ستون عاماً على لغز المرأتين عند برغمان
سنة مرّت على فيلم إنغمار برغمان «برسونا» (Persona)، وما زال يثير النقاشات والكتابات ويستقطب اهتمام الباحثين والمؤرخين. وعُرض الفيلم في مهرجانات سينمائية عدّة منذ إنتاجه عام 1966، ولا يزال يحظى بالاهتمام بعد مرور نحو 19 عاماً على رحيل مخرجه. إلى ما سبق، هناك عمل بريطاني للمخرج بنديكت أندروز، بعنوان «إلكترا/برسونا»، شاركت في بطولته الممثلتان كيت بلانشيت ونينا هوس. وقد عُرض على خشبة المسرح الوطني في لندن بين أغسطس (آب) وأكتوبر (تشرين الأول) الماضيين، وصُوّر أيضاً للعرض على الشاشة. ويجمع بين مسرحية «إلكترا» لسوفوكليس وفيلم برغمان، ولذلك لا يُعدّ إعادة إنتاج سينمائية مباشرة له. هناك أسباب كثيرة للاهتمام بهذا الفيلم. فهو مُدرج في قوائم النقاد إما على أنه أفضل فيلم حقّقه برغمان، أو أحد أفضل أعماله. ولم يأتِ هذا التقدير من فراغ، بل لأن «برسونا» (القناع) شكّل بداية مرحلة جديدة لبرغمان، اتّسمت بمزيد من التوغّل في أعماق النفس البشرية، كما في أفلام لاحقة له، مثل «ساعة الذئب» (Hour of the Wolf، 1968)، و«العار» (Shame، 1968)، و«اللمسة» (The Touch، 1971). كان إنغمار برغمان أحد أكثر المخرجين العالميين توغّلاً في أعماق شخصياته، ينتقل بين جوانبها من دون فواصل تقليدية أو سياق سردي تمهيدي. وعندما يقطع مشهداً ليبدأ آخر، يصعب التكهّن بالتسلسل بينهما. وعندما تتحرّك الكاميرا لتعكس صورة في المرآة أو تنتقل بين الذكريات والأزمنة، فإنّ ما يحدث لا يقتصر على صورة منعكسة، وإنما هو انتقال كامل إلى جانب آخر من الشخصية، يتطلّب تفسيراً لحل لغز لا يقلّ تعقيداً عن لغز المشهد السابق أو اللاحق. كان «برسونا» أحد أفلام المخرج السويدي إنغمار برغمان، ومن أعماله التي تعاون فيها مع مدير التصوير سفين نيكفيست. وهو من أصعب أفلام المخرج تحليلاً، إذ يعمل على مستويات عدّة. هناك مستوى العلاقة الوجدانية بين بطلتيه: الممثلة إليزابيت (ليف أولمان)، التي توقّفت عن الكلام، والممرّضة ألما (بيبي أندرسون)، التي تعتني بها. وهناك مستوى آخر يتمثّل في اختيار المخرج ما يريد التعبير عنه والطريقة التي يُعبّر بها، والتي تثير أحياناً حيرة المتلقّي حيال ما يراه. لكنها حيرة محسوبة، لا في إطار التركيبة الفنية للفيلم فحسب، وإنما أيضاً في التركيبة النفسية لشخصياته. لذلك، لا يتحوّل الفيلم إلى متاهة أو مجموعة أسئلة يعجز المشاهد عن الإجابة عنها، ولو بمزيد من التركيز. «برسونا» فيلم شعري بنبرة تجريبية خاصة، من دون التخلّي عن الدراسة النفسية التي ميّزت عدداً من أفلام برغمان. الفيلم آسر، ومشبَع باختيارات المخرج في توجيه الأداء. فلا يُسمح لبطلتيه، ولا للعدد القليل من الممثلين الذين يؤدّون أدواراً صغيرة، بالخروج عن التفاصيل التي يحدّدها. والارتجال ممنوع، كما اعتاد في أفلامه الأولى، حتى الثمانينات، عندما بدأ يمنح ممثليه قدراً من الحرّية. تبدأ القصة بصورة لآلة عرض سينمائي، تليها لقطات من فيلم رسوم متحرّكة وآخر كوميدي صامت، يظهر فيه شخص يهرب من الأشباح بالاختباء تحت شرشف سريره. وتتبع ذلك لقطات لعنكبوت وأشجار في فصل الخريف وحاجز من الأسلاك الشائكة والثلج، ثم صبيّ على سرير أبيض، يبدو نائماً أو ميتاً، وامرأة عجوز. يرنّ هاتف، وتفتح المرأة عينيها، بينما يتقلّب الصبيّ في سريره. ومع ظهور الصبيّ، يبدأ الفيلم بالانتقال تدريجياً من تتابع اللقطات المتفرّقة إلى صلب حكايته. تتلقّى الممرّضة ألما (بيبي أندرسون) تعليمات بالاعتناء بالممثلة إليزابيت فوغلر (ليف أولمان)، التي توقّفت تماماً عن الكلام خلال أدائها مشهداً من مسرحية «إلكترا». يدور جزء من الفيلم في المستشفى، حيث نتابع حال الممثلة والممرّضة التي تحاول مساعدتها. وتتداخل في هذه المرحلة مشاهد وتفاصيل لا تتّضح دلالاتها منذ البداية. تشاهد إليزابيت على التلفزيون صوراً من حرب فيتنام، بينها مشهد إحراق راهب بوذي نفسه احتجاجاً على الحرب. لا تتكلّم، لكن ردّ فعلها يكشف تأثّرها بما تراه. وتؤكد المشاهد التي تجمع المرأتين في المستشفى اختلاف شخصيتيهما، تمهيداً لاستكشاف العلاقة النفسية المعقّدة التي ستنشأ بينهما لاحقاً. بعد ذلك، وبناءً على اقتراح طبيبة المستشفى، تنتقل ألما بالممثلة الصامتة إلى منزل صغير على البحر، أملاً في أن يساعد تغيير الأجواء على تهدئة إليزابيت وتجاوز الحالة النفسية الغامضة التي تمرّ بها. وفي هذا المنزل المطلّ مباشرة على البحر، يمارس برغمان لعبته القائمة على الغموض وتقديم مَشاهد عصيّة على الفهم في البداية، أو عند مُشاهدة الفيلم للمرة الأولى. تحاول ألما إقناع إليزابيت بالكلام، لكنّ الممثلة تواصل صمتها. ولا تنطق بكلمة «لا شيء» إلا في مشهد متأخر من الفيلم، عندما تطلب منها ألما ترديدها. الفيلم، من هنا، يدور حول امرأتين تدخل كلّ منهما عالم الأخرى، بموازاة عالمها الخاص. ويمهّد لذلك حوار تلقيه الطبيبة أمام إليزابيت، قبل انتقالها إلى المنزل البحري، تتناول فيه الحلم المستحيل بأن يكون الإنسان على حقيقته، لا أن يبدو كذلك فحسب، والفجوة بين صورته أمام الآخرين وحقيقته أمام نفسه. يفسّر هذا الحوار وضع إليزابيت، لكنه يتوغّل أيضاً في أزمة الازدواجية التي تتجاوز هاتين الشخصيتين لتقترب من شخصياتنا نحن، إذ يختلف تصرّفنا عندما نكون وحدنا عن تصرّفنا أمام الآخرين. إنه وضع مصطنع يمنحنا شعوراً بالراحة، ويتصل كذلك بالهوية الذاتية ومواجهتها. ومع توالي اعترافات ألما وكشف جوانب من حياة إليزابيت، وانتقال المخرج بين الحقيقة والذاكرة من دون فواصل أو ترتيب سردي تقليدي، تتبلور حالة إليزابيت، فإذا بصمتها وسيلة للامتناع عن الكذب، أو هكذا تفسّره الطبيبة. أما ألما، التي تتحدّث كثيراً، فتصل إلى حالة نفسية تهدّد قدرتها على التمييز بين ذاتها وذات الممثلة. إنه فيلم عن امرأتين تبدوان مختلفتين، لكن العلاقة بينهما تكشف تدريجياً أوجه التشابه والتداخل، إلى حدّ يصعب معه الفصل بينهما. وعلى أكثر من صعيد، لم تعد الممرّضة مجرد أداة للمساعدة، إذ أصبحت تعيش أزمة نفسية خاصة بها. ويتّضح ذلك خصوصاً عندما تقرأ رسالة كتبتها إليزابيت إلى الطبيبة، تتحدّث فيها عن رغبتها في مواصلة العيش في الصمت والعزلة، وتكشف أنها كانت تراقب ألما وتدرس شخصيتها. عندها تدرك الممرّضة أن اعترافاتها تحوّلت إلى مادة تتأملها الممثلة، فتتصدّع الثقة بينهما.
المصدر: الشرق الأوسط