ميلانيا ترامب تجمع موسكو وكييف على طاولة واحدة..الدبلوماسية من بوابة الإنسانية؟
في تطور لافت على خط الحرب الروسية الأوكرانية، برزت السيدة الأميركية الأولى ميلانيا ترامب بدور وساطة ساهم في التوصل إلى هدنة محلية أتاحت إجلاء مئات المدنيين من مدينة أولشكي المحاصرة، وسط إشادة روسية وأوكرانية بدورها. Advertisement بعد نحو خمس سنوات من الحرب، وجدت روسيا وأوكرانيا نفسيهما أمام نقطة اتفاق نادرة، تمثّلت في التعاون مع ميلانيا ترامب، بعدما برزت السيدة الأميركية الأولى كوسيط غير تقليدي في ملف إنساني، نجحت من خلاله في انتزاع هدنة محلية بين الطرفين. وبحسب تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، ساهمت ميلانيا في التوصل إلى وقف لإطلاق النار استمر ستة أيام في مدينة أولشكي الأوكرانية، الواقعة في منطقة خيرسون والخاضعة للاحتلال الروسي، ما أتاح إجلاء مئات المدنيين الذين كانوا يواجهون ظروفاً إنسانية قاسية ونقصاً حاداً في الغذاء والرعاية الطبية. وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من كونها هدنة إنسانية محدودة، جاءت نتيجة تحرك دبلوماسي غير تقليدي قادته زوجة الرئيس الأميركي التي لا تتولى منصباً رسمياً في السياسة الخارجية، كما أنها نادراً ما تتدخل علناً في الملفات الدولية. وترى الصحيفة أن هذا الدور شكّل تحولاً لافتاً في حضورها العام، بعدما سعت خلال الفترة الماضية إلى تكريس صورتها كشخصية معنية بالقضايا الإنسانية، ولا سيما ملف إعادة الأطفال الأوكرانيين من روسيا إلى عائلاتهم. وساطة امتدت لأسابيع وتشير «نيويورك تايمز» إلى أن الدور الفعلي لميلانيا في المفاوضات ظل محاطاً بالغموض، إلا أن مسؤولين روساً وأوكرانيين أكدوا أنها وفريقها، ومن بينهم ممثلها مارك بيكمان، أجروا اتصالات مكثفة مع الجانبين على مدى أسابيع، وكانوا عنصراً أساسياً في التوصل إلى الاتفاق. وكانت كييف قد أطلقت مناشدات متكررة لإيصال المساعدات الإنسانية إلى أولشكي وتنظيم إجلاء سكانها، وطلبت تدخل جهات دولية، بينها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، قبل أن تدخل ميلانيا على خط الاتصالات. وتلفت الصحيفة إلى أن موسكو وكييف وجدتا مصلحة مشتركة في التعاون معها، إذ أتاح الاتفاق احتواء جانب من الكارثة الإنسانية في المدينة، وفي الوقت نفسه منح الطرفين فرصة لإظهار تعاونهما أمام الإدارة الأميركية، في ظل سعي كل منهما إلى كسب ود الرئيس ترامب والتأثير في موقف واشنطن من الحرب. ولم يقتصر الأمر على تنفيذ الاتفاق، بل حرص المسؤولون الروس والأوكرانيون على الإشادة علناً بدور السيدة الأولى. فقد أكد مفوض حقوق الإنسان الأوكراني دميترو لوبينيتس أن العملية ما كانت لتنجح لولا ميلانيا وفريقها، فيما وصفت نظيرته الروسية يانا لانتراتوفا دورها بأنه شكّل نوعاً من الضمان للاتفاقات المشتركة، مشيرة إلى أن الاتصالات الهاتفية كانت منتظمة وأن تفاصيل الهدنة، وصولاً إلى آلية تحرك الحافلات، خضعت للتفاوض والتنسيق. كما وجّه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ومتحدثون باسمه الشكر إلى ميلانيا على جهودها، فيما منحها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وسام «الأميرة أولغا» من الدرجة الأولى، تقديراً لدورها الإنساني. واشنطن ضامنة للهدنة وتوضح الصحيفة أن العقبة الأساسية أمام تنفيذ العملية كانت ضمان التزام الطرفين بوقف إطلاق النار، وسط انعدام الثقة المتبادل. وفي هذا الإطار، اقترح لوبينيتس أن يرافق نظيرته الروسية إلى الأراضي المحتلة، ليكون أول مسؤول أوكراني يشارك معها في مهمة ميدانية من هذا النوع منذ بدء الحرب، بما يوفر ضمانة إضافية لالتزام كييف بالاتفاق. وقد لقي الاقتراح قبولاً أميركياً، في وقت كانت ميلانيا تتلقى إحاطات يومية بشأن تطورات الاتصالات. ووقّع المسؤولان وثيقتين منفصلتين، إحداهما باللغة الأوكرانية والأخرى بالروسية، تضمنتَا شروط الهدنة المؤقتة، فيما تولت واشنطن دور الضامن. ودخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 27 تشرين الأول، واستمر ستة أيام، وخلاله تابع ممثلو الطرفين الالتزام بالهدنة عبر اجتماعات افتراضية، قبل الانتقال إلى إزالة الألغام وتأمين الممرات اللازمة لتنفيذ عملية الإجلاء وإدخال المساعدات. وفي موازاة ذلك، لم تكن ميلانيا الطرف الوحيد الذي سعى إلى تخفيف الأزمة، إذ حاول البابا لاوون الرابع عشر الدفع نحو هدنة، من خلال اتصالات مع بوتين والرئيس الأوكراني. إلا أن المسؤول الأوكراني لوبينيتس أوضح أن الجهود الأساسية كانت قد قطعت شوطاً كبيراً قبل تلك الاتصالات، وأن العملية كانت قد وصلت إلى مراحلها النهائية. هدنة إنسانية لا تعني نهاية الحرب ورغم النجاح الذي حققته العملية، تحذر «نيويورك تايمز» من اعتبارها مؤشراً إلى تقدم فعلي نحو تسوية سياسية شاملة. فقد شدد الكرملين على أن الاتفاق اقتصر على الجانب الإنساني، ولا توجد خطط فورية لتنفيذ عمليات إجلاء مماثلة في مدن أخرى، فيما أشار الجانب الأوكراني إلى أن الهدنة لم تتضمن أي تفاهمات سياسية تتعلق بإنهاء الحرب. وتزامنت هذه التطورات مع تصعيد روسي على جبهات عدة، ولا سيما استهداف منشآت الطاقة الأوكرانية، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء في مدن رئيسية، بينها العاصمة كييف، وسط مخاوف من أن يكون الشتاء المقبل من الأصعب منذ بداية الحرب. كما شهد جنوب أوكرانيا هجوماً روسياً بقنبلة انزلاقية على مدرسة تُستخدم مركزاً إنسانياً، ما أسفر، وفق ما أوردته الصحيفة، عن سقوط 42 قتيلاً وفقدان 30 شخصاً، في واحدة من أكثر الضربات دموية التي طاولت المدنيين منذ اندلاع الحرب. وفي هذا السياق، أكد لوبينيتس أن اتفاق أولشكي كان محصوراً بالمسار الإنساني، ولم يتضمن أي تفاهمات بشأن خطوات سياسية أو تسوية أوسع للنزاع. وتشير الصحيفة إلى أن الأزمة في المدينة بدأت تتصاعد منذ شباط الماضي، مع تزايد المناشدات لإجلاء السكان أو تأمين الغذاء والمساعدات الطبية لهم، لكن العملية لم تبدأ تأخذ مساراً عملياً إلا بعد انضمام ميلانيا وفريقها إلى الاتصالات. اختبار محدود للدبلوماسية وتأتي هذه الوساطة في وقت تستعد فيه واشنطن لاستئناف مسار منفصل من المحادثات التي تجمع روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة في الإمارات العربية المتحدة، في أول لقاء ثلاثي من نوعه منذ شباط، وفق ما أورده التقرير. ويرى محللون أن تجربة أولشكي تمثل حالة نادرة تلاقت فيها مصالح الأطراف المتنازعة، لكنها لا تعني بالضرورة إمكانية تكرار النجاح نفسه في المفاوضات الكبرى المتعلقة بمستقبل الحرب. ونقلت الصحيفة عن ميكولا بيليسكوف، المحلل السياسي في منظمة «Come Back Alive» الداعمة للجيش الأوكراني، قوله إن ما جرى في أولشكي شكّل حالة نادرة تلاقت فيها مصالح الجميع، معتبراً أن نقل هذا النموذج إلى الإطار الأوسع للمفاوضات سيكون أمراً صعباً. وبذلك، تكون ميلانيا ترامب قد نجحت في فتح قناة تواصل إنسانية مباشرة بين موسكو وكييف، مستفيدة من موقعها داخل الدائرة الرئاسية الأميركية، إلا أن حدود هذا الإنجاز لا تزال واضحة: هدنة محلية سمحت بإنقاذ مدنيين، من دون أن تنجح حتى الآن في تغيير مسار الحرب أو تقريب الطرفين من اتفاق سياسي ينهيها.
المصدر: لبنان 24