«خسرنا لأننا أصبنا».. حرب التبريرات تشتعل بين الجمهوريون على أعتاب 2028
فانس يُحمّل الحرب المسؤولية وغرين تتهم الرئيس وديسانتيس يُقيم المشهدبعد منتصف الليل بخمس دقائق، وفيما كانت النتائج تتوالى من الولايات معلنة أكبر هزيمة يُمنى بها حزب في انتخابات نصفية منذ نصف قرن، كتب جويل بولاك، أحد أبرز محرري موقع «بريتبارت نيوز» المحافظ، تغريدة قصيرة بدت كأنها بيان دفاع مبكر عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وحزبه. قال فيها إن "ترامب انتُخب ليفعل أشياء صعبة سياسياً لكنها ضرورية؛ تأمين الحدود وذلك أمر قبيح، ومحاربة إيران وتلك مهمة مكلفة، ومواجهة جماعات المصالح التي تُغضب المانحين، ودعم الذكاء الاصطناعي الذي يخيف الناس". وختم: "الجمهوريون دفعوا الثمن الليلة، أما الفوائد فستبقى لأجيال".حصدت التغريدة مئات الآلاف من المشاهدات، وشاركها الرئيس الأمريكي على حسابه في "تروث سوشيال" وتحولت إلى ما يشبه البيان الأول لإحدى الروايات المتنافسة على تفسير ما جرى. غير أن قيمتها الحقيقية تكمن في مفارقة لم يقصدها كاتبها. فبولاك، وهو يدافع عن قرارات الإدارة، يُقرّ ضمناً بما يقوله أشد خصومها وهو أن الحرب على إيران وحملات الترحيل وتبني صناعة الذكاء الاصطناعي هي تحديداً ما أسقط الجمهوريين. والخلاف بينه وبين منتقديه لا يدور حول أسباب الهزيمة، فهذه باتت شبه محسومة، وإنما حول الحكم عليها؛ فهل كانت ثمناً يستحق الدفع، أم خطأً كان يمكن تجنبه؟ثمن مستحقهذا السؤال تحديداً هو ما يشق الحزب الجمهوري اليوم؛ فبحسب وكالة «بلومبرغ»، أطلق الانهيار الذي وصفته بـ«التاريخي» في انتخابات التجديد النصفي موجة من تبادل الاتهامات، وجّهت في معظمها نحو المكتب البيضاوي، وكشفت تصدعات عميقة داخل الحزب، وفتحت الباب أمام الطامحين إلى انتخابات 2028 لصياغة رسائلهم. فالهزيمة واحدة، لكن رواياتها متعددة، وكل رواية منها ليست مجرد قراءة للماضي، وإنما بطاقة ترشح للمستقبل. فمن ينجح في تفسير الهزيمة بطريقة تُقنع القاعدة الجمهورية، يملك مفتاحاً أساسياً لقيادة الحزب في مرحلة ما بعد ترامب.وتقف في صدارة هذه الروايات تلك التي يتبناها الرئيس نفسه، وتلتقي فيها مع تغريدة بولاك: "رواية الثمن المستحق". فترامب لم ينكر أثر الحرب على النتائج، وأقرّ في مقابلة مع صحيفة «وول ستريت جورنال» بأن إيران «كانت جزءاً» من الهزيمة، ثم قال لشبكة «سي إن إن» إن ربط الحرب بخسارة حزبه «صحيح إلى حد كبير». لكنه رفض في الوقت ذاته أي ندم على القرار. وقال إنه كان يعرف أن الحرب ستؤثر على الانتخابات، مضيفاً أنه سواء أثرت على النتائج أم لا، فلا يمكن السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي. وذهب أبعد من ذلك حين أكد أنه لو أتيحت له فرصة اتخاذ القرار مجدداً لاتخذ القرار نفسه.وتقوم هذه الرواية على منطق يعرفه التاريخ السياسي الأمريكي جيداً؛ فالزعيم الحقيقي يفعل ما يلزم، لا ما يرضي الناخبين في لحظة بعينها. وهي رواية تمنح ترامب ميزة واضحة، إذ تحوّل الهزيمة من دليل على الفشل إلى دليل على الشجاعة، وتنقل الحكم على قراراته من صناديق الاقتراع إلى كتب التاريخ. لكنها تحمل أيضاً عبئاً ثقيلاً على من سيرث الحزب، إذ تطالبه بالدفاع عن قرارات كلّفت الجمهوريين مجلسي الكونغرس، أمام ناخبين أعلنوا رفضهم لها بوضوح.الحرب هي السببوهنا تحديداً تنفصل الرواية الثانية عن الأولى، على لسان أقرب الناس إلى الرئيس. فبعد ساعات من إعلان النتائج، نشر نائب الرئيس جي دي فانس منشوراً مطولاً على منصات التواصل الاجتماعي، افتتحه بجملة قاطعة: «الحرب هي السبب في خسارتنا». ولم يكتف فانس بالتشخيص، فقد حمّل الهزيمة، بحسب «بلومبرغ»، للحرب وتكاليف المعيشة والعلاقة مع إسرائيل، معتبراً أن الصراع كلّف حزبه مجلس الشيوخ لست سنوات على الأقل. وأضاف أن المشكلة الأساسية أن كثيرين ممن صوّتوا لترامب وفانس في انتخابات 2024، صوّتوا للديمقراطيين في 2026.وحرص فانس على أن يستند في تشخيصه إلى الرئيس نفسه، فكتب أن ترامب قال ذلك بنفسه في الليلة السابقة. لكن هذا الحرص لم يخفِ جوهر الموقف. فنائب الرئيس، الذي يُعدّ المرشح المفترض للحزب في انتخابات 2028، ينأى بنفسه علناً عن أبرز قرارات رئيسه، في لحظة لا يزال فيها الرئيس يدافع عن ذلك القرار ويرفض الندم عليه. وهو ما وصفته «بلومبرغ» بأنه ابتعاد عن ترامب وعن الحرب معاً، فيما رأت فيه «فوكس نيوز» تشريحاً لاذعاً للحرب يضع مواجهة محتملة على زعامة الحزب في 2028 تحت الضوء.فانس والمَخرج الذكيولا يبدو موقف فانس مفاجئاً لمن تابع مسيرته. فالرجل بنى صعوده السياسي على خطاب ناقد للحروب الخارجية، وقدّم نفسه طويلاً صوتاً لجيل من المحافظين الذين يرون في التدخلات العسكرية الأمريكية خطأً متكرراً. وكان ترامب نفسه قد أشار في مارس الماضي إلى أن نائبه كان «أقل حماسة» لدخول الحرب. غير أن المفارقة أن فانس ظل خلال الأشهر الماضية أحد أبرز المدافعين عن سياسات الإدارة، وذهب في سبتمبر إلى حد رفض وصف المواجهة مع إيران بأنها حرب. فبين «لن أسميها حرباً» و«السبب في خسارتنا هو الحرب» مسافة شهرين فقط، وانتخابات خاسرة.وتمنح رواية فانس صاحبها مخرجاً ذكياً من مأزق الهزيمة. فهي تحصر الخسارة في قرار واحد بعينه، وتُبقي على بقية الإرث الترامبي سليماً، من سياسات الهجرة إلى الحرب التجارية. أي أنها تتيح لفانس أن يكون وريث ترامب ونقيضه في آن واحد: يرث قاعدته الانتخابية وخطابه الشعبوي، ويتبرأ من القرار الذي أفقد الحزب الكونغرس. لكن هذا المخرج محفوف بالمخاطر، إذ قد تقرأه القاعدة الموالية لترامب خيانة في لحظة ضعف، فيما قد يراه خصوم فانس محاولة متأخرة للقفز من سفينة كان أحد ربانها.ترامب هو السببالرواية الثالثة تذهب مباشرة إلى صاحب القرار؛ فقد اختار جمهوريون بارزون أن يوجهوا أصابع الاتهام إلى ترامب نفسه، معتبرين أن النتائج تستدعي مراجعة أوسع داخل الحزب. وكانت مارجوري تايلور غرين، النائبة السابقة التي غادرت الكونغرس مطلع العام بعد خلاف حاد مع الرئيس، الأكثر صراحة في هذا الاتجاه. فقد رأت أن الانتخابات كانت «استفتاءً كاملاً على دونالد ترامب»، متحدثة عن «خيانته» لوعوده، حين تعهد بألا تكون هناك حروب خارجية جديدة وبإحلال السلام في العالم، وعن عدم الإفراج عن ملفات إبستين.وتكتسب كلمات غرين وزناً خاصاً لأنها لا تأتي من خارج الحركة الترامبية، فالنائبة السابقة كانت لسنوات من أشد المدافعين عن الرئيس، وأحد أبرز وجوه تيار «أمريكا أولاً» في الكونغرس. وروايتها تقوم على أن ترامب لم يخسر لأنه نفّذ أجندته، كما يقول بولاك، وإنما لأنه تخلى عنها. فالحرب على إيران، في نظر هذا التيار، ليست ثمناً لوعود تحققت، وإنما نقض لوعد كان من أسس الحملة التي أوصلت ترامب إلى البيت الأبيض.ديسانتيس.. الأمل يتجددمن موقع مختلف، انضم حاكم ولاية فلوريدا رون ديسانتيس إلى رواية مارجوري تايلور غرين، واصفاً النتائج بأنها «توبيخ» لترامب. لكن ديسانتيس صاغ نقده بلغة أكثر هدوءاً وأقرب إلى حسابات الناخب اليومية. فقد قال لشبكة «سي إن إن» إن الناخبين كانوا خائبي الأمل من ضعف إنتاجية الكونغرس، ودعا حزبه إلى التوقف عن التهرب من مسؤولية أسعار الوقود، معتبراً أن بعض الجمهوريين «يضللون» الأمريكيين بعدم مصارحتهم بأن الحرب رفعت الأسعار. وقال في مقابلة أخرى: «علينا أن نكون صادقين. البنزين أغلى». ولم يُخفِ الحاكم، الذي نافس ترامب على ترشيح الحزب في 2024، أنه سيدرس المشهد السياسي قبل أن يقرر خوض سباق 2028.ولم يقتصر هذا الموقف على الأسماء الكبيرة. فقد نقلت صحيفة «بوليتيكو» عن المرشح الجمهوري بوبي تشارلز قوله إنه متفائل بالمستقبل رغم الهزيمة، «لأن ترامب سيرحل بعد عامين»، في عبارة تختصر شعوراً يتسع بصمت بين جمهوريين يرون أن الحزب بات رهينة لرجل واحد، وأن استعادة عافيته مؤجلة إلى ما بعد رحيله.المرشحون هم السببأما الرواية الرابعة، فتعود إلى ترامب مرة أخرى، لكن بوجه مختلف. فإلى جانب دفاعه عن الحرب، بحث الرئيس عن مسؤولين آخرين عن الهزيمة، فوجّه جانباً من اللوم إلى مرشحين كان قد دعمهم بنفسه، ومنهم حاكم تكساس غريغ أبوت، الذي خسر منصبه أمام الديمقراطية جينا هينوخوسا. واختصر ترامب هذه الرواية بعبارة واحدة: «لو كنت على بطاقات الاقتراع لفزنا بالانتخابات». ووفق هذا المنطق، فالمشكلة لم تكن في السياسات ولا في الحرب، وإنما في أن الناخبين لم يجدوا ترامب أمامهم، فعاقبوا من يمثلونه.وليست هذه المرة الأولى التي يلجأ فيها ترامب إلى هذه الرواية. فبعد انتخابات 2022 النصفية، التي جاء أداء الجمهوريين فيها دون التوقعات، كتب على منصته «تروث سوشيال» أن ما حدث «لم يكن خطئي»، محمّلاً المسؤولية للجمهوريين المتشددين في قضية الإجهاض. يومها، استفاد ديسانتيس من الهزيمة، وتقدم في استطلاعات الرأي على ترامب لأشهر، قبل أن يعود الرئيس ويكتسح الانتخابات التمهيدية في 2024. والفارق الجوهري بين المرتين أن الهزيمة هذه المرة أكبر بكثير، وأن من يحمّل قرارات ترامب المسؤولية اليوم ليس منافساً من خارج دائرته، وإنما نائبه نفسه.كبش الفداءوتنعكس هذه الروايات الأربع مباشرة على معركة خلافة ترامب. فرواية «الثمن المستحق» تخدم من يريد البقاء في ظل الرئيس، ورواية «الحرب هي السبب» تتيح لفانس أن يرث القاعدة دون أن يرث القرار، ورواية «ترامب هو السبب» تفتح الطريق أمام من يريد تقديم نفسه بديلاً، كديسانتيس، أو صوتاً للجناح الشعبوي المناهض للحروب، كغرين. أما رواية «المرشحين»، فتحمي ترامب شخصياً، لكنها لا تقدم للحزب طريقاً إلى المستقبل.ولم يمر موقف فانس دون ثمن، فقد شكك رئيس مجلس النواب الأسبق نيوت غينغريتش في قدرته على قيادة الحزب في انتخابات 2028، معتبراً أن «جانباً كبيراً من بريقه قد خفت» بعد الهزيمة، ولمّح إلى أن فانس ربما أسهم في بعض الاستراتيجيات الخاطئة للإدارة، بما فيها ملف إيران. ولاحظت شبكة «سي إن إن» أن تحميل فانس المسؤولية يبدو مغرياً لكثير من الجمهوريين، لأنهم أكثر تردداً في لوم ترامب نفسه. أي أن نائب الرئيس، الذي حاول النجاة بالنأي عن الحرب، قد يجد نفسه كبش فداء لها.وفي مجلس النواب، بدأت ملامح المرحلة الجديدة تتشكل سريعاً، إذ أعلن النائب جيم جوردان، أحد أقرب حلفاء ترامب، ترشحه لزعامة الأقلية الجمهورية، في أول اختبار لموازين القوى داخل الحزب بعد الهزيمة.عموماً، سيبقى الحزب الجمهوري منقسماً حول تفسير هزيمته، بقدر انقسامه حول هوية من يقوده بعدها. فالأحزاب لا تتعافى من هزائمها قبل أن تتفق على أسبابها، والجمهوريون، بعد يومين من أكبر خسارة لهم منذ نصف قرن، لم يتفقوا بعد حتى على السؤال.الحزب الجمهوريجويل بولاكديسانتيسدي فانس
المصدر: البيان