عُمان أكبر من صورة عابرة
صالح بن سعيد الحمداني هناك أوطان نحبها وهناك وطن يسكن في أعماقنا حتى يصبح جزءًا من وجداننا وذاكرتنا وهويتنا، وعُمان الوطن الأم هي أول الأوطان التي لا تُختصر في حدود جغرافية أو اسم يتردد في المحافل، وإنما هي حكاية تاريخ، وإرث حضاري، وقيم راسخة، وشعب حمل عبر القرون رسالة من المحبة والسلام والكرامة. ومن هذا الحب العميق لعُمان تأتي الغيرة عليها؛ غيرة المحب الذي يحرص على أن يبقى اسم وطنه حاضرًا في المكان الذي يليق به، وأن تُذكر رموزه في سياقات تعكس قيمتها ومكانتها، وأن تظل صورتها كما عرفها التاريخ مشرقة، متزنة، كريمة، وقريبة من الإنسان. نحن العُمانيين نعتز بأنَّ اسم عُمان ارتبط عبر التاريخ بالكثير من المعاني الجميلة، فمنذ عصور بعيدة، كانت هذه الأرض نواة خير امتدت آثارها إلى ما وراء حدودها، وحمل أبناؤها رسائل التواصل والتجارة والمعرفة والدين، وتركوا بصماتهم في مناطق متعددة من العالم، وحين ركب العُمانيون البحر، لم يحملوا معهم بضائعهم وحدها؛ حملوا أخلاقهم، وقيمهم، وصورتهم عن الإنسان الذي يمكن أن يبني جسورًا بين الشعوب، لذا يؤلم العُماني أن يرى اسم وطنه أو أحد رموزه حاضرًا في مناسبة أو موقف لا ينسجم مع مكانته، أو في صورة لا تعبر عن حقيقة عُمان وما تمثله، فالمسألة بالنسبة للعُماني أعمق من مجرد اسم عابر أو صورة عابرة؛ إنها مسألة احترام لوطن له مكانته، ولرموز ارتبطت في وجدان شعبه بتاريخ طويل من العطاء والمجد. عُمان التي نعرفها ونحبها ستظل صورة مشرقة على خارطة العالم ونواة للمحبة والسلام، مهما قيل عنها، ومهما حاول البعض أن يضع السم في العسل أو يصنع صورة لا تشبه حقيقتها، فالتاريخ أصدق من العابرين، والحقائق أرسخ من الحملات العابرة، ومن أراد أن يسبر عُمان حقًا، فليقترب من شعبها، وليقرأ تاريخها، وليتأمل ما صنعه أبناؤها عبر الأجيال، سيجد شعبًا طيبًا، هادئًا، كريمًا، يفتح قلبه لمن يأتيه بالمحبة، ويبادل الود بالود، والتقدير بالتقدير، وسيجد في الوقت ذاته شعبًا صلبًا حين يتعلق الأمر بوطنه، عزيز النفس، شامخ الإرادة، لا يخشى في الحق لومة لائم، ولا يتردد في تقديم روحه فداءً لأرض أحبها وعاش من أجلها، فالعُماني قد يبدو هادئًا في ملامحه، قريبًا في تعامله، لينًا في حديثه، غير أن وراء هذا الهدوء إرثًا من الشجاعة والقوة، فهو صقر في سمائه، وحارس في جباله وصحاريه، ابن أرضٍ علّمته الطبيعة الصلبة أن ينحت من الصخر أمجادًا، وأن يحافظ على إرث تركه له أجداد عرفوا معنى التضحية، وأدركوا قيمة الأرض والإنسان والكرامة، لقد ركب الأجداد البحار في زمن كانت فيه المحيطات طريقًا للمغامرة والمجهول، ووصلوا إلى آفاق بعيدة، يحملون معهم الإسلام وقيمه، ويقدمون نموذجًا للتعامل القائم على الأخلاق وحسن المعاملة، تركوا أثرًا في الأماكن التي وصلوا إليها، وصنعوا لأنفسهم ولبلادهم حضورًا لا يحتاج إلى ضجيج حتى يثبت وجوده. وعندما نغار على عُمان فنحن لا نغار خوفًا عليها من العالم، وإنما نغار عليها حبًا في صورتها التي نعرفها، واحترامًا لتاريخها، ووفاءً لأجداد صنعوا لها مكانة تستحق أن تُصان، ولقابوس السلام الذي نثر عبقه في أرجاء المعمورة، وعهدًا بالوفاء لهيثم المجدد للنهضة، ولكل رمز من رموز عُمان، نحن نُريد لعُمان أن تُذكر حيث يليق بها وأن تُرى كما هي؛ أرضًا للسلام، وموطنًا للكرامة، وشعبًا يجمع بين الطيبة والشجاعة، وبين الهدوء والقوة، وبين الأصالة والانفتاح. ومن أحب عُمان سيجد قلوب أهلها مفتوحة للمحبة والود والتقدير، ومن أراد أن يعرف حقيقتها، فليقرأ تاريخها بعيدًا عن الضجيج، وليقترب من إنسانها، وليستمع إلى صوت جبالها وبحارها وصحاريها، وهي أرض طيبة لا تنبت ألا الطيب، ومن طاب أصله طاب فعله، فلا يثمر الغصن إلا من طيب الجذور، ومن يزرها سيكتشف أن عُمان أكبر من صورة عابرة، وأعمق من حديث عابر، وأرسخ من محاولة عابرة. عُمان وطنٌ نحبه، ونعتز به، ونغار عليه، وطنٌ كتب أجدادنا بعض فصول مجده فوق أمواج البحر، وسطروا بعضها الآخر على صخور الجبال ورمال الصحاري، وطنٌ ستبقى صورته مشرقة وسيبقى شعبه وفيًا له، يحمل إرث الأجداد ويصون مكانة الأرض، ويؤمن أن المحبة قوة، وأن السلام موقف، وأن الكرامة إرث لا يُفرّط فيه، فتلك هي عُمان التي نعرفها، عُمان التي نحبها، وعُمان التي نغار عليها وبإذن الله ستبقى هكذا شامخة كشموخ سمحان والجبل الأخضر عالية تُعانق الثُريا.
المصدر: الرؤية