شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

متى تنصف الأمم المتحدة الشعب الصحراوي؟

متى تنصف الأمم المتحدة الشعب الصحراوي؟

يرتقب بنهاية الشهر الجاري أن يعقد مجلس الأمن الدولي اجتماعه السنوي المخصص لملف الصحراء الغربية ومناقشة تطورات بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء (المينورسو)، غير أن تعثر الأطروحة المغربية الأمريكية للحكم الذاتي المرفوض تضع المجلس في مأزق حقيقي، لأن قراره سابق غير قابل للتنزيل عمليّا وفق كل المؤشرات، حسب تقارير مسؤولي الهيئة الأممية والأمريكيين أنفسهم، أم سيتخلى عنه لصالح تكريس تقرير المصير الاختياري للصحراويين؟ لا يخفى على أي مراقب أن الأمم المتحدة، بعد مسؤولية الدولة الإسبانية التاريخية، تتحمل قانونيا وسياسيّا وأخلاقيّا تعطيل تسوية القضية الصحراوية منذ أكثر من نصف قرن، بفعل التحيز لصالح الاحتلال المغربي والتماطل في تنفيذ آليات تصفية الاستعمار وفق لائحة البند السابع. الوضعُ القانوني الأصلي للصحراء الغربية هي أنها إقليمٌ محتلّ من طرف المغرب، يتمسك شعبُها الحرّ بممارسة حقه في تقرير المصير، علما أن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية قد فصل عام 1975 بأنه “لا تثبت أي علاقة للسيادة الإقليمية بين إقليم الصحراء الغربية والمملكة المغربية”. ولم تجد المحكمة الدوليّة في منطوقها “روابط قانونية قد تؤثر على تطبيق قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة (رقم 1514) في إنهاء استعمار الصحراء الغربية، وعلى وجه الخصوص، مبدأ تقرير المصير من خلال التعبير الحرّ والصّادق عن إرادة شعوب الإقليم”. مع هذه الشرعية الواضحة تمامًا في عدالة القضية الصحراوية، فإنّ الهيئة الأممية ظلت متحيِّزة ومتقاعسة عن إنصاف الصحراويين في بناء دولتهم المستقلة، بفعل المؤامرة الإسبانية في عهد الديكتاتور فرانسيسكو فرانكو، ثم التأثير الأمريكي الفرنسي والدعم الصهيوني داخل مجلس الأمن. عندما نعود 35 سنة إلى الوراء، لمراجعة مخطط السلام برعاية الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي 1991، حيث جرى الاتفاق على وقف إطلاق النار بين الطرفين، مقابل تنظيم استفتاء لتقرير المصير بين الاستقلال أو الانضمام إلى المغرب، سنجد أن تدخُّل مجلس الأمن، تحت غطاء خطة التسوية، جاء فقط لإنهاء الحرب عن المملكة المتهالكة عسكريَّا، وحفظ ماء وجهها من الهزيمة والاستسلام. ذلك أن القرار المذكور لم يطبَّق منه فعليًّا منذ ذلك التاريخ سوى بند وقف إطلاق النار، بينما جرى تشكيلُ بعثة “المينورسو” للتكفُّل بتنظيم الاستفتاء في المنطقة المتنازع عليها، ثم التمديد لها في كل سنة، لكنها لم تفعل شيئًا إلى غاية اليوم، بفعل العراقيل المغربية وحلفاء الاستعمار الدوليين. لقد ظلّت قرارات مجلس الأمن تتدحرج تدريجيًّا منذ مطلع الألفية الثانية نحو الانزلاق القانوني ومحاولات تمييع مبدأ تقرير المصير الثابت في القانون الدولي، بالمراهنة على تجديد مهام “المينورصو” إلى إشعار غير مسمّى، ربحًا للوقت الضائع، وتحيّنًا لفرصة مواتية لفرض الأمر الواقع على الصحراويين، اغتنامًا لاختلال قاعدة موازين القوى. في غضون ذلك، تأرجحت مداولات مجلس الأمن بين النص على الاستفتاء، ثم “الحل الثالث” أو “اتفاق الإطار” كما اصطلح عليه، ولاحقا طالعتنا المقترحات الأممية بالدعوة إلى تقديم التسوية على تقرير المصير، حتى وصلنا خريف 2025 إلى نهاية المناورة بمحاولة السَّعي الأمريكي نحو فرض “الحكم الذاتي” تحت غطاء الحلّ السِّياسي للقضية الصحراوية. لكن تلك الخطوة الأمريكيّة (الصُّهيونية من وراء الستار) زيادة على كونها باطلة وفق مقتضيات القانون الدولي والنظام الأممي ولوائح الاتحاد الإفريقي، فإنها طرحت حلاًّ فاشلاً من البداية وغير ممكن في قضية الصحراء الغربية، باعتبارها مسألة عادلة لا تقبل القسمة على اثنين، ولا بديل في التسوية القانونية عن خروج الاستعمار من إقليم يحتله بالقوة، رافضًا الاحتكام إلى إرادة سكّانه الأصليين، لأنه واثقٌ من تمسُّكهم المطلق بنيل الاستقلال الكامل. وبعد سنة كاملة من الجولات التفاوضية ومحاولات الضغط النفسي على الصحراويين وأنصار القضية، بتسويق المخزن وحلفائه لانتصارات دبلوماسية وهمية، ها هو المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا، يواجه الجميع بالحقيقة الواقعيّة، مؤكدا أن “مستقبل الصحراء الغربية لا يمكن أن يُحسم بعيدا عن إرادة الشعب الصحراوي، ولا يمكن أن يختزل في مقترح سياسي مطروح على طاولة المفاوضات، باعتباره حلا جاهزا، قبل ضمان حق الصحراويين في تقرير مصيرهم بحرية”. تلك هي الخلاصة التي رفعها دي ميستورا إلى مجلس الأمن الدولي خلال إحاطته في 8 أكتوبر الجاري، أين عرض فشل المفاوضات، واستحالة فرض الحكم الذاتي، مقابل ضرورة إبقاء حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره في صلب أي تسوية سياسية. ومن جهتها، حذرت “مجموعة الأزمات الدولية” من أن محاولات الولايات المتحدة فرض “مقترح الحكم الذاتي المغربي”، باعتباره أساسيًّا وحيدًا لتسوية النزاع في الصحراء الغربية، أو تجاوز جبهة البوليساريو والبحث عن أطراف صحراوية بديلة. ونبهت المجموعة في تقرير إلى أن ذلك سيؤدي إلى تعميق الأزمة وتقويض فرص التوصل إلى حل سياسي مستدام، مؤكدة أن “تسوية نزاع تجاوز خمسة عقود تتطلب الحفاظ على إطار تفاوضي مفتوح واحترام تعقيداته السياسية، بدلًا من ممارسة ضغوط تستهدف انتزاع تنازلات سريعة”. وقبلهما، كان كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، قد أعلنها مدوية بأن “بلاده لا ترى، في الوقت الراهن، حلا وشيكا لنزاع الصحراء الغربية”، موضحا أن “واشنطن لا تزال تنتظر من جبهة البوليساريو تقديم ملاحظاتها ومقترحاتها بشأن ما يسمى بخطة الحكم الذاتي”. هذه المؤشرات الميدانية تبدد أحلام المخزن في سراب المناورات السياسيّة التي جرّه إليها الأمريكيون، نيابة عن الصهاينة، مقابل انغماسه الكامل في وحل التطبيع. يبقى الآن على مجلس الأمن إعادة حساباته تجاه الملف الصحراوي، في اتجاه يكرس الإنصاف والحق في الاستقلال، احترامًا لالتزاماته الدولية في إحقاق السلم والاستقرار في المرتبة الأولى، وثانيًا لأجل الحفاظ على علاقات القوى النافذة داخل الهيئة مع الأطراف الإقليميّة المؤثرة.

المصدر: الشروق