معركة الوقود الأحفوري في COP31: وداعاً للنفط أم وداعاً للوعود؟
45% خلال 9 سنوات... هذه نسبة الخفض المطلوبة للانبعاثات العالمية بحلول 2035، مقارنة بمستويات 2025، إذا أراد العالم العودة إلى مسار يتيح حصر الاحترار عند 1.5 درجة مئوية بنهاية القرن، وفق تقرير أصدره برنامج الأمم المتحدة للبيئة في تشرين الأول/أكتوبر 2026.
لكن، بينما تطلب الحسابات العلمية تخفيضات حادة، لا تزال السياسة الدولية عاجزة عن الاتفاق على جدول واضح للانتقال بعيداً من الفحم والنفط والغاز.
وعشية انعقاد مؤتمر المناخ "COP31" في أنطاليا التركية، يعود الخلاف القديم إلى ال
واجهة: هل يتجه العالم فعلاً نحو تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري، أم أنه يستبدل الالتزامات الصريحة بتعهدات أكثر مرونة حول الكهرباء النظيفة وكفاءة الطاقة؟

لماذا يهمّنا الأمر؟ لأن مصير هذا الخلاف سيؤثر في استثمارات الطاقة العالمية لعقود، وسيحدد حجم المخاطر الاقتصادية التي تواجه الدول المصدرة للنفط والغاز، والدول المعتمدة على استيرادهما، والاقتصادات الأكثر تضرراً من الاحترار.
من دبي إلى أنطاليا... ماذا حدث للوعود؟
شهد مؤتمر "COP28" في دبي في عام 2023 اختراقاً سياسياً حين دعا الاتفاق النهائي إلى الانتقال بعيداً من الوقود الأحفوري في أنظمة الطاقة، بطريقة عادلة ومنظمة ومنصفة. لكن الصياغة لم تتضمن التزاماً عالمياً محدداً بوقف إنتاج النفط والغاز أو موعداً لإنهائهما.
وفي مؤتمر "COP30" الذي استضافته البرازيل في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، حاولت أكثر من 80 دولة الدفع نحو وضع خريطة طريق للانتقال بعيداً من الوقود الأحفوري.
غير أن الخلافات بين الدول المنتجة والمستهلكة، وبين الدول الصناعية والنامية، حالت دون تبنّي الخريطة في النص التفاوضي النهائي. وتحولت المبادرة إلى مسار موازٍ تقوده حكومات مؤيدة لتسريع الانتقال، بعدما تعذّر تحقيق إجماع دولي عليها.
والآن، تشير إحاطة بحثية أصدرها مجلس العموم البريطاني في 29 تشرين الأول/أكتوبر 2026 إلى أن خطاب رئاسة مؤتمر أنطاليا يعطي اهتماماً أقل وضوحاً لمسألة الابتعاد عن الوقود الأحفوري، مقارنة بملفات التنفيذ والكهرباء والتمويل.
مفارقة الدول المضيفة
يتولى وزير البيئة التركي مراد كوروم رئاسة المؤتمر، فيما يقود وزير المناخ والطاقة الأسترالي كريس بوين المفاوضات، بموجب ترتيب استثنائي بين البلدين. لكن هذا الترتيب أثار انتقادات بيئية تتعلق باستثمارات البلدين في الوقود الأحفوري.
ففي تحقيق نشرته منظمة "غلوبال ويتنس" في 19 تشرين الأول/أكتوبر، توقعت المنظمة، استناداً إلى بيانات شركة "ريستاد إنرجي"، أن يرتفع إنتاج الغاز لدى شركة النفط التركية الحكومية (TPAO) من 8.2 مليارات متر مكعب في 2025 إلى نحو 22 مليار متر مكعب بحلول 2035. كما أشارت إلى خطط توسع لدى شركتي الطاقة الأستراليتين "وودسايد" و"سانتوس"، من بينها احتمال مضاعفة إنتاج الغاز الطبيعي المسال للأولى بحلول 2032.
هذه تقديرات تستند إلى خطط ومشروعات مستقبلية، ولا تعني بالضرورة تحقق جميع الاستثمارات. وتعتبر فلوسي بويد، الناشطة البارزة في "غلوبال ويتنس"، أن استمرار الدول المضيفة لمؤتمرات المناخ في توسيع أنشطة النفط والغاز يضعف صدقية قيادتها للمفاوضات.
في المقابل، يتمسك مؤيدو الاستثمار في الوقود التقليدي بحجة أمن الطاقة، معتبرين أن الانتقال السريع من دون بدائل موثوقة قد يهدد الإمدادات ويرفع الأسعار، خصوصاً في الدول الفقيرة.
العلم يضغط على السياسة
في 21 تشرين الأول/أكتوبر 2026، أصدر برنامج الأمم المتحدة للبيئة تقرير "فجوة الانبعاثات 2026"، حاملاً أرقاماً يصعب تجاهلها. فبحسب التقرير، يحتاج العالم إلى خفض انبعاثاته بنسبة 18% بحلول 2030، و45% بحلول 2035، و69% بحلول 2040، قياساً إلى مستويات 2025، من أجل العودة إلى مسار 1.5 درجة مئوية في نهاية القرن. لكن تنفيذ التعهدات الوطنية الحالية بالكامل لن يؤدي إلا إلى خفض الانبعاثات بنسبة تتراوح بين 11% و15% بحلول 2035.
وسيظل العالم، وفق تلك التعهدات، متجهاً نحو احترار يبلغ نحو 2.6 درجتين مئويتين خلال القرن الحالي، فيما قد تصل الحرارة إلى 2.8 درجة إذا استمرت السياسات الراهنة.
#Quote#
وتعتبر المديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، إنغر أندرسن، أن كل جزء إضافي من درجة الاحترار، وكل سنة إضافية فوق مستوى 1.5 درجة، يفاقمان أخطار الفيضانات وموجات الحر والحرائق.
هل تصبح الكهرباء مخرجاً سياسياً؟
بدلاً من الاتفاق على موعد عالمي لإنهاء الوقود الأحفوري، تطرح رئاسة «COP31» هدفاً لرفع حصة الكهرباء من الاستهلاك النهائي العالمي للطاقة إلى 35% بحلول 2035.
ويقوم المنطق على توسيع استخدام الكهرباء في النقل والمباني والصناعة، بالتوازي مع تطوير الطاقة المتجددة والشبكات والتخزين.
ويستطيع هذا المسار خفض استهلاك الوقود الأحفوري، شرط أن تأتي الزيادة في إنتاج الكهرباء من مصادر منخفضة الانبعاثات.
لكن زيادة الاعتماد على الكهرباء وحدها لا تضمن خفض الانبعاثات إذا استمر تشغيل محطات الفحم والغاز أو توسعت مشروعات الوقود التقليدي.
وهنا يكمن الخلاف السياسي: هل يفضّل المفاوضون تحديد الوسائل التي تخفض الانبعاثات، أم وضع جدول واضح لتراجع إنتاج الوقود الأحفوري نفسه؟
تحالف جديد خارج المفاوضات
في نيسان/أبريل 2026، استضافت مدينة سانتا مارتا الكولومبية مؤتمراً دولياً مخصصاً للانتقال بعيداً من الوقود الأحفوري، بمشاركة عشرات الدول.
ولم ينتج المؤتمر التزامات ملزمة، لكنه أطلق مساراً للتعاون في قضايا التمويل والتحول العادل والخرائط الوطنية لتقليص الاعتماد على النفط والغاز والفحم.
وقد يشكّل هذا التحالف وسيلة لتجاوز قاعدة الإجماع التي تجعل التقدم داخل مؤتمرات المناخ بطيئاً، لكنه لن يستطيع وحده معالجة ملف عالمي من دون مشاركة كبار المنتجين والمستهلكين.
خلاصة القول
قد ينجح "COP31" في إطلاق مبادرات جديدة للكهرباء النظيفة والتكنولوجيا والتمويل، لكن المعيار الأهم سيكون قدرته على تحويل تعهد دبي بالانتقال بعيداً من الوقود الأحفوري إلى خطوات قابلة للقياس. فإذا غابت هذه الخطوات مجدداً، فقد يصبح مؤتمر أنطاليا شاهداً على مفارقة كبرى: عالم يسرّع استثماراته في الطاقة النظيفة، من دون أن يحسم متى يبدأ فعلياً تقليص اعتماده على مصادر الطاقة التي تسبب الاحترار.
المصدر: النهار