شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

أمريكا تنقلب على مراكز البيانات.. هل تبحث استثمارات الذكاء الاصطناعي عن وجهات جديدة؟

أمريكا تنقلب على مراكز البيانات.. هل تبحث استثمارات الذكاء الاصطناعي عن وجهات جديدة؟

من صناديق الاقتراع إلى لجان الكونغرس، تدخل شركات التكنولوجيا الأمريكية مرحلة من عدم اليقين السياسي، بعدما تحولت مراكز ‏البيانات التي راهنت عليها إدارة دونالد ترامب لضمان تفوق الولايات المتحدة في الذكاء الاصطناعي إلى عنوان للاحتجاج الشعبي، ‏وملف مرشح لإعادة النظر في علاقة واشنطن بمليارديرات وادي السيليكون.‏‏ ولم يعد السؤال مقتصراً على قدرة الشركات على بناء منشآت جديدة، بل امتد إلى احتمال نقل جزء من استثماراتها المقبلة إلى دول ‏توفر الكهرباء والأراضي والتصاريح بشروط أكثر ملاءمة‎.‎ففي انتخابات التجديد النصفي في الثالث من نوفمبر 2026، لم يقتصر تقدم الديمقراطيين على انتزاع السيطرة على مجلسي النواب ‏والشيوخ؛ إذ شهدت مدن ومقاطعات اقتراعاً واسعاً ضد التوسع في مراكز البيانات. ‏وذكرت «نيويورك تايمز»، في تقرير لسيسيليا كانغ وصوفيا جون، أن 40 استفتاءً محلياً من أصل 41 اتجهت إلى تقييد هذه ‏المنشآت أو رفض تسهيلات إنشائها. ووفقاً لبيانات «بالوتبيديا»، جاءت نتائج 46 من 47 مبادرة حُسمت خلال العام لمصلحة تشديد ‏القيود، بما فيها استفتاءات سبقت الانتخابات‎.‎ولا تعني هذه الأرقام فرض حظر اتحادي؛ فالقرارات تتراوح بين الوقف المؤقت وتعديل استخدام الأراضي والموافقة الشعبية على ‏المشروعات. لكنها تكشف تغيراً في المزاج الانتخابي: ما كان يُسوّق بوصفه انتصاراً استثمارياً أصبح لدى قطاعات من الناخبين ‏مصدراً للقلق بشأن أسعار الكهرباء، واستهلاك المياه، والإعفاءات الضريبية، وضعف الوظائف الدائمة مقارنة بتكاليف البنية ‏التحتية‎.‎أزمة حساسةتجسدت هذه النقلة في تكساس، إحدى أهم وجهات استثمارات الحوسبة، حيث فازت الديمقراطية جينا هينوخوسا بمنصب الحاكم ‏بعدما تعهدت بوقف الموافقات الجديدة مؤقتاً حتى إقرار ضمانات لحماية السكان والموارد. وفاز جيمس تالاريكو بمقعد مجلس الشيوخ ‏عن الولاية، متعهداً بإعادة النظر في الإعفاءات وإلزام المطورين بتحمل تكاليف الطاقة.‏‏ وفي أوهايو، استعاد شيرود براون مقعداً في مجلس الشيوخ بعد حملة انتقدت امتيازات القطاع، مستندة إلى تقديرات انتخابية ‏بإعفاءات قيمتها 2.5 مليار دولار لـ226 مركز بيانات‎.‎وتظهر حساسية الأزمة في تكساس تحديداً؛ فقد تجاوزت طلبات ربط المشروعات الجديدة بشبكتها 474 غيغاواط بحلول أغسطس، ‏وفق بيانات «إركوت»، أي أكثر من خمسة أضعاف ذروة الطلب التاريخية. ‏ولا يمثل الرقم استهلاكاً فعلياً أو مشروعات مؤكدة التنفيذ، لكنه يوضح اتساع الفجوة بين خطط المستثمرين وقدرات الشبكات. وحتى ‏الحاكم الجمهوري السابق غريغ أبوت كان قد فرض مراجعات على توصيل المنشآت بالكهرباء، في دليل على أن الاعتراضات تتجاوز ‏الانقسام الحزبي‎.‎مكاسب سياسيةنقلت «نيويورك تايمز» عن بلير ليفين، رئيس تحليل السياسات في «أوبتيمال أدفايزري»، أن الانتخابات بعثت برسالة إلى ‏المسؤولين المحليين مفادها أن منع المراكز أو تأخيرها أو زيادة تكلفتها قد يحقق مكاسب سياسية. ‏ووصف آدم كوفاسيفيتش، رئيس «تشامبر أوف بروغرس» الممثلة لقطاع التكنولوجيا، ما حدث بأنه انقلاب بمقدار 180 درجة في ‏ميزان القوة لمصلحة المجتمعات المحلية‎.‎وليست اعتراضات السكان بلا أساس اقتصادي، وإن كان تحميل المراكز مسؤولية كل زيادة في أسعار الكهرباء مبالغة. فتوسيع ‏الشبكات ومحطات التوليد والتبريد يفرض تكاليف حقيقية، تتفاوت طريقة توزيعها بين الشركات والمستهلكين. وتتوقع وكالة الطاقة ‏الدولية ارتفاع استهلاك مراكز البيانات عالمياً من نحو 485 تيراواط/ساعة في 2025 إلى 950 تيراواط/ساعة بحلول 2030. ‏وتختلف آثار المياه والطاقة تبعاً لتصميم المنشآت ومواقعها، لكن نقطة الخلاف الأساسية هي: من يتحمل التكلفة، ومن يحصل على ‏العائد؟وتضع النتائج أحد أهم رهانات ترامب الاقتصادية أمام اختبار مباشر. فقد أعلن مع «أوبن إيه آي» و«أوراكل» و«سوفت بنك» ‏مشروع «ستارغيت» باستثمارات مستهدفة تصل إلى 500 مليار دولار خلال أربع سنوات، ثم اتخذ إجراءات لتسريع التصاريح ‏وتيسير بناء البنية التحتية. وراهن على تحرير الصناعة من القيود باعتبار ذلك ضرورة للمنافسة مع الصين، قبل أن يلجأ إلى ‏تعهدات طوعية من الشركات بشأن أسعار الكهرباء وسلامة الأنظمة‎.‎ويعكس هذا النهج تفاهمات واسعة بين البيت الأبيض ورؤساء شركات التكنولوجيا حول أولوية النمو السريع، لكنه لا يلغي الخلاف ‏بشأن الأعباء التي يتحملها المستهلك. فمنشأة الحوسبة التي تعد بتوفير آلاف الوظائف أثناء الإنشاء قد تحتاج بعد التشغيل إلى قوة ‏عاملة دائمة أصغر بكثير، بينما تستمر في استخدام الكهرباء والمياه والبنية التحتية. لهذا تحول النقاش عن قيمة الاستثمار المعلنة ‏إلى حساب التكلفة والعائد على مستوى كل مجتمع محلي، وأصبحت لجان المرافق والسلطات البلدية أطرافاً مؤثرة في تقرير مصير ‏مشروعات تتجاوز قيمتها أحياناً موازنات المدن التي تستضيفها‎.‎رقابة ومساءلةالأغلبية الديمقراطية الجديدة تتجه إلى استبدال الاكتفاء بالتعهدات بمزيد من الرقابة والمساءلة. وقال داريل ويست، الباحث ‏في «بروكينغز»، لـ«نيويورك تايمز»، إن المرحلة المقبلة قد تشهد «تسونامي من القواعد الجديدة والرقابة». ويستعد مشرعون، ‏بينهم حكيم جيفريز وكوري بوكر، لفحص علاقات شركات التكنولوجيا بإدارة ترامب، والحوافز الممنوحة لها، ومدى وجود تضارب ‏في المصالح. وذهب السيناتور إد ماركي إلى السخرية من كثافة أوامر الاستدعاء المرتقبة، متحدثاً عن الحاجة إلى غابات جديدة ‏لطباعة أوراقها‎.‎ولا يقتصر التدقيق المتوقع على منشآت الحوسبة. فالملفات تشمل سلامة نماذج الذكاء الاصطناعي، وحقوق العاملين والناشرين، ‏وحماية الأطفال، وصفقات الاندماج، وضوابط تصدير الرقائق المتقدمة إلى الصين. كما جددت إليزابيث وارن مطالبها بمساءلة جنسن ‏هوانغ، الرئيس التنفيذي لـ«إنفيديا»، بشأن علاقات تجارية وامتثال الشركة لقيود التصدير. وتظل الاتهامات المتداولة بشأن تلك ‏العلاقات موضوعاً للتحقيق والردود المتعارضة، لا مخالفات مثبتة‎.‎وتعيد هذه الملفات فتح النقاش حول النفوذ السياسي للمليارديرات. فقد أنفق إيلون ماسك مبالغ ضخمة لدعم مرشحين جمهوريين، ‏لكن التمويل لم يمنع انتصارات ديمقراطية في تكساس. وتواجه الشركات الآن احتمال فحص العقود الحكومية والإعفاءات الضريبية ‏والموافقات التنظيمية على نحو أشد. ومع ذلك، فإن التحقيق في العلاقات السياسية لا يعني ثبوت صفقات غير مشروعة، كما أن ‏الديمقراطيين ليسوا موحدين ضد القطاع، إذ تستفيد ولايات ونقابات من مشروعاته‎.‎وتمثل هذه الرقابة اختباراً جديداً لعلاقة الإدارة الجمهورية بالشركات التي ساهم كبار مسؤوليها أو مستثمريها في دعم سياساتها. ‏فالمشرعون يستطيعون فتح ملفات لم تكن تخضع لفحص مكثف خلال السيطرة الجمهورية على الكونغرس، لكنهم لا يملكون تحويل ‏كل استدعاء إلى إدانة. وتبقى للمؤسسات القضائية والتنظيمية صلاحيات مستقلة، كما أن فتح تحقيق حول صفقة اندماج أو تصدير ‏رقائق لا يعني إبطال الترخيص أو الاتفاق السابق تلقائياً. المعركة الأرجح ستكون طويلة، وتجمع بين جلسات الاستماع، والضغط ‏الإعلامي، والقرارات المحلية، والتفاوض مع الشركات‎.‎مشروعات جديدةوهنا تبرز المخاطرة الأهم للمستثمرين؛ تحول القيود المحلية إلى سبب لإعادة رسم خريطة مراكز البيانات عالمياً. فقد أشارت ‏رويترز، في تغطيتها لنتائج تكساس، إلى أن عدم اليقين قد يدفع المطورين إلى نقل استثمارات مقررة إلى ولايات أمريكية أخرى أو ‏إلى دول أجنبية. والأدق هنا الحديث عن تحويل وجهات المشروعات الجديدة أو تأجيلها، لا عن تفكيك مراكز قائمة وشحنها خارج ‏البلاد، ولا توجد أدلة على موجة نزوح جماعية تحققت بالفعل‎.‎ويصبح هذا السيناريو أكثر واقعية إذا اجتمعت ثلاثة عوامل: ارتفاع تكلفة الكهرباء والبنية التحتية، وطول انتظار التصاريح، وتزايد ‏الضرائب والالتزامات المحلية. عندها قد تعيد الشركات المقارنة بين إنشاء مركز جديد في تكساس أو أوهايو وبين الاستثمار في ‏أسواق أخرى تتوافر فيها طاقة مستقرة، وأراضٍ، وحوافز تمويلية، واتصال رقمي متقدم. وقد تطرح بعض دول الخليج، وكندا، ‏ومراكز أوروبية أو آسيوية نفسها ضمن خيارات الدراسة، من دون أن يعني ذلك أن هذه الوجهات خالية من القيود أو أنها استقطبت ‏فعلاً المشروعات المتعثرة‎.‎وعلى المستثمر الذي يفكر في تحويل خططه أن يوازن بين وفرة الطاقة وسعرها من جهة، وقرب مراكز البيانات من المستخدمين ‏والأسواق من جهة أخرى. فبعض الخدمات تتطلب استجابة سريعة لا تسمح بإبعاد المعالجة آلاف الكيلومترات، كما أن نقل البيانات ‏عبر الحدود يرتبط بقواعد الخصوصية والعقود الحكومية.‏مرونة جغرافية‏ ويمكن لمشروعات تدريب النماذج الضخمة أن تتمتع بمرونة جغرافية أكبر من خدمات تتطلب معالجة فورية أو تخضع لاشتراطات ‏سيادية. لذا فإن إعادة التوزيع المحتملة لن تشمل جميع أنواع مراكز البيانات بالدرجة نفسها، وقد تبدأ بالمشروعات التي لم تدخل ‏مرحلة الإنشاء، لا بالمنشآت القائمة‎.‎بل إن أوروبا نفسها تواجه اعتراضات على استهلاك المياه والكهرباء؛ وأشارت «الغارديان» إلى تحركات احتجاجية مرتقبة في عدة ‏دول. كما رصدت تقارير عقارية متخصصة تحول توسع مراكز البيانات نحو أسواق جديدة نتيجة اختناقات الطاقة في المراكز ‏الأوروبية التقليدية. وبالتالي قد لا يكون الانتقال إلى الخارج هروباً من التنظيم بقدر ما هو بحث عن مزيج أكثر قابلية للتنبؤ من ‏الأسعار والطاقة والتراخيص. وتظل اعتبارات السيادة على البيانات والأمن القومي وضوابط تصدير الرقائق عوائق مهمة أمام نقل ‏أحمال الحوسبة الحساسة‎.‎ومن زاوية الأمن القومي، تبرز مفارقة قد تضع إدارة ترامب أمام خيار صعب. فكلما حاولت واشنطن حماية ريادتها عبر بناء القدرات ‏داخل البلاد، قد تدفع القيود الأمريكية بعض المطورين إلى التفكير في توسيع استثماراتهم خارجها. لكن السماح بانتقال قدرات ‏الحوسبة والرقائق المتقدمة إلى دول أخرى يخضع لمعادلات أمنية وتنظيمية، ولا يساوي بالضرورة انتقال التكنولوجيا الحساسة ‏بحرية. وبذلك قد يفضي تشدد محلي شديد إلى خسارة استثمارات محتملة، فيما يحول التشدد الاتحادي في التصدير دون الاستفادة ‏الكاملة من الأسواق البديلة. وهي معضلة لا تحلها الإعفاءات الضريبية وحدها‎.‎قدرات حوسبيةاقتصادياً، قد يخفف تباطؤ الإنشاءات ضغط الطلب على الطاقة والمواد والعمالة، وهو ما أشار إليه برنارد ياروس، كبير الاقتصاديين ‏الأمريكيين في «أكسفورد إيكونوميكس»، معتبراً أن مساراً أكثر اعتدالاً للذكاء الاصطناعي قد لا يكون سيئاً للاحتياطي الفيدرالي. ‏لكنه قد يخفض كذلك الإنفاق والاستثمار ويؤخر بناء قدرات حوسبية جديدة، بينما يرفع كلفة دخول الشركات الصغيرة ويعزز أفضلية ‏أصحاب المنشآت القائمة‎.‎أما سياسياً، فلن يتمكن الديمقراطيون من إعادة كتابة المشهد وحدهم. فالكونغرس الجديد يبدأ أعماله في يناير 2027، بينما يبقى ‏ترامب رئيساً حتى يناير 2029، محتفظاً بحق النقض وأدوات السلطة التنفيذية. ومن ثم قد تتقدم القيود على مستوى الولايات ‏والبلديات أسرع من التشريع الاتحادي، فيما تتحول لجان الكونغرس إلى ساحات استجواب ومراجعة للعلاقة بين الدولة والشركات‎.‎لم يصوت الأمريكيون بالضرورة ضد الذكاء الاصطناعي، ولم تكن مراكز البيانات وحدها سبب نتيجة الانتخابات. لكنهم وضعوا حداً ‏لفكرة أن الإعلان عن استثمارات بمليارات الدولارات يكفي لانتزاع الموافقة الاجتماعية. وبين ضغط الناخبين ورغبة ترامب في ‏الحفاظ على التفوق أمام الصين، يقف المستثمر أمام سؤال جديد: هل يقبل تكلفة أعلى وقواعد أكثر صرامة داخل الولايات المتحدة، أم ‏يوجه استثماراته التالية إلى الخارج؟ الإجابة لم تُحسم، لكن مجرد دخول هذا الخيار في الحسابات يمثل تحولاً في موازين القوة بين ‏واشنطن ووادي السيليكون‎.‎

المصدر: البيان