اللغز الأكبر في السياسة الإسرائيلية... أي طريق سيتبع آيزنكوت؟
في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إسرائيلياً وإقليمياً، ودولياً بدرجة ما، نحو تل أبيب لمعرفة الطريق السياسي الذي سيختاره غادي آيزنكوت، في المنصب المأمول كرئيس الحكومة الإسرائيلية القادم، يؤكد المحيطون بالرجل أنه يحتفظ بأوراقه في صدره حتى الآن، بينما يركز على «تشكيل حكومة قوية قادرة على وقف التدهور الكبير في أوضاع إسرائيل الداخلية». والجنرال آيزنكوت (66 عاماً) القادم من رئاسة أركان الجيش الإسرائيلي يبدو مهموماً حسب تصريحاته وإفادات مؤيديه بوقف التدهور في سمعة إسرائيل دولياً، وأوروبياً بشكل خاص، وبدرجة أكبر وأهم في الولايات المتحدة التي أظهرت نتائج انتخابات التجديد النصفي فيها أن علاقتها بتل أبيب كانت عامل خصم من رصيد المترشحين. يعرف آيزنكوت بوضوح أن الغرب الأوروبي ينتظر منه تخليص إسرائيل والعالم من رئيس الوزراء الحالي، بنيامين نتنياهو، وأكثر من نصف الإسرائيليين عبروا عن ذلك انتخابياً، ويريدون إنهاء ذلك العهد؛ ولذا فإنه يضع أولاً على رأس أجندته تشكيل حكومة أقلية تستبدل الحكومة الحالية بأسرع وقت ممكن. ويدرك آيزنكوت كذلك أن نتنياهو يعمل بكل قوته للبقاء رئيساً للحكومة بأي ثمن؛ فهو يشكك في نتائج الانتخابات، ويطالب بإلغائها، ويحاول إفقاد آيزنكوت الشرعية، لأنه حظي بتوصية 67 نائباً يرشحونه لتشكيل الحكومة، ويوحي نتنياهو بأنه لن يتردد في استخدام وسائل عنف حتى يمنع تشكيل حكومة من دونه، وهذا هو التحدي الأكبر الذي يخوضه آيزنكوت. ولذلك يؤجل أي حديث عن سياسة الحكومة القادمة التي يسعى لتشكيلها، ويكتفي مؤقتاً بمواقف ضبابية في كل المواضيع تقريباً. في القضايا الملحة، التي يعرف آيزنكوت أنه سيضطر للتعامل مع الإدارة الأميركية بشأنها، يتخذ مواقفه على النحو التالي: كان معروفاً عن آيزنكوت أنه يتبنى موقفاً سياسياً واضحاً، قبل هجوم «حماس» المباغت في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023؛ وكان يؤيد «حل الدولتين» وإن بصيغة مواربة تدعو إلى «الانفصال عن الفلسطينيين، وضمان أن تعيش إسرائيل في نطاق حدود تكون فيها ذات أكثرية يهودية كبيرة». وصيغة الانفصال عن الفلسطينيين تستخدم في إسرائيل لدى الفريق الذي يرى أن الحل هو دولتان للشعبين، لكنهم يخجلون أو يخافون من استخدام الكلمات. ويعتقد ذلك الفريق أن تأييد إقامة دولة فلسطينية بعد «7 أكتوبر» يعني منح «حماس» جائزة بأن «إسرائيل لا تفهم سوى لغة القوة وأنها -أي (حماس)- هي التي جلبت للشعب الفلسطيني دولة». وعندما يُسأل هؤلاء عن سبب حرب الإبادة البشعة والدمار الهائل التي اتبعتها إسرائيل في غزة، والضفة الغربية، يردون بأن «على الفلسطينيين أن يفهموا بأن (حماس) جلبت عليهم نكبة ثانية، وأنه لا توجد حرب ناجحة ضد إسرائيل، وأن من يتجرأ على مهاجمة إسرائيل يدفع ثمناً باهظاً أقله خسارة البيت، والأرض». قلائل جداً في إسرائيل من يجرؤون على الاعتراف بالحقيقة التاريخية القائلة بأن ما يحتاجه شعبها هو إعادة نظر في السياسة التقليدية المبنية على تخليد الاحتلال، والابتعاد عن السلام. وآيزنكوت أيضاً لا يجرؤ، مع أنه يعرف الحقيقة. قبيل الانتخابات سئل عن ذلك وإن كان يرفض فكرة الدولة الفلسطينية مع أن الولايات المتحدة وافقت عليها، فاختار الصيغة التالية للرد: «أنا لا أوافق على إقامة دولة فلسطينية. ولكنني سأتعاطى بشكل إيجابي مع خطة النقاط العشرين التي بادر إليها الرئيس ترمب، ووافق عليها نتنياهو». آيزنكوت يعرف أن الرئيس ترمب يريد أن يقوم في إسرائيل تحالف بين نتنياهو وآيزنكوت، يقيم حكومة قوية قادرة على اتخاذ قرارات صعبة، خصوصاً في تطبيق خطته للسلام في الشرق الأوسط. وسيحاول آيزنكوت أن يحل هذه المعضلة مع ترمب بأنه سيطبق هذه الخطة بالتدريج، وجنباً إلى جنب مع ذلك سيوسع الحكومة. لا يخفي آيزنكوت تأييده خطط الجيش الإسرائيلي والموساد لمواصلة ضرب إيران حتى إسقاط نظامها، وهو يشكك في إمكانية التوصل إلى اتفاق جيد ومجدٍ بين إيران والولايات المتحدة؛ لكنه يريد ألا تُنفذ إسرائيل أي عملية من دون التنسيق مع الولايات المتحدة ولا يؤيد فكرة فرض الأجندة الإسرائيلية. وينقل متابعون للرجل في وسائل إعلام عبرية أنه «ينصت جيداً إلى الأصوات القادمة من أميركا، وتتهم إسرائيل بجر الرئيس ترمب إلى الحرب، ويعرف أن هذا الاتهام جلب لإسرائيل أضراراً فادحة في الولايات المتحدة». يرتبط اسم آيزنكوت كقائد عسكري بما يسمى بـ«عقيدة الضاحية» أي (الضاحية الجنوبية لبيروت) التي تدعو إلى «سحق الأعداء بقوة غير متناسبة»، والتي تعتبر أساساً لفكرة إبادة غزة؛ لكنه لا يؤمن أيضاً بالحرب المفتوحة إلى الأبد. فهو يوجه ضربة قاصمة، ويحاول استثمار الوضع سياسياً، ولذلك فهو ربما يؤيد اتفاقاً مع لبنان بعيد المدى، وقد يذهب إلى اتفاق مع سوريا على النمط نفسه. يؤيد آيزنكوت بحماس العمل على توسيع اتفاقيات إبراهيم، مع علمه أن هذا يتطلب تسوية الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، وهو يعتقد أنه قادر على التقدم فيها، ويؤمن بأن خطاباً سياسياً معتدلاً، بلا غطرسة نتنياهو وأمثاله، قادر على فتح الطريق أمام تفاهمات مع دول عربية. يضع آيزنكوت قضية مكانة إسرائيل الدولية في مرتبة متقدمة، في القضايا الخارجية، والفريق الذي عمل إلى جانبه لوضع خطة الـ100 يوم الأولى في حكمه وضعت هذه القضية في الأولويات، من خلال عدة زيارات للغرب، تبدأ بواشنطن. وهو يؤمن بأن دول الغرب ستعطيه فترة تجربة بلا ضغوط حتى يتمكن من تثبيت حكمه. يعتقد خبراء يعرفون آيزنكوت من فترة خدمته العسكرية، التي استمرت حتى العام 2019، أنه يتمتع بمؤهلات تجعل الإسرائيليين ينتظرون، ويدعمون توجهاته، فهو بحسب تساحي دابوش، الذي أعد مسلسلاً عن شخصية رئيس الأركان السابق في إذاعة الجيش، أن «آيزنكوت السياسي مثل آيزنكوت الجنرال. يفكر خارج الدوائر السياسية التقليدية». ويضيف: «تشكّل خلفيته المتواضعة وتضحيات عائلته تبايناً صارخاً مع العقود التي أمضاها نتنياهو في المناصب العليا، وقضايا الفساد التي تلاحقه، والتي لا تزال معلقة؛ فآيزنكوت مختلف في أخلاقياته، وسُلّم أولوياته، ومعادلاته الحسابية. والأمر الجوهري أنه يضع فعلاً مصلحة الدولة فوق مصلحته الشخصية». ومع ذلك فهناك تحديات؛ فآيزنكوت يحتاج إلى صد مخططات نتنياهو، وعبور حواجز النار التي أشعلها اليمين المتطرف. ومنذ التيقن من نمو فرص آيزنكوت لرئاسة الحكومة، لم ينقطع مؤيدوه عن الحديث بشأن صفاته الأخلاقية المغايرة لنتنياهو، وكيف أنه لا تهمه الشعبوية، وينشغل أكثر بسماع رأي المستشارين، لكنه كثيراً ما يفاجئ الجميع باتخاذ قرار سريع، ومفاجئ، ومختلف. ولا تبدو المسافة بعيدة حتى يتم تقييم صفاته السابقة في مختبر رئاسة الوزراء، لكن تظل هذه الحسابات وآمال المؤيدين غير واقعية إذا لم يفلح في كف يدي نتنياهو عن الحفر تحته.
المصدر: الشرق الأوسط