بهدو .. حتى لا يذهب دم الشهداء هدرا
ليس مطلوب منا احتراف كتابة المراثي, ونعي الشهيد تلو الشهيد, فما لهذا خلق الاردن والاردنيين, وليس معقولا ان نفقد كل يوم واحد من عيالنا, مدنيين او عسكريين او شرطيين, فهم عيالنا كما قال طيب الريح والشهادة وصفي التل رحمه الله, ورحم شهيدنا السلايطة وباقي رفاقه الشهداء, على شدة واجب رثائهم, لكن حادثة استشهاد العريف جواد السلايطة, على شدة ايلامها وفجور فاعلها, تفتح بابا واجب فتحه. فالوفاء للشهيد لا يكون بالحزن وحده، وإنما بتحويل هذه الفاجعة إلى لحظة مراجعة وطنية، نغلق فيها الأبواب التي يمكن أن يتسلل منها الفكر الدموي إلى مجتمعنا من جديد, ونفتح طاقة للشمس والحياة, ولا نبقى اسرى لمدان سابق مرتبط بتنظيم داعش الارهابي، وصدر بحقه حكم بالسجن تسع سنوات, مما يضعنا أمام سؤال لا يجوز تجاوزه, كيف يعود شخص سبق أن أدين في قضية إرهابية ليقتل أحد رجال الأمن الذين يمثلون الدولة ومؤسساتها؟مما يؤشر إن انتهاء المحكومية لا يعني بالضرورة انتهاء الخطر، فالتطرف ليس مجرد فعل إجرامي، بل منظومة من الأفكار والكراهية والتحريض، لا تنتهي بالضرورة خلف القضبان، بعد ان وجدت في الفضاء الرقمي وبيئات الاستقطاب وسائل جديدة لإعادة إنتاج نفسها, ولذلك لا بد من التعامل مع الإرهاب باعتباره معركة أمنية وفكرية ومجتمعية في آن واحد.فنحن نحتاج اولا إلى مراجعة التشريعات الناظمة لمكافحة الإرهاب، وتشديد العقوبات على الجرائم التي تستهدف رجال الأمن أثناء تأدية واجبهم، وعلى التخطيط والتحريض والتمويل والتجنيد، فضلاً عن حالات العودة إلى ارتكاب الجرائم الإرهابية, كما ينبغي مراجعة شروط الإفراج وآليات المتابعة اللاحقة لمن يثبت استمرار خطورته، ضمن ضمانات المحاكمة العادلة وسيادة القانون, فنحن دولة تحترم اشتراطات وشروط المحاكمة العادلة.ومع الاعتزاز بتضحيات رجال الأمن العام, وباقي اجهزتنا الامنية وفخرنا بقواتنا المسلحة, ينبغي ألا يقتصر دورنا على الإشادة ببطولاتهم، بل يجب أن يترجم إلى تدريب يواكب التطور في تنظيمات الارهاب، ومعدات حماية حديثة، وأدوات معلوماتية أكثر تطوراً، وتنسيق أوسع بين الأجهزة المختصة، بما يعزز قدرتها على رصد التهديدات وإحباطها قبل وقوعها. فحماية رجل الأمن جزء من حماية الدولة والمجتمع, فلا يعقل ان يوفروا لنا كل سبل الراحة ونبخل نحن بحمايتهم, عبر توفير ارقى ادوات الدعم والتجهيز.إن الاعتداء على الكنيسة في الكرك قبل نحو أسبوعين، ثم استشهاد العريف السلايطة، يفرضان قراءة أوسع للتهديد، وعدم التعامل مع كل حادثة باعتبارها واقعة منفصلة, نحن بحاجة إلى استراتيجية وطنية تتجاوز المعالجة الأمنية، على أهميتها، إلى مواجهة جذور التطرف وبيئاته الحاضنة, ولربما بات واجبا, تشكيل لجنة ملكية تضم خبراء في الأمن والقانون والفكر والتربية والإعلام، ومختصين في الوقاية من التطرف، يمكن أن يشكل مدخلاً لوضع هذه الاستراتيجية، على أن تكون محددة الأهداف والمهل الزمنية، ومقرونة بآليات تنفيذ ومتابعة واضحة.وينبغي أن تشمل مراجعة برامج التأهيل الفكري في السجون وبعد الإفراج، وتطوير المناهج التعليمية، وتعزيز خطاب الاعتدال الديني، ومواجهة خطاب الكراهية والتحريض، والتعامل بفاعلية مع الفضاء الرقمي الذي أصبح ميداناً للتجنيد والاستقطاب ونشر الأفكار المتطرفة,لإن الإرهاب ليس مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، بل معركة تتحمل مسؤوليتها الدولة بكل مؤسساتها والمجتمع بكل مكوناته, والأردن، الذي واجه الإرهاب وقدم تضحيات كبيرة في سبيل حماية أمنه واستقراره، مطالب اليوم بتطوير أدوات المواجهة، وترسيخ قيم المواطنة، وعدم السماح لفكر الكراهية بأن يجد له موطئ قدم بين أبنائه.نريد دولة حازمة في مواجهة الإرهاب، عادلة في تطبيق القانون، قوية بمؤسساتها ومحصنة بمجتمعها. فلا يكفي أن ننتصر على الإرهابي حين يحمل سكينه، بل يجب أن ننتصر على الفكر الذي دفعه إلى حملها، وعلى البيئة التي أبقت أبواب التطرف مفتوحة أمامه, لقد دفع العريف جواد السلايطة حياته ثمناً لواجبه، ودمه أمانة في أعناقنا جميعاً, وأفضل وفاء له أن نمنع تكرار الجريمة، وأن نحمي وطننا بتشريعات رادعة وأجهزة أمنية ممكّنة واستراتيجية وطنية شاملة, رحم الله الشهيد، وحمى الأردن وأهله، وحفظ رجال أمنه وجيشه.
المصدر: عمون