شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

انتصار الديمقراطيين في الانتخابات الأمريكية.. هل تتغير موازين القوى؟

انتصار الديمقراطيين في الانتخابات الأمريكية.. هل تتغير موازين القوى؟

اعتبر الحسن بوقنطار، أستاذ العلاقات الدولية والمحلل السياسي، أن الانتصار الذي حققه الحزب الديمقراطي في الانتخابات الأمريكية ليوم 3 نونبر الجاري يشكل تحولا في موازين القوى داخل المؤسسات الأمريكية، وهزيمة سياسية واضحة للرئيس دونالد ترامب والحزب الجمهوري، مرجعا هذا التحول إلى تراجع القدرة الشرائية للأمريكيين، وتداعيات السياسات الاقتصادية والخارجية للإدارة الأمريكية، فضلا عن نجاح الديمقراطيين في إعادة توجيه خطابهم نحو الانشغالات المعيشية للمواطنين.

وأوضح بوقنطار، في مقال تحليلي، أن الأغلبية الديمقراطية الجديدة في الكونغرس من شأنها أن تحد من هامش المناورة الذي تمتع به ترامب، من خلال صلاحيات التشريع والميزانية والرقابة، دون أن يعني ذلك تجريده من أدواته الدستورية، خاصة حق النقض والمراسيم التنفيذية. ولفت إلى أن هذا الواقع يطرح تساؤلات بشأن مستقبل المواجهة الأمريكية مع إيران، وتطور الحرب الروسية الأوكرانية، وقدرة الحزب الديمقراطي على استثمار مكاسبه السياسية في أفق الانتخابات الرئاسية لسنة 2028.

وبخصوص قضية الصحراء المغربية، استبعد المحلل السياسي أن يؤدي تغير موازين القوى داخل الكونغرس إلى مراجعة الموقف الأمريكي الداعم لسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، معتبرا أن هذا التوجه يتجاوز الانتماءات الحزبية، بدليل استمراره خلال ولاية الرئيس الديمقراطي السابق جو بايدن. وشدد بوقنطار على أن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية تظل أساسا للتسوية السياسية، داعيا في الوقت ذاته إلى استمرار اليقظة والتعبئة الدبلوماسية لمواجهة أي محاولات للتأثير في الدعم الأمريكي للموقف المغربي.

نص المقال كاملا

كما كان منتظرًا، حقق الحزب الديمقراطي انتصارًا ساحقًا في الانتخابات المتعلقة بتجديد مجلس النواب وثلث مجلس الشيوخ، علاوة على عدد من حكام الولايات. وهو يشكل، بالمقابل، هزيمة واضحة للرئيس الأمريكي، سنتين بعد عودته إلى البيت الأبيض، والذي، على غير عادته، لم يرفض الاعتراف بـ«العمل الجيد» الذي قام به خصومه الديمقراطيون.

يطرح هذا الواقع المؤسساتي الجديد مجموعة من التساؤلات: من جهة أولى، حول العوامل التي أفضت إلى اندحار الحزب الجمهوري، ومن خلاله الرئيس ترامب؛ ومن جهة ثانية، حول مركز هذا الأخير وهامش المناورة في التعامل مع بعض الملفات الحارقة، كما هو الأمر، خاصة، بالنسبة للحرب مع إيران، وكذا الحرب الروسية الأوكرانية، دون إغفال قضية الصحراء المغربية التي عرفت منعطفًا في الأيام الأخيرة؛ ومن جهة ثالثة، لا مناص من التساؤل حول مدى استفادة الحزب الديمقراطي من هذا الانتصار الساحق لاستثماره في الانتخابات الرئاسية المقبلة التي ستجري في سنة 2028.

1. هزيمة منتظرة بفعل تضارب الوعود وسلطة الواقع

ثمة مجموعة من العوامل تساعدنا على تفسير هزيمة الرئيس ترامب، ومن خلاله حركة «ماغا» MAGA «أعيدوا لأمريكا عظمتها»، والحزب الجمهوري، نجملها فيما يلي:

من جهة، فإن الرئيس الأمريكي أخفق في تحويل وعوده الانتخابية، سواء ما يتعلق منها بالسياسة الداخلية أو الخارجية، إلى ممارسات فضلى من شأنها أن تشعر المواطن الأمريكي بتحسن أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية. في حالة من جنون العظمة، وبدعوى الدفاع عن المصالح الأمريكية، فقد سنّ عددًا من الرسوم الجمركية على البضائع الأجنبية، لدفع شركاتها إلى الاستثمار في الاقتصاد الأمريكي. وهذا الخيار لم تكن له إلا نتائج محدودة، ربما استفادت منه فئات قليلة، في حين عانت شرائح واسعة من ارتفاع الأسعار، وبالتالي زيادة نسبة التضخم. وتفاقم هذا الأمر مع دخول الرئيس الأمريكي، تحت ضغط الوزير الأول الإسرائيلي نتنياهو، في حرب ضد إيران منذ نهاية فبراير الماضي، كان يعتقد أنها ستكون خاطفة، كما هو الأمر بالنسبة لاختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو. لكن هذه المغامرة يبدو أنها لم تكن محسوبة، حيث إنها أفرزت قلاقل في الأسواق العالمية بفعل ردود الفعل الإيرانية التي لم تتردد في ضرب المصالح الأمريكية في الخليج، وكذا حصار مضيق هرمز الذي بات فضاء للصراع الأمريكي الإيراني. كل ذلك أفضى إلى انعكاسات سلبية على الاقتصاديات العالمية، وعلى سلاسل الإنتاج، حتى على المستهلك الأمريكي الذي تأثر بارتفاع أسعار النفط، وبالتضخم. ومن ثم جادل في شرعية هذه الحرب ضد إيران، التي ظهر وكأن مبررها الوحيد هو الاستجابة للسياسة العدوانية لليمين الإسرائيلي المتطرف بقيادة نتنياهو، الذي أصبح بقاؤه في السلطة موضع تكهنات بعد الانتخابات التي جرت مؤخرًا في إسرائيل، والتي لم تفرز أغلبية واضحة. علاوة على ذلك، وعلى شاكلة الحكومات اليمينية المتطرفة، فقد أطلق الرئيس الأمريكي حملة واسعة ضد المهاجرين، الذين حملهم جزءًا كبيرًا من المشكلات التي تعرفها البلاد. لكن الأسلوب العنيف الذي تعاملت به القوة المسؤولة عن هذا الملف ICE أثار جدلًا واسعًا حول مصير الديمقراطية وحقوق الإنسان، في بلد كان يمثل، بصرف النظر عن الفوارق الاجتماعية، مثالًا للحرية والتعايش بين مختلف الفئات والجاليات.

من جهة أخرى، حاول الحزب الديمقراطي استثمار مشاعر الاستياء والسخط التي عمت المجتمع الأمريكي بفعل الممارسات السلطوية والمتقلبة للرئيس ترامب، وكذا استخلاص بعض الدروس من هزيمته في الانتخابات الرئاسية لسنة 2024. بات التوجه الأساسي للحزب الديمقراطي يكمن في الاهتمام بشكل أساسي بالقضايا التي تشغل بال المواطن الأمريكي اليومية، كما هو الأمر بالنسبة لارتفاع الأسعار والتضخم، ومحاربة الفساد وتزايد الفوارق. هذا التوجه هو الذي يضعه ضمن ما يسمى بسياسة Affordability، أي نهج سياسة تمكن من تيسير الوصول إلى الإمكانيات الاقتصادية بالنسبة للمواطن. بالمقابل، فإن التركيز على قضايا المعيش اليومي للمواطن يعني التقليل من النهج السابق الذي كان منصبًا على قضايا الأقليات المتنوعة، وعلى الحريات والحقوق.

هذا التوجه البراغماتي داخل الحزب الديمقراطي ترافق بموجة تتوخى إعادة تجديد النخب الديمقراطية نفسها. في هذا السياق، فإن الانتخابات الأولية داخل الحزب أفرزت نخبًا جديدة أكثر جرأة على انتقاد سياسة الإبادة الإسرائيلية إزاء الفلسطينيين في غزة، وكذا الانحياز الأعمى للإدارة الأمريكية لسياسة نتنياهو المتهم بجرائم الحرب. من الوجوه البارزة لهذا التوجه، هناك زهران ممداني، الذي تمكن من الفوز بعمدة مدينة نيويورك، رغم الحملة التي واجهها، سواء من الديمقراطيين التقليديين أو من الرئيس الأمريكي نفسه؛ وكذا عبد الرحمن محمد عبد الرسول، الذي بات أول عضو مسلم في مجلس الشيوخ، ممثلًا لمدينة ميشيغان. وبدوره واجه حملة شرسة، حتى من قبل بعض الديمقراطيين الذين اتهموه بالعداء للسامية ولإسرائيل، بفعل تجرؤه على انتقاد سياسة الإبادة التي مارسها نتنياهو في غزة.

2. هل تغير هذه الموجة الزرقاء موازين القوى؟

من الواضح أن الهزيمة التي تعرض لها ترامب وحركته «ماغا»، والحزب الجمهوري عمومًا، لاقت ارتياحًا، ليس فقط في الولايات المتحدة، بل في العالم الديمقراطي برمته، لكونها، على الأقل، تضع حدًا للنزعة السلطوية واللامبالاة بتوازن السلطات، وفي الوقت نفسه، تأتي لفرملة هذه النزعة اليمينية المتطرفة التي بدأت تخيم على العالم. وهي تذكرنا أن الديمقراطية قد تتثاءب، لكنها لن تموت.

لكن بقطع النظر عن هذا الارتياح الذي خلفته في الأوساط الديمقراطية، فإنها تطرح تساؤلات حول مستقبل العلاقات بين الرئيس والكونغرس الذي بات تحت نفوذ الديمقراطيين، ومآل الصراع مع إيران، وبالنسبة لنا انعكاساتها المحتملة على قضية وحدتنا الترابية. أخيرًا، هل يعني ذلك، في أفق الانتخابات الرئاسية المقبلة، نهاية الجمهوريين؟

أ. انتصار ديمقراطي لا يلغي دور الرئيس الجمهوري

إذا كان واضحًا أن هذه الهزيمة ستنهي الهيمنة المطلقة التي مارسها ترامب على المؤسسات، إلى حد الاستئثار بالقرار، فإنها لا تعني إضعافه مطلقًا. فهو ما زال يملك دستوريًا بعض الآليات التي تسمح له بتجاوز الأغلبية الديمقراطية.

حسب الفصل الأول من الدستور، الفقرة السابعة، يتمتع بحق الفيتو في مواجهة مشاريع القوانين التي يتخذها الكونغرس. ومعنى ذلك أنه بإمكانه في ظرف عشرة أيام أن يرفض إصدار الأمر بتنفيذ مشروع قانون وافق عليه الكونغرس، وعليه أن يخبر المجلس الذي تبنى المشروع بالحيثيات التي تدفعه إلى ذلك. ففي هذه الحالة يتم تجميد القرار، إلا إذا عاد الكونغرس ووافق عليه بأغلبية الثلثين، مما يلزم الرئيس بإصدار الأمر بتنفيذه. لكن حسب دراسة أجرتها إحدى الجامعات الأمريكية، فإنه من بين أكثر من 2500 فيتو رئاسي منذ أول رئيس، وهو جورج واشنطن 1789-1797، فإن الكونغرس الأمريكي لم يكسر الفيتو إلا في حالات لا تتجاوز المئة.

علاوة على آلية الفيتو، فإن الرئيس الأمريكي يمكن أن يتخذ قرارات بموجب ما يسمى بالمراسيم Executive orders، وهي التي تجد سندها في الفصل الثاني من الدستور، وتسمح له بإصدار توجيهات كتابية إلى المسؤولين والوكالات الحكومية فيما يتعلق بتطبيق بعض القوانين، أو خلق لجن أو تحديد بعض الأولويات، كما هو الأمر فيما يتعلق بالهجرة، أو إعادة تنظيم بعض الوكالات الفيدرالية. وهو في ذلك لا يحتاج إلى موافقة الكونغرس. لكن لا يمنع ذلك من مراقبتها من طرف القضاء الفيدرالي. في هذا السياق، يلاحظ أن الرئيس الأمريكي الحالي لم يتوان في اللجوء إلى هذه الآلية؛ فعلى سبيل المثال، وقع في سنة 2025 على 255 مرسومًا. على وجه المقارنة فقط، لم يوقع سلفه إلا على 19 مرسومًا. وهذا يعطي فكرة عن النزعة السلطوية للرئيس ترامب، ومحاولة تهميش الكونغرس، رغم توفره على أغلبية جمهورية.

لكن هذه الآليات لا تعني أن الكونغرس ينعدم وسائل الضغط. من الواضح أن واضعي الدستور الأمريكي بنوا فلسفته على أساس أن الطموح يوقف الطموح. ومعنى ذلك أن مبدأ الرقابة والتوازن checks and balances تمكن الكونغرس من وقف جموح الرئيس من خلال بعض الأدوات، أساسًا منها:

– التشريع الذي يعتبر اختصاصًا حصريًا له. وكما لاحظنا، فإن الرئيس لا يملك إلا سلطة الفيتو لمنع تنفيذ القوانين الصادرة عن الكونغرس.
– التصويت على الميزانية الفيدرالية، مما يجعل الرئيس أكثر عرضة للبحث عن التوافق بدل المواجهة، وذلك إذا أراد تمرير بعض قراراته أو تمويل بعض السياسات العمومية.
– تشكيل لجن التحقيق للنظر في بعض الانتهاكات المفترضة للسلطة التنفيذية. ورغم أنه ليس اختصاصًا نابعًا من الدستور، فقد تمكن الكونغرس الأمريكي من نزع هذا الاختصاص منذ سنة 1790. ولا شك في أن الديمقراطيين قد عبأوا عددًا من الملفات التي ستكون محل تحقيق، كما هو الأمر بالنسبة للإثراء غير المشروع بالنسبة لترامب وبعض أفراد عائلته، وكذا علاقته فيما يتعلق بملف إبشتين. وفي نفس السياق، فإن بعض كتاب الدولة، وخاصة المتورطون منهم مباشرة في الحرب ضد إيران، كما هو الأمر بالنسبة لوزير الدفاع أو الخارجية، يمكن أن يكونوا موضوعًا مستقبليًا للتحقيق. أكثر من ذلك، فقد يصل الأمر إلى حد تحريك مسطرة العزل في حق الرئيس في حالة وقوع توتر كبير في العلاقة بين الرئيس والسلطة التشريعية.

من الواضح أن المرحلة المقبلة لن تكون سهلة بالنسبة للرئيس الأمريكي. وقد تزداد صعوبة إذا واصل ممارسة سياسته المناهضة لقيم الديمقراطية واحترام المؤسسات المنتخبة.

ب. أي مخرج من الإيراني؟

هل سيواصل الرئيس الأمريكي مغامرته ضد إيران؟ وهل سيقدم على ضربات أخرى، كما ينصح بذلك نتنياهو؟ اعترف الرئيس الأمريكي بأن الحرب ضد إيران كانت من أسباب الهزيمة المرة التي تلقاها في الانتخابات الأخيرة. لكن ما زال الغموض يسود سلوك الرئيس الأمريكي إزاء هذا الملف. بالنسبة للبعض، فإن احتمال توجيه ضربات لإيران يبقى واردًا، اعتبارًا إلى أن الرئيس الأمريكي قد تحرر من قيود الانتخابات، ولم يعد له ما يخسره بعد الهزيمة المدوية التي تعرض لها. لكن بالنسبة للبعض الآخر، يبقى التخوف من التداعيات السلبية على المنطقة وعلى الاقتصاد العالمي حاضرًا، في حالة ما إذا صعدت إيران من رد فعلها على الهجمات الأمريكية المحتملة. ومن ثم، حتى داخل الإدارة الأمريكية هناك من يدعو إلى إعطاء الجهود الدبلوماسية فرصًا أكثر لتجنيب المنطقة والعالم تداعيات تصعيد لا أحد يعرف مداه وانعكاساته الجيوسياسية.

ج. الصحراء المغربية: لا بديل عن مقترح الحكم الذاتي

في قلب التداعيات المحتملة لهذه الموجة الزرقاء التي زعزعت مركز الرئيس ترامب، يبقى التساؤل مشروعًا وملحًا حول الانعكاسات المحتملة لذلك على ملف وحدتنا الترابية، لا سيما أن بلادنا ربطت علاقات متميزة مع الرئيس ترامب منذ اعترافه في سنة 2020 بسيادة المغرب على صحرائه. ويزداد هذا التساؤل إلحاحًا في ضوء التحولات التي عرفها هذا الملف بعد الفيتو الروسي الذي عجل بإنهاء مهمة المينورسو، وفتح المجال لتساؤلات حول مآل هذا النزاع المفتعل، والسبل القمينة بتسويته دوليًا، في ظل التزام مغربي واضح باستمرار التزامه بالتفاوض على أساس مقترح الحكم الذاتي الذي يظل صيغة قابلة للتطوير في ظل السيادة المغربية.

شخصيًا، لا أعتقد أن الواقع الأمريكي الجديد من شأنه أن يغير الموقف الأمريكي المساند لسيادة المغرب على صحرائه، وذلك لعدة اعتبارات، من أبرزها:

أولًا: كما لاحظنا، فإن السياسة الخارجية ليست من الاختصاص الأساس للكونغرس، فدور الرئيس يبقى محددًا. ولا أتصور أن الإدارة الأمريكية ستتخلى عن جهودها من أجل دفع الأطراف إلى التوصل إلى تسوية مقبولة ترتكز على مبادرة الحكم الذاتي.

ثانيًا: حتى عندما انتخب الرئيس الديمقراطي بايدن، فإنه لم يغير من الموقف الأمريكي، رغم الضغوط التي مارسها بعض النواب الديمقراطيين واللوبي المدعوم من طرف الجزائر. وهذا يعني أن الموقف الأمريكي المساند ليس حصرًا على الجمهوريين، بل إنه يستقطب أيضًا عددًا من النواب الديمقراطيين؛ فهو موقف للولايات المتحدة، وليس لحزب معين.

ثالثًا: إن الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب جاء في إطار ما سمي بالاتفاقيات الإبراهيمية، والتي أدت إلى تطبيع المغرب لعلاقاته الدبلوماسية مع إسرائيل. ورغم بروز انتقادات واضحة للعلاقة المتميزة بين أمريكا وإسرائيل بفعل سياسة الإبادة التي مارسها نتنياهو في غزة، فإن هذه الأخيرة لا تعدم نفوذًا مستمرًا في أمريكا.

رابعًا: إن المقترح المغربي المتعلق بالحكم الذاتي لم يعد موقفًا محصورًا على دول معينة، بل، فضلًا عن مساندته من طرف أكثر من ثلثي دول العالم، فإنه اكتسب شرعية أممية بفعل القرار الصادر عن مجلس الأمن 2797 الذي اعتبره بمثابة الحل الأمثل لتسوية ممكنة لهذا النزاع المفتعل. هذا المقترح الذي كان من الممكن أن يتوطد أكثر ويصبح بمثابة أساس كل تسوية لو تم تبني مشروع القرار الأمريكي الأخير الذي حاز على موافقة 11 دولة، ولم يتم إجهاضه إلا بالفيتو الروسي الذي أدى عمليًا إلى نهاية بعثة المينورسو.

لهذه الاعتبارات، ليس لديّ شخصيًا تخوفات من تأثير المد الأزرق على الموقف الأمريكي المتعلق بوحدتنا الترابية. لكن هذا لا يلغي ضرورة الحذر ومواصلة التعبئة، لكون خصوم المغرب بدورهم سيحاولون فرملة المساندة الأمريكية للمغرب.

د. موجة زرقاء: هل تمتد إلى الانتخابات الرئاسية المقبلة؟

النقاش الأخير يرتبط بمستقبل هذا الانتصار الديمقراطي الحاسم. هل سيتم استثماره لتحقيق انتصار آخر في الانتخابات الرئاسية التي ستجري بعد سنتين؟ ذلك هو التحدي المطروح على الديمقراطيين. كما أسلفنا، فإن الحزب الديمقراطي قد استفاد من السخط الذي عم المجتمع الأمريكي واستهجانه للسياسات التي أفضت إلى إضعاف القدرة الشرائية بفعل ارتفاع الأسعار وتزايد نسبة التضخم. لكن ذلك لا يشكل في حد ذاته سياسة متينة لمواجهة الانتخابات الرئاسية المقبلة. فمن الواضح أن الرئيس الأمريكي، تحت ضغط حركة «ماغا» والحزب الجمهوري، ربما سيسعى فيما تبقى من ولايته إلى الاهتمام أكثر بالشؤون الداخلية لبلاده، ولا سيما ما يتعلق بالقدرة الشرائية وخفض الأسعار. وقد يكون هذا الأمر من الدوافع التي تدفعه إلى التخلي عن مغامراته الخارجية والانكباب أكثر على المشكلات الداخلية التي تشغل بال الرأي العام الأمريكي. لذلك سيكون الحزب الديمقراطي مضطرًا بدوره إلى بلورة سياسات اجتماعية أكثر قدرة على مواصلة هذا المد الإيجابي. في نفس السياق، من الضروري إفراز شخصية كاريزماتية لقيادة الحملة الانتخابية المقبلة، قادرة على التأليف بين الزعامات التقليدية والزعامات الجديدة، لا سيما تلك المنتمية لما يسمى بالجناح اليساري داخل الحزب، والتي تسعى إلى خلخلة بعض الممارسات التي سادت المجتمع السياسي الأمريكي.

نستخلص مما سبق إلى أن نتائج الانتخابات التي جرت يوم 3 نونبر الماضي ليست محصورة على الولايات المتحدة. فهذه الأخيرة، بحكم نفوذها الاقتصادي والسياسي، تظل في قلب التفاعلات الدولية. ومن المؤكد أن العالم سيظل متابعًا للتطورات المقبلة التي ستشهدها المواجهة بين الرئيس ترامب والأغلبية الديمقراطية المناهضة له، وخاصة مدى تأثيرها على النزاعات الساخنة، سواء تعلق الأمر بالحرب مع إيران، أو الحرب بين روسيا وأوكرانيا التي تنهي سنتها الرابعة، أو ما يخص الصراعات الاقتصادية، خاصة مع الصين والاتحاد الأوروبي.

The post انتصار الديمقراطيين في الانتخابات الأمريكية.. هل تتغير موازين القوى؟ appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

المصدر: هسبريس