القروض السعودية لسوريا.. هل تتحول إلى رافعة للتعافي الاقتصادي؟
يرى الخبير والباحث الاقتصادي والمصرفي الدكتور علي محمد، في حديثه لـ«الوطن»، أن التعاون الاقتصادي الجديد بين السعودية وسوريا يمثل انتقالاً من إطار التعاون السياسي ووضع أسس لمذكرات تفاهم استثمارية إلى التعاون في الشق المالي، وإن جاء بصيغة قروض، ما يعني الانتقال إلى تعاون مباشر بين المؤسسات السورية والمؤسسات السعودية. ويشير إلى أن أهمية هذه القروض التنموية لا ترتبط بالرقم المعلن الذي يتجاوز 403 ملايين دولار بحد ذاته، بقدر ما ترتبط بتوزيعها على مجموعة المشاريع والقطاعات التي جرى الإعلان عنها، سواء الكهرباء والصحة والطاقة والتحول الرقمي والدفاع المدني وغيرها. أهمية شروط القروض التنموية ويؤكد محمد أن هناك ثلاثة جوانب أساسية ينبغي التركيز عليها عند تقييم هذه القروض، أولها كيفية السداد، ولاسيما أن بعض المعلومات المتداولة تحدثت عن مدة سداد تبلغ عشرين عاماً، بينها فترة سماح مدتها خمس سنوات، وهو أمر جيد بالنظر إلى طبيعة المشاريع الممولة. أما الجانب الثاني فيتعلق بقدرة هذه المبالغ والقروض التي ستُخصص لهذه المشاريع على تحقيق إيرادات، والجانب الثالث يرتبط بمدى مساهمتها في دعم مسار التعافي الاقتصادي. وفي توضيحه لطبيعة القروض التنموية، يبين أن القرض التنموي الميسر يختلف عن المنحة وعن القرض التجاري، فالمنحة عبارة عن مبلغ غير مسترد، بينما القرض، سواء كان تجارياً أم ميسراً، واجب السداد، لكن الفرق الأساس يكمن في تكلفة خدمة القرض ففي القروض التجارية تكون تكلفة الخدمة، والمتمثلة ببساطة في سعر الفائدة تكون أعلى، كما تكون آجال السداد متوسطة أو قصيرة إلى حد ما، وربما لا تتضمن فترات سماح. أما القرض الميسر، فتكون شروطه أقل ضغطاً على المقترض، وقد يكون معدل الفائدة فيه صفرياً أو بمعدل بسيط. ويوضح محمد أنه لا تتوافر حالياً معلومات عن معدل الفائدة الخاص بهذه القروض، كما أن فترة السماح قد تكون قصيرة جداً أو تمتد فترات معقولة. خمس سنوات سماح وعشرون عاماً للسداد ويشدد الخبير على أهمية التعامل بدقة مع المعلومات المتعلقة بمدة القرض وفترة السماح، موضحاً أن ما جرى تداوله بشأن عشرين عاماً للسداد وخمس سنوات للسماح ورد في تصريحات أو تسريبات، ولم تُنشر بعد التفاصيل الكاملة لهذه الشروط. ويضيف أن وجود فترة سماح مدتها خمس سنوات، في حال تأكيدها، يمثل أمراً مهماً، إذ إن السنوات الخمس الأولى ستكون الفترة التي يجري خلالها ضخ الأموال في القطاعات المستهدفة وبدء تشغيل المشاريع، من دون سداد أقساط أصل هذا الدين أو القرض. أما طول مدة السداد، فيرى أنه عامل مهم أيضاً، لأن إطالة الأجل تخفض قيمة القسط، وبالتالي تقلل الضغط على الموازنة العامة للدولة ونتيجة لذلك، ستكون أمام الحكومة مساحة مناورة وحركة أكبر لتوجيه الموارد المتاحة والإيرادات التي تحققها نحو أولويات اقتصادية محددة، من دون تحميل الخزينة العامة ضغوطاً كبيرة في الأجل القصير، ولاسيما أن السداد يبدأ بعد خمس سنوات وفق المدة المتداولة. ويشير إلى أن الدولة تحصل بهذه القروض على مبالغ لتمويل مشاريع ذات طبيعة رأسمالية، مثل الكهرباء وغيرها، ثم تسددها على مدى عشرين عاماً، وهو ما يتيح الاستفادة من هذه المشاريع قبل بدء تحمل أعباء السداد. الكهرباء والصحة والدفاع المدني.. أثر يتجاوز الخدمات وفي قراءته لتوزيع القروض على الاتفاقيات الست، يرى محمد أن تخصيص التمويل لقطاعات متعددة يكتسب أهمية خاصة، ولاسيما ما يتعلق بتطوير الكهرباء والقطاع الصحي. ففي قطاع الكهرباء، خُصص مبلغ 90 مليون دولار لإعادة تأهيل محطة حلب الحرارية، وهو ما قد يشمل صيانة المحطة وإصلاحها، وتأهيل العنفات والمضخات فيها، وشبكات ربطها بالشبكة العامة ويشير إلى أن ذلك سينعكس على استفادة المواطنين من التغذية الكهربائية واستقرارها، علماً أن عدد المستفيدين المقدّر من المشروع يبلغ نحو خمسة ملايين نسمة. ولا تقتصر أهمية المشروع، وفق محمد، على استفادة المواطنين، بل تشمل أيضاً المنشآت الصناعية والإنتاجية، إذ إن توريد الكهرباء من المحطة إلى بعض هذه المنشآت أمر مهم، ويمكن أن يسهم في تخفيض تكاليف تشغيلها، ولاسيما المنشآت التي تعتمد على المولدات الخارجية، ما يؤدي إلى تقليل تكلفة الإنتاج وتعزيز القدرة التنافسية للمنتجات، وتحسين قدرة المنشآت على العمل وتوفير فرص العمل. أما القطاع الصحي، فيؤكد أنه قطاع مهم لا تقتصر أهميته على التداوي والعلاجات، بل تمتد إلى دوره الاقتصادي من خلال توفير بيئة صحية آمنة. وفيما يتعلق بمبلغ 105 ملايين دولار المخصص للدفاع المدني، يوضح أن المشروع يتضمن إنشاء 25 مركزاً، وتبرز أهميته في الأعمال المرتبطة بمهام الدفاع المدني، ومنها إزالة الأنقاض وفتح الطرقات، ما يسهم في ترميم المناطق المتضررة وإعادة ربط المناطق بعضها ببعض، وتسهيل حركة التجارة عموماً، سواء في انتقال المنتجات من أماكن الإنتاج إلى أماكن الاستهلاك وغيرها، فضلاً عن الحد من المخاطر المرتبطة بهذه العمليات. إعادة تأهيل المساكن ودعم الاستقرار المجتمعي وبالنسبة إلى مبلغ 60 مليون دولار المخصص لإعادة تأهيل 10 آلاف وحدة سكنية، يلفت محمد إلى أن وصف المشروع بإعادة التأهيل يعني أن هذه المساكن تحتاج إلى ترميمات معينة، موضحاً أن تخصيص 60 مليون دولار لعشرة آلاف وحدة يعني أن حصة الوحدة الواحدة تبلغ نحو ستة آلاف دولار. ويرى أن هذا المبلغ قد يكون كافياً لترميم منزل بمساحة 100 متر مربع، لكنه لا يكفي لإعادة بناء منزل بمساحة 700 متر مربع، وقد يقتصر على ترميم الأساسيات فيه. ويربط الخبير بين هذه المشاريع وأثرها المحتمل في الاستقرار المجتمعي، موضحاً أن الجمع بين الاستثمار في قطاع المياه لإدارة الموارد والحد من الهدر، وتطوير الخدمات الصحية والكهربائية، إلى جانب إعادة تأهيل المساكن، قد يسهم في زيادة الاستقرار المجتمعي وعودة المتضررين إلى مناطقهم، وربما يتقاطع ذلك مع رؤية سوريا بلا مخيمات. من أين ستأتي أموال سداد القروض؟ وفيما يتعلق بالجهة التي ستتحمل تكلفة السداد ومصادرها، يشير محمد إلى أن تكلفة خدمة القرض، أي سعر الفائدة، غير معروفة حتى الآن، لكن السداد سيأتي بالتأكيد من عدة مصادر. ويتمثل المصدر الأول في الإيرادات العامة للدولة، بما فيها الضرائب والرسوم وغيرها، إلى جانب الإيرادات التي قد تنتج عن تشغيل المحطات والمشاريع الممولة وقد تكون لبعض هذه المشاريع موازنات مستقلة تؤمّن إيرادات خاصة بها، وعلى الرغم من أن هذه الإيرادات ستؤول إلى الموازنة العامة للدولة، فإنه قد يجري حجزها في مكان أو في حسابات معينة لتسديد أصل القرض وخدمته. ويقدر محمد أن السداد سيمتد، وفق المدة المتداولة، إلى خمسة عشر عاماً بعد انتهاء فترة السماح البالغة خمس سنوات، إذا كانت مدة العشرين عاماً تشمل فترة السماح وباحتساب أصل الدين على هذه المدة، يقدر أن يبلغ القسط نحو 26 مليون دولار سنوياً.
المصدر: الوطن