضخمة من الولايات المتحدة، منافستها الرئيسية في هذه السوق. لكن الغاز المتعاقد عليه ليس مخصصاً للاستهلاك داخل قطر، بل لإعادة بيعه إلى عملاء في بلدان أخرى.
تريد "قطر للطاقة" توسيع قدرتها على تزويد زبائنها بغاز لا يأتي كله من منشآتها المحلية. ومع بدء الإمدادات الجديدة، ستصبح أمامها خيارات إضافية لتدبير الشحنات إذا تعطل مسار أو تغيرت ظروف السوق. وهكذا، تعزز الشركة دوراً يجمع بين إنتاج الغاز وشرائه وتسويقه عالمياً.
عقود أميركية بعيدة الأجل
في 22 تشرين الأول/أكتوبر 2026، أعلنت "شينير" الأميركية عن إبرامها اتفاقيتين لتزويد "قطر للطاقة" بأربعة ملايين طن سنوياً، موزعة بالتساوي بين مشروعي "سابين باس" و"كوربوس كريستي".
وتبدأ الإمدادات في مطلع الثلاثينيات وتستمر حتى نهاية عام 2054، فيما يبقى مليون طن سنوياً من هذه الكميات مشروطاً بقرار الاستثمار النهائي في توسعة "سابين باس". ويرتبط سعر الشراء بمؤشر الغاز الأميركي "هنري هَب"، مضافاً إليه رسم ثابت.
وفي 29 من الشهر نفسه، أعلنت "وودسايد" الأسترالية اتفاقية تنص على توريد ما يصل إلى ثلاثة ملايين طن سنوياً، لمدة عشرين عاماً، من مشروعها في لويزيانا الأميركية. وبحسب الإعلان القطري، تبدأ الإمدادات في عام 2030، بينما توضح "وودسايد" أن الكميات تتدرج مع تشغيل وحدات المشروع، وصولاً إلى الكمية الكاملة عند تشغيل الوحدة الثالثة.
تضيف هذه الترتيبات كميات تصل إلى سبعة ملايين طن سنوياً إلى مصادر الإمداد القطرية. لكنها تظل مرتبطة بمواعيد التشغيل والشروط التعاقدية، وليست شحنات متاحة اليوم.
#Quote#
هرمز يعزز أهمية تنويع المصادر
أبرزت اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز مخاطر اعتماد الصادرات القطرية على منفذ بحري واحد للوصول إلى الأسواق الخارجية. وفي مقابلة مع وكالة "رويترز"، ربط وزير الدولة لشؤون الطاقة الرئيس التنفيذي لـ"قطر للطاقة" سعد الكعبي المشتريات الجديدة بالتحوط من اضطرابات مستقبلية في المضيق، مشيراً إلى السعي إلى توقيع اتفاقيات إضافية.
بالنسبة إلى مصنع أو محطة كهرباء يعتمد تشغيلهما على الغاز، لا تكفي معرفة أن المورد يمتلك احتياطيات كبيرة؛ المهم وصول الشحنة في موعدها. لذلك، تكتسب القدرة على توفير الغاز من مواقع مختلفة قيمة تجارية، إلى جانب السعر.
وقد يتيح وجود إمدادات أميركية للشركة تلبية بعض التزاماتها بشحنات تنطلق من خارج الخليج العربي. لكن ذلك لا يضمن تعويض كل انقطاع، إذ يتوقف ذلك على الكميات المتاحة والناقلات ومواعيد التسليم وشروط العقود.
استراتيجية سبقت الحرب
لم تبدأ الاستثمارات القطرية في الغاز الأميركي مع الأزمة الحالية. في شباط/فبراير 2019، اتُّخِذ قرار الاستثمار النهائي في مشروع "غولدن باس" بولاية تكساس، الذي تمتلك "قطر للطاقة" 70% منه، في مقابل 30% لـ"إكسون موبيل".
وأُعلِن في عام 2022 أن "قطر للطاقة للتجارة" ستتولى الشراء والتسويق لـ70% من إنتاج المشروع، الذي تبلغ طاقته الاسمية نحو 18 مليون طن سنوياً. وفي نيسان/أبريل 2026، صدّر أول شحنة غاز مسال. وبذلك، توسّع الاتفاقيات الأخيرة مساراً بدأ قبل الحرب بسنوات، وإن كانت الاضطرابات قد عززت أهميته.
فرص للبيع ومخاطر على الربحية
تمنح مصادر الإمداد المتعددة الشركة مجالاً أوسع لتوزيع الشحنات بين العملاء، وفق المسافات والتوقيت والأسعار. وقد تتيح الاستفادة من فروق الأسعار بين الأسواق، بعد احتساب تكاليف النقل وبقية النفقات.
لكن شراء الغاز الأميركي لا يضمن الربح. تتأثر الجدوى بسعر الشراء، وتكلفة الشحن والتأمين والتمويل، والسعر الذي يدفعه العميل. وتتطلب العقود الطويلة التوفيق بين الكميات المشتراة والمبيعات المستقبلية، في سوق تتغير فيها مستويات الطلب والمنافسة.
يقلل تنويع المصادر الاعتماد على موقع واحد، لكنه يضيف مخاطر أخرى، منها تأخر المشاريع وتقلب الأسعار وتعطل الموانئ. لذلك، لا تعني المشتريات الجديدة أن قطر تتخلى عن دورها مصدّراً للغاز، بل أنها توسّع أعمالها لتشمل بيع إمدادات من خارج حدودها. وسيظهر نجاح هذا الرهان في قدرتها على إيصال الشحنات إلى العملاء بعائد مجدٍ، مع استمرار إنتاجها المحلي أساساً رئيسياً لنشاطها.


المصدر: النهار