بعد 215 عاماً.. هل جعلت السينما «العقل والعاطفة» أقل جرأة من رواية جين أوستن؟
بعد أكثر من قرنين على صدور رواية «العقل والعاطفة»، تعود جين أوستن إلى السينما بنسخة جديدة تبدو، للوهلة الأولى، أكثر تحرراً وحداثة: بطلات أكثر جرأة، طبيعة مفتوحة، وقصة شقيقتين تحاولان تقرير مصيرهما وسط مجتمع يقيد النساء. لكن المفارقة أن هذه النسخة الحديثة قد تكون، في جانب أساسي، أقل جرأة من الرواية التي كتبتها أوستن عام 1811. هذا هو الجدل الذي أثاره فيلم «العقل والعاطفة» لعام 2026، من إخراج جورجيا أوكلي وسيناريو ديانا ريد، وبطولة ديزي إدغار جونز في دور إلينور داشوود وإيسمي كريد مايلز في دور ماريان، ويشاركهما جورج ماكاي وهربرت نوردوم وفرانك ديلين وفيونا شو. تبدأ قصة «العقل والعاطفة» بموت السيد داشوود، لتجد زوجته وبناته الثلاث أنفسهن في وضع مالي هش، وتنتقل ملكية منزل العائلة، «نورلاند بارك»، إلى ابنه جون من زواج سابق، وتضطر النساء إلى مغادرة المنزل والانتقال إلى كوخ أكثر تواضعاً. ومن هنا تنطلق قصة الشقيقتين: إلينور الأكثر عقلانية وتحفظاً، وماريان التي تتعامل مع الحب والحياة بعاطفة أكبر. لكن الرواية لم تكن مجرد قصة عن امرأتين تبحثان عن الحب، فقبل أكثر من 200 عام، استخدمت أوستن الحب والزواج للكشف عن مشكلة أكبر: ماذا يحدث للمرأة عندما تكون فرصتها في الاستقرار الاقتصادي مرتبطة إلى حد كبير بالرجل الذي تتزوجه؟ وتوضح الرواية بالتفصيل كيف انتهى منزل العائلة إلى الابن، رغم أن نساء عائلة داشوود كن الأكثر حاجة إليه، أما الفيلم الجديد، بحسب تحليل البروفيسورة باربرا ك. سيبر، المتخصصة في أدب جين أوستن في جامعة بروك، فيختصر هذه الخلفية ويجعل فقدان المنزل يبدو أقرب إلى نتيجة قانونية، ما يخفف مسؤولية الرجال في العائلة عن المصير الاقتصادي للنساء. بصرياً، تقود جورجيا أوكلي الفيلم في اتجاه مختلف، فتظهر ماريان وسط الطبيعة، مستلقية بين الأعشاب أو تضع قدميها في مياه جدول بارد، فيما تتصرف الشقيقتان بحرية أكبر تجاه بعض القيود الاجتماعية. وتذهب إلينور نفسها إلى أبعد مما فعلته بطلة أوستن، مما يوضح أن النساء يبدون أكثر تحرراً في نسخة 2026. وسبق للمخرج آنغ لي أن قدم الرواية في فيلم شهير عام 1995، مع هيو غرانت في دور إدوارد فيرارز وآلان ريكمان في دور الكولونيل براندون، وكان ذلك الفيلم قد منح الشخصيتين حضوراً أكبر، والنسخة الجديدة تسير، بدرجة ما، في الاتجاه نفسه. فإدوارد في رواية أوستن ليس «الأمير المثالي» بالضرورة، لكن الفيلم يمنحه مواقف تعزز تعاطف المشاهد معه، ومنها معاملته المرحة لمارغريت، الشقيقة الأصغر، وهي مشاهد ليست موجودة في الرواية. حتى خطوبته السرية من لوسي ستيل يعاد تقديمها بطريقة أكثر تعاطفاً معه، ففي الرواية كان إدوارد مسؤولاً عن اختياره الارتباط بها، بينما يجعل الفيلم الارتباط مرتباً، ثم يصور تمسكه به باعتباره دليلاً على شرفه. والأمر نفسه يحدث مع الكولونيل براندون، الذي يُقدَّم منذ البداية بصورة أكثر جاذبية، مع إشارات مبكرة إلى إمكانية نشوء علاقة بينه وبين ماريان. الفيلم يبدو حديثاً في الشكل والحركة واللغة البصرية، ويضع العلاقة بين الشقيقتين في قلب القصة، وهو أمر قالت جورجيا أوكلي إنه كان من مصادر إلهامها، كما يمنح بطلاته حرية واضحة. لكن القراءة التي تقدمها "ذا كونفرسيشن" ترى أن هذه الحداثة قد تأتي على حساب جزء من النقد الذي جعل رواية أوستن جذرية في زمنها: أن المشكلة لم تكن فقط العثور على الرجل المناسب، وإنما وجود نظام اقتصادي واجتماعي يجعل العثور عليه ضرورة بالنسبة إلى المرأة، وهذا بالضبط ما يجعل النسخة الجديدة مثيرة للنقاش. فبعد 215 عاماً من نشر «العقل والعاطفة»، تستطيع السينما أن تجعل بطلات جين أوستن أكثر تحرراً في ملابسهن وحركتهن وطريقة تعبيرهن.
المصدر: البيان