شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

الدكالي: المغرب يقترب من طي نزاع الصحراء.. والبوليساريو تواجه مأزقا جديدا

الدكالي: المغرب يقترب من طي نزاع الصحراء.. والبوليساريو تواجه مأزقا جديدا

يتناول هذا الحوار مع محمد بنطلحة الدكالي، مدير المركز الوطني للدراسات والأبحاث حول الصحراء أستاذ علم السياسة بجامعة القاضي عياض بمراكش، قراءة استراتيجية للتطورات المتسارعة والمفصلية التي شهدتها قضية الصحراء المغربية عقب محطة 30 أكتوبر في مجلس الأمن الدولي.

ويشرح بنطلحة خلفيات هذه المحطة الفارقة، مبرزا دلالات الموقف المغربي القوي الذي يستند إلى دينامية دبلوماسية متصاعدة، واعترافات دولية متتالية بسيادة المملكة على أقاليمها الجنوبية، إلى جانب الواقع الميداني والتنموي الملموس الذي تشهده المنطقة تحت ممارسات السيادة الفاعلة.

كما يتوقف الحوار عند مأزق الأطراف الأخرى وتراجع طروحاتها التقليدية، متناولا التحولات الجوهرية المتعلقة بتمثيلية الصحراويين والتحديات المستجدة أمام جبهة “البوليساريو”، ولا سيما المبادرات التشريعية الدولية المتصلة بالتصنيف الإرهابي وتداعياتها القانونية والسياسية على الجبهة والجهة الحاضنة لها.

وينتهي التحليل بتمحيص المسؤولية القانونية والإنسانية للجزائر في ملف مخيمات تندوف وضرورة الإحصاء الفردي للساكنة، مستشرفا الآفاق والسيناريوهات الكفيلة بترجمة هذا التفوق المغربي إلى طي نهائي وشامل لهذا النزاع الإقليمي المفتعل داخل المحافل الأممية والقارية.

وهذا نص الحوار كاملا:

كيف نقرأ ما جرى في مجلس الأمن يوم 30 أكتوبر؟

كشفت الجلسة عن تفاوت واضح في التأييد بين مشروع يدفع نحو تسوية تقوم على الحكم الذاتي، ومشروع يسعى إلى تمديد الوضع القائم. فقد حصل المشروع الأمريكي على أحد عشر صوتا مؤيدا، بينها أصوات الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، قبل أن تعترض عليه روسيا بالفيتو. أما المشروع الروسي، الذي اقترح تمديد المينورسو بصيغتها القائمة، فلم تؤيده سوى روسيا والصين والصومال، مقابل اعتراض الولايات المتحدة وامتناع أحد عشر عضوا.

بالنسبة إلى المغرب، تحمل هذه الأرقام دلالة سياسية مهمة. أغلبية المجلس أيدت نصا يعزز مكانة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، بينما ظل التأييد الصريح لاستمرار الصيغة السابقة محدودا. تمكنت روسيا من منع اعتماد المشروع الأمريكي، لكنها عجزت عن جمع الأصوات اللازمة لاعتماد مشروعها.

وانتهت المواجهة دون تمديد للبعثة، فانقضت ولايتها يوم 31 أكتوبر، وأعلنت الأمم المتحدة بدء تصفيتها اعتبارا من فاتح نونبر. وهكذا أفضى التصويت إلى إنهاء هذه الآلية التي استمرت خمسة وثلاثين عاما.

كيف تعامل المغرب مع هذه النتيجة؟ وما الرسالة الأساسية لبلاغ الديوان الملكي؟

تعامل المغرب معها باعتبارها فرصة لتغيير مسار معالجة القضية. فقد اعتبر بلاغ الديوان الملكي انتهاء ولاية المينورسو خطوة نحو الطي النهائي للملف داخل الأمم المتحدة، وطالب بإنهاء وجود البعثة وسحب القضية من جدول أعمال مجلس الأمن، مع وضع حد للاجتماعات الدورية والتقارير والإحاطات المرتبطة بهذا المسار. وأعلن مواصلة التحرك داخل هيئات أممية أخرى، إلى جانب العمل الدبلوماسي الثنائي والإقليمي.

الموقف المغربي يضع حصيلة العقود الماضية موضع مساءلة. فقد استمرت البعثة وتجددت ولايتها، بينما تأخرت التسوية واستمرت معاناة سكان المخيمات. ومن هنا يسعى المغرب إلى أن تقود التطورات الأخيرة إلى معالجة أسباب استمرار النزاع.

في الوقت نفسه، أكد البلاغ التمسك بوقف إطلاق النار وصون سلامة الأراضي والأمن الوطني وطمأنينة المواطنين. وهذه رسالة تجمع بين الاستعداد للتسوية والاستعداد لحماية التراب الوطني. فالتزام المغرب بالاستقرار يترافق مع مسؤوليته الكاملة عن الدفاع عن أراضيه وسكانه.

ما الذي يجعل المغرب يدخل هذه المرحلة من موقع قوة؟

تستند قوته إلى اجتماع معطيات دبلوماسية ومؤسساتية وميدانية. فعلى المستوى الدولي، اعترفت الولايات المتحدة بالسيادة المغربية على الصحراء، وأعلنت فرنسا أن حاضر الأقاليم الجنوبية ومستقبلها يندرجان ضمن السيادة المغربية، وأيدت بريطانيا مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق للتوصل إلى تسوية. وتدعم إسبانيا بدورها المبادرة المغربية أساسا للحل.

على المستوى الأممي، جعل القرار 2797 المبادرة المغربية أساسا للمفاوضات. ويظل هذا المكسب قائما، لأن الفيتو الروسي استهدف مشروع القرار الجديد، ولم يلغ القرار السابق. ثم جاء تأييد أحد عشر عضوا للمشروع الأمريكي ليؤكد اتساع القبول بالاتجاه الذي يدافع عنه المغرب.

أما ميدانيا، فتشتغل المؤسسات المغربية في الأقاليم الجنوبية، ويشارك السكان في الانتخابات، وتتقدم مشاريع التنمية. ووفق المعطيات الرسمية، بلغت المشاركة في تشريعيات شتنبر 2026 نسبة 77 في المائة بجهة العيون الساقية الحمراء و61 في المائة بجهة الداخلة وادي الذهب.

كما بلغ إنجاز ميناء الداخلة الأطلسي 74 في المائة وفق تصريح المسؤولة عن تتبعه في أكتوبر، ودخل محور تزنيت–الداخلة الطرقي حيز الاستعمال على امتداد 1055 كيلومترا، بما يعزز الربط بين شمال المملكة وجنوبها ويدعم التبادل التجاري مع أفريقيا.

وتتسع هذه الدينامية لتشمل البرنامج الصناعي والمينائي لفوسبوكراع بالعيون، باستثمارات تبلغ 23 مليار درهم في أفق 2030، والمحطة الريحية ببوجدور التي دخلت الخدمة بقدرة 300 ميغاواط، ومحطة تحلية مياه البحر بالعيون التي أضافت طاقة إنتاجية تبلغ 26 ألف متر مكعب يوميا. وهي استثمارات تعزز الإنتاج الصناعي وتوفير الكهرباء والماء، وتربط التنمية الاقتصادية بتحسين ظروف عيش السكان.

ويتجاوز البعد الاستراتيجي لهذه المشاريع حدود التنمية المحلية، ليشمل المبادرة الملكية الرامية إلى تمكين دول الساحل الإفريقي من الولوج إلى المحيط الأطلسي، عبر البنيات التحتية الطرقية والمينائية المغربية، وفي مقدمتها ميناء الداخلة الأطلسي. وتفتح هذه المبادرة آفاقا جديدة للتكامل الاقتصادي والتجاري مع مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد، وتعزز موقع الأقاليم الجنوبية بوصفها صلة وصل بين المغرب وعمقه الإفريقي، وممرا للتبادل بين إفريقيا والأسواق الدولية.

ويجسد هذا الحضور المؤسساتي والتنموي ممارسة المغرب الفعلية لسيادته، ويعزز اندماج الأقاليم الجنوبية في الاقتصاد الوطني. فالمغرب يستثمر في مستقبل الصحراء المغربية، ويقترح عبر الحكم الذاتي توسيع تدبير سكانها لشؤونهم، مستندا إلى مؤسسات قائمة وتنمية متواصلة ودعم دولي متنام.

في المقابل، أين يظهر ضعف موقف البوليساريو، خصوصا في مسألتي التمثيل والتحرك الأمريكي بشأن الإرهاب؟

يظهر أولا في اتساع النقاش حول من يحق له التعبير عن رأي الصحراويين. فقد تضمنت الصياغات الأمريكية دعوة إلى التشاور مع مكونات وشخصيات صحراوية من داخل الأقاليم والمخيمات والمهجر، بما يشمل أشخاصا من خارج الأطراف المتفاوضة. ويفتح هذا التوجه المجال أمام المنتخبين والفاعلين المدنيين والأصوات المؤيدة للتسوية، ويضع ادعاء الجبهة احتكار التمثيل أمام تحد مباشر.

وتكتسب هذه الدعوة إلى توسيع دائرة المحاورين الصحراويين أهمية إضافية لأنها وردت ضمن مشروع حظي بتأييد أحد عشر عضوا في مجلس الأمن. وهذا التأييد الواسع للمشروع بمجمله يمنح التوجه نحو تجاوز احتكار البوليساريو للتمثيل وزنا سياسيا، ويقوي المطالبة بإشراك أصوات صحراوية أخرى في البحث عن التسوية.

ولهذا النقاش سند قانوني مهم. فقد أوضحت محكمة العدل الأوروبية في حكمها الصادر في أكتوبر 2024 أن البوليساريو لم يعترف بها رسميا ممثلا حصريا، مع إقرار موقعها محاورا في المسار الأممي وأهليتها للتقاضي في القضية المعروضة. ومن ثم يمكن للمغرب الدفع نحو مشاركة أوسع تعكس تعدد مواقف الصحراويين.

ويجد هذا التعدد تعبيرا سياسيا في حركة “صحراويون من أجل السلام”، التي تأسست سنة 2020 بمشاركة قيادات ودبلوماسيين سابقين في البوليساريو، إلى جانب فعاليات حقوقية وأكاديمية، واتخذت من مدريد مركزا لتحركاتها، مع امتدادات داخل الأقاليم الجنوبية وموريتانيا وأوساط الجالية الصحراوية في أوروبا. وتطالب الحركة بالمشاركة في المفاوضات، وتدافع عن تسوية سياسية تقوم على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. وقد استقبل السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز وفدا، من قيادتها في يونيو 2026، كما شاركت الحركة في أشغال اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة خلال أكتوبر من السنة نفسها. ويمنح هذا الحضور الدبلوماسي بعدا عمليا للمطالبة بتوسيع دائرة المحاورين الصحراويين، خصوصا أن الحركة تضم شخصيات كانت تنتمي إلى البوليساريو نفسها، وأصبحت تدافع عن خيار سياسي مختلف. وهو ما يضع ادعاء الجبهة احتكار التمثيل أمام تحد متزايد.

يضاف إلى ذلك تطور سياسي بالغ الأهمية، يتمثل في طرح مبادرات تشريعية لتصنيف البوليساريو منظمة إرهابية أمام غرفتي الكونغرس الأمريكي، مجلس الشيوخ ومجلس النواب، من خلال المشروعين “S. 4063″ و”H.R. 9982”. وتكتسب هذه المبادرات أهمية سياسية خاصة لكونها مطروحة أمام غرفتي الكونغرس، وبمشاركة أعضاء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، مما يعكس اتساع الاهتمام بهذا الملف داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية، ويمنحه ثقلا يتجاوز الانقسامات الحزبية. كما أن إدراج تصنيف البوليساريو ضمن المبادرات التشريعية الأمريكية يمثل تطورا بالغ الخطورة بالنسبة إلى الجبهة، ويفتح مسارا قد تكون له تداعيات عميقة على موقعها وعلاقاتها الدولية.

وهكذا، تواجه البوليساريو تحديا مزدوجا: تزايد الاعتراض على ادعائها التمثيل الحصري للصحراويين، وطرح مسألة تصنيفها منظمة إرهابية أمام الكونغرس الأمريكي. وهو تطور يضع مستقبل الجبهة السياسي والعسكري أمام تحديات جديدة تتجاوز إطار النزاع التقليدي.

هل تقتصر تداعيات أي تصنيف إرهابي محتمل للبوليساريو على الجبهة نفسها أم يمكن أن تمتد إلى الجهات الداعمة لها؟

إن إدراج أي تنظيم على قوائم الإرهاب الأمريكية يرتب منظومة من القيود المالية والقانونية، تشمل تجميد الأصول الخاضعة للاختصاص الأمريكي، وحظر التعاملات، وملاحقة شبكات التمويل والدعم المادي واللوجستي وفق التشريعات المعمول بها. وتمتد هذه الإجراءات إلى الأفراد والشركات والوسطاء الذين يسهمون في تمويل التنظيم أو تسهيل أنشطته، بما يحول التصنيف إلى أداة لعزله ماليا وتضييق مجال تحركه.

وتبرز الجزائر في هذا السياق باعتبارها الحاضنة السياسية والعسكرية للبوليساريو منذ نحو خمسين عاما. فقد وفرت للجبهة الأرض والدعم السياسي والعسكري والموارد اللازمة لاستمرار نشاطها، وجعلت من مخيمات تندوف مركزا لقيادتها وتحركاتها. ومن شأن أي تصنيف إرهابي رسمي أن يضع قنوات التمويل والإمداد والجهات المرتبطة بالجبهة تحت تدقيق مالي وأمني أشد، ويفتح المجال أمام عقوبات وملاحقات وفق القواعد القانونية الأمريكية.

وتكمن أهمية هذا التحول في أنه ينقل جزءا من التعامل الدولي مع الجبهة من إطار النزاع السياسي إلى منظومة مكافحة الإرهاب، بما تفرضه من قيود على التمويل والتحويلات والتعاملات الدولية. وتكتسب هذه التداعيات أهمية خاصة بالنسبة إلى الجزائر، بالنظر إلى دورها الممتد في دعم البوليساريو واحتضان قيادتها.

كيف تنعكس هذه التطورات على موقف الجزائر وملف مخيمات تندوف؟

تجد الجزائر، التي جعلت دعم البوليساريو والانفصال محورا لسياستها الخارجية، نفسها أمام تحولات جوهرية تقلص جدوى الرهان على استمرار الوضع القائم. فقد انتهت ولاية المينورسو دون تمديد، وبدأ مسار تصفية البعثة، في وقت تعزز فيه التوجه الدولي نحو تسوية تقوم على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وتتسع فيه دائرة الدول الداعمة للموقف المغربي. وتضع هذه التطورات الجزائر أمام مسؤولية الانخراط الجدي في التسوية السياسية، وتحمل التزاماتها القانونية والإنسانية تجاه سكان مخيمات تندوف.

فاللاجئ، وفق اتفاقية جنيف لسنة 1951، هو الشخص الذي يوجد خارج بلده بسبب خوف مبرر من الاضطهاد، ولا يستطيع العودة إليه أو لا يرغب في ذلك بسبب هذا الخوف. غير أن الادعاء بأن العودة إلى المغرب تنطوي على خطر الاضطهاد يتعارض مع واقع عودة عدد من القيادات البارزة والشخصيات المؤسسة للبوليساريو إلى المغرب، واندماجهم في مؤسسات الدولة، وتقلد بعضهم مناصب عليا. وفي المقابل، وثقت تقارير حقوقية ممارسات تتعلق بتقييد حرية التنقل واستعمال وثائق السفر في مخيمات تندوف، بما يثير مسؤولية الجهات القائمة على إدارتها عن أي ضغوط أو تهديدات تعرقل العودة الطوعية إلى المغرب. وهو ما يجعل ضمان حرية الاختيار والعودة الطوعية، بعيدا عن أي إكراه أو تهديد، مسؤولية قانونية تقع على عاتق الجزائر بصفتها الدولة المضيفة.

وتتحمل الجزائر أيضا مسؤولية حماية الطابع المدني للمخيمات وفصل المقاتلين والأنشطة العسكرية عن السكان، وضمان شفافية المساعدات، خصوصا بعد التحقيق الأوروبي السابق بشأن تحويلها وتضخيم أعداد المستفيدين. فحماية اللاجئين تقتضي تمكينهم من حريتهم وخياراتهم، وأي احتجاز تعسفي تحت غطاء اللجوء يمثل انتهاكا يجب إنهاؤه، دون انتظار تسوية النزاع.

لماذا يثير إحصاء سكان مخيمات تندوف كل هذا الجدل؟ وما أهميته القانونية والسياسية؟

ظل تسجيل سكان مخيمات تندوف مطلبا متكررا في قرارات مجلس الأمن منذ سنوات، دون أن يتحقق تسجيل فردي شامل يتيح التحقق من أعداد السكان وهوياتهم الحقيقية وأوضاعهم القانونية. وتتحمل الجزائر مسؤولية تمكين المفوضية السامية لشؤون اللاجئين من القيام بهذه المهمة، باعتبار أن المخيمات تقع فوق أراضيها وتخضع لولايتها القانونية.

وتتجاوز أهمية التسجيل مجرد تحديد الأعداد؛ إذ يتيح التعرف على هوية كل شخص وجنسيته ووضعه واحتياجاته، ويوفر أساسا لحماية حقوقه وتيسير الحلول المستقبلية. كما يساعد على التمييز بين المدنيين والمقاتلين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى مستحقيها، والحد من إمكان استغلال الغموض المحيط بأعداد السكان وأوضاعهم.

ويكتسي هذا المطلب أهمية خاصة بعد نحو خمسين عاما من استمرار المخيمات. فالتسجيل الجماعي الأولي الذي يستخدم في حالات النزوح الواسع لا يوفر وحده المعلومات الفردية اللازمة لحماية السكان وضمان حرية اختيارهم. ومن هنا تبرز ضرورة الانتقال إلى تسجيل فردي شامل يتيح لكل شخص ممارسة حقوقه وتحدد مستقبله، سواء بالعودة الطوعية إلى المغرب أو الاندماج في بلد الاستقبال أو إعادة التوطين.
ويطرح استمرار غياب هذا التسجيل تساؤلات جدية بشأن أسباب تعطيله، خصوصا أن تحديد هوية السكان وأعدادهم من شأنه تعزيز الشفافية في

تدبير المساعدات، وتوضيح الأوضاع القانونية، وإتاحة خيارات فردية بعيدا عن التحكم السياسي. وبعد خمسة عقود، أصبح من الضروري أن تتحمل الجزائر مسؤوليتها الكاملة عن إنهاء هذا الوضع وتمكين سكان المخيمات من حقوقهم الأساسية.

كيف يمكن للمغرب ترجمة موقعه الحالي إلى طي الملف داخل الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي؟

حدد المغرب هدفه السياسي، وتبقى ترجمته إلى إجراءات وقرارات داخل المؤسسات المعنية. فانتهاء ولاية المينورسو تحقق، بينما يحتاج سحب الملف من جدول أعمال مجلس الأمن إلى مسار مؤسساتي مستقل. ويتيح هذا التمييز تحديد ما أنجز وما ينبغي أن تركز عليه الدبلوماسية في المرحلة المقبلة.

أما داخل الجمعية العامة واللجنة الرابعة، فإن غياب الفيتو يمنح حشد التأييد العددي أهمية أكبر. وقد أشار وزير الخارجية إلى اللجنة الرابعة ضمن التحرك المقبل، مع التمييز بين إنهاء التناول الدوري للقضية وبين رفع الإقليم من قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي. ولكل خطوة موضوعها وإجراءاتها والأغلبية اللازمة لها.

على المستوى الإفريقي، تبرز معركة دبلوماسية وقانونية أخرى تتمثل في العمل على إنهاء عضوية الكيان الذي تمثله البوليساريو داخل الاتحاد الإفريقي. فاستمرار هذه العضوية يطرح إشكالا سياسيا ومؤسساتيا في ظل التحولات التي يعرفها الملف، ويستدعي تحركا مغربيا لحشد التأييد الإفريقي ومراجعة هذا الوضع وفق الآليات القانونية للاتحاد. ويشكل ذلك خطوة أساسية في اتجاه إنهاء النزاع داخل المؤسسات القارية، بما ينسجم مع هدف المغرب المتمثل في الطي النهائي للملف.

العمل المطلوب هو تحويل دعم الحكم الذاتي إلى تأييد لنصوص محددة وخطوات عملية. وهنا تظهر قيمة العلاقات الثنائية والدعم الذي راكمه المغرب. فكل دولة تؤيد المبادرة يمكن أن تصبح شريكا في الدفع نحو تسوية، وفي مراجعة الآليات التي استمر معها النزاع.

ما السيناريوهات المقبلة؟ وما الذي سيحدد نجاح الرهان المغربي؟

تفتح التطورات الأخيرة مرحلة جديدة في قضية الصحراء المغربية، عنوانها الانتقال من تدبير النزاع إلى العمل على إنهائه بصورة نهائية. فقد استنفدت المقاربة السابقة، القائمة على تمديد مهمة المينورسو وتجديد المسار الأممي دون تقدم حاسم، قدرتها على تقديم حل سياسي. وأصبح المطلوب اليوم الانتقال إلى تسوية نهائية تقوم على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

يمكن أن تتجه المرحلة المقبلة نحو إطلاق مفاوضات جدية على أساس المبادرة المغربية للحكم الذاتي، بمشاركة الأطراف المعنية، وفي مقدمتها الجزائر، وبما يتيح لسكان المخيمات العودة والمشاركة في بناء مستقبل الأقاليم الجنوبية. وقد تستمر محاولات التعطيل السياسي والدبلوماسي، غير أن ذلك لن يوقف مسار تعزيز السيادة المغربية وتوسيع الاعتراف الدولي بها، وترسيخ الاندماج الاقتصادي والتنموي للأقاليم الجنوبية في محيطها الوطني والإقليمي.

أما احتمال التصعيد الميداني، فيقتضي مواصلة الجمع بين الحزم في الدفاع عن الوحدة الترابية والالتزام بوقف إطلاق النار، بما يحفظ الاستقرار ويمنع إعادة إنتاج النزاع في صيغ جديدة.

لقد راكم المغرب خلال العقود الماضية مكاسب سياسية ودبلوماسية ومؤسساتية وتنموية مهمة، وأصبحت المرحلة الحالية تقتضي استثمار هذه المكتسبات في الحسم النهائي لهذا الملف. فالمسار الذي اختاره المغرب يتجاوز منطق إدارة النزاع وانتظار القرارات الدورية، ويتجه نحو تثبيت السيادة المغربية، وتوسيع الاعتراف الدولي بها، وإنهاء معاناة سكان المخيمات، وطي هذا النزاع الإقليمي بصورة نهائية.

وهذا هو جوهر التحول الذي نعيشه اليوم: الانتقال من البحث عن كيفية تدبير النزاع إلى العمل على إنهائه، ومن المحافظة على مسار سياسي مفتوح إلى بناء تسوية نهائية تكرس حقيقة أن المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها.

The post الدكالي: المغرب يقترب من طي نزاع الصحراء.. والبوليساريو تواجه مأزقا جديدا appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

المصدر: هسبريس