انتخابات الكونغرس النصفية... صوت أميركي واستحقاقات دولية
أسقط الناخب الأميركي ورقته في صندوق اقتراع الانتخابات النصفية، وجاءت النتائج لتفوق التوقعات من حيث حجم الفارق الذي حققه الديموقراطيون على حساب الجمهوريين.
وعلى الرغم من أن الاعتبارات التي حكمت عملية التصويت ارتكزت على متطلبات الحياة اليومية، فإن صدى كل صوت سُجّل عبر المحيطين الأطلسي والهادئ. وليس غريباً أن يكون العالم في حالة ترقّب ورصد لهذه الانتخابات، إذ إن التصويت، برأي المراقبين، بدا أشبه باستفتاء على شخص زعيم البيت الأبيض دونالد ترامب، الذي اختصر المؤسسات بشخصه، وبات مادة إخبارية تتصدر وسائل الإعلام على مدار اليوم.
المفارقات التي شهدتها هذه الانتخابات كانت كبيرة، ولا سيما مع خسارة الجمهوريين مقعد مجلس الشيوخ في كنساس، الذي احتفظوا به منذ ثلاثينيات القرن الماضي، قبل أن ينتزعه الديموقراطيون في هذه الانتخابات.
ومع خلط الأوراق في الداخل الأميركي، ينتظر العالم الخارجي تبلور التركيبة السياسية الأميركية الجديدة وانعكاساتها على الملفات الدولية.
والمسألة الأولى التي تتقدّم سائر الملفات هي إيران، خصوصاً بعد إقرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن "الخسارة الانتخابية كانت، إلى حد كبير، نتيجة الحرب على إيران". وبناءً عليه، إلى أين ستتجه بوصلة الرئيس الأميركي؟ نحو استئناف الحرب أم مراعاة الرأي العام الذي عبّر بتصويته عن رفضه لها؟
نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق لشؤون الشرق الأدنى غوردن غراي، يتحدث عن التأثيرات التي يمكن أن تطرأ على الملفات الساخنة في ضوء نتائج الانتخابات الأخيرة، وينطلق من سابقة تعود إلى عام 1973، عندما حُظر رسمياً استخدام أموال الميزانية العامة والدفاع لتمويل أي أنشطة قتالية أميركية في فيتنام. ويرى أن "هناك احتمالاً كبيراً أن يتكرر الأمر نفسه في ما يتعلق بالحرب مع إيران".
ويشرح لـ"النهار" أن من الممكن أن يقدم الكونغرس الجديد على قطع التمويل العسكري، على الرغم من أن تصرفات ترامب "لا يمكن التنبؤ بها". ويلفت، في الوقت نفسه، إلى أن الرئيس الأميركي يمتلك، من الناحية الدستورية، صلاحيات تخوّله اتخاذ قرارات عسكرية، و"لم يعد مضطراً إلى القلق بشأن الانتخابات، لأنه لن يترشح للرئاسة مرة أخرى".
أما المستشار السابق لأربعة رؤساء أميركيين من الحزبين الديموقراطي والجمهوري هارلي ليبمان، فيرى أن نتائج الانتخابات النصفية سيكون لها تأثير في السياسة الخارجية، انطلاقاً من أن للولايات المتحدة مصالح وطنية لا تتغير بتغيّر الأحزاب السياسية. ويشير، مثلاً، في ما يتعلق بالتأثير على الشرق الأوسط، إلى أن ترامب "لا يزال يمتلك القدرة على شنّ ضربة عسكرية من دون أن يقلق بشأن الانتخابات. فما زال أمامه عامان ليفعل ما يشاء".
ويقدّم لـ"النهار" مقاربة مختلفة لسيناريوهات استئناف الحرب على إيران في ضوء نتائج الانتخابات، مشيراً إلى أنه على الرغم من أن الحرب لا تحظى بشعبية لدى الأميركيين، فإن البعض قد يرى أن هذا تحديداً هو السبب الذي قد يدفع ترامب إلى "إعادة التفكير في خوضها".
ومن ناحية أخرى، تبرز مسألة "إرثه الشخصي" كرئيس للولايات المتحدة، إضافة إلى أن وزير الخارجية ماركو روبيو، ونائب الرئيس جي دي فانس، إلى جانب ترامب، "عليهم جميعاً أن يأخذوا في الحسبان كيف سيذكرهم التاريخ"، ولا سيما أنهم أعلنوا بوضوح رفضهم القاطع لامتلاك إيران سلاحاً نووياً أو إغلاقها مضيق هرمز. و"إذا فشلوا في تحقيق ذلك، فسيُسجَّل هذا الفشل في سجلهم السياسي، وسيتحمّل الرئيس القادم تبعاته".
ويقدّم ليبمان بُعداً آخر يعكس الصراع السياسي الداخلي بين الحزبين، ويرى أنه في حال امتنع ترامب وإدارته عن شنّ ضربة عسكرية على إيران، "فقد يُفسَّر ذلك على أنهم يتبعون سياسة الحزب الديموقراطي، وهذا بحد ذاته يشكّل مشكلة لهم".
ويعرب عن اعتقاده بأن "الحرب على إيران ليست بالضرورة غير شعبية لأنها حرب بحد ذاتها، بل لأن ترامب نفسه فشل في توضيح الأسباب التي تدفع الولايات المتحدة إلى خوضها، أو في شرح سبب عدم جواز امتلاك إيران أسلحة نووية". فهو لم يطرح "استراتيجية أميركية واضحة ومتكاملة تشرح أسباب الذهاب إلى الحرب، ولا تصوّراً لما سيكون عليه المستقبل بعدها. وهذا ما أثار غضب الأميركيين".
إسرائيل... تأرجح صفقات الأسلحة
للصعود الديموقراطي في الكونغرس حساباته في إسرائيل، خصوصاً مع إعلان الرئيس الأميركي صباح يوم الانتخابات عزمه وقف المساعدات الأميركية لتل أبيب، على اعتبار أن هذا الملف كان من الأوراق التي استفاد منها المرشح الديموقراطي في ولاية ميشيغان عبدول السيد. وقد تلقّفت المعارضة الإسرائيلية هذا الإعلان، ممثلة بالمنافس الأول على رئاسة الحكومة غادي آيزنكوت، لتعزيز موقعه التنافسي أمام رئيس حزب "الليكود" بنيامين نتنياهو.

ويرى الديبلوماسي المخضرم غراي، الذي يعرف الشرق الأوسط وملفاته عن كثب، بعدما خدم سفيراً لبلاده في عدد من البلدان العربية، أنه "من الصعب فهم ما الذي سيُقدم عليه الرئيس ترامب". فقد أعلن أنه سينهي حزمة المساعدات العسكرية السنوية البالغة 3.8 مليارات دولار، والتي كان من المقرر أن تستمر حتى عام 2028.
ومنذ هجمات "حماس" في تشرين الأول/أكتوبر 2023، قُدّمت مساعدات إضافية تقارب 20 مليار دولار، و"لا يزال من غير الواضح ما الذي ينوي ترامب تقليصه تحديداً من هذه المساعدات. وقد جاء هذا الإعلان مفاجئاً للجميع، ولا سيما في إسرائيل".
ويلفت السفير غراي إلى أن المساعدات العسكرية لإسرائيل كانت تُقدَّم تاريخياً من الإدارات الديموقراطية والجمهورية على حدّ سواء، "من دون إثارة نقاش يُذكر حولها". لكنه يتوقع أنه مع تولّي الكونغرس الجديد مهامه، "ستخضع صفقات الأسلحة مع إسرائيل لتدقيق ومراجعة أكبر من أي وقت مضى".
ويتفق ليبمان مع غراي بشأن احتمال مراجعة صفقات الأسلحة مع إسرائيل، متوقعاً "أن يصبح الكونغرس الحالي أكثر انتقاداً لإسرائيل ودول الخليج".
وعن الخليج العربي، يرى الخبير في السياسة الخارجية الأميركية أن هذه الدول "عليها الآن أن تأخذ مرحلة ما بعد ترامب في الحسبان، خصوصاً أن موقفه أصبح أضعف سياسياً"، معتبراً أنه كان أحد أسباب حالة عدم الاستقرار، كما ظهر في تعامله مع إسرائيل وأوكرانيا، وأن "كثيراً من هذه المشكلات تعود إلى تقلّب مواقفه وعدم إمكانية الاعتماد عليه بصورة موثوقة".
ويلفت إلى أنه في ظل هذه الظروف، "قد تستفيد دول الخليج من إدارة ديموقراطية أكثر وضوحاً واستقراراً في تعاملاتها، حتى وإن خسرت بذلك المودة الشخصية التي يكنّها لها ترامب".
ويرى، من ناحية أخرى، أن الديموقراطيين "أقل ميلاً إلى الحرب مقارنة بالجمهوريين"، وإن كانوا قد يلجأون إلى استخدام القوة العسكرية في بعض الحالات.
أما السفير غراي، فيرجّح، على الصعيد الديبلوماسي، أن تبقى الأمور في منطقة الخليج العربي عند "مستوياتها الحالية"، ولا سيما أن الولايات المتحدة أطلقت الحرب من دون "التنسيق" مع هذه الدول أو "الإصغاء إلى مخاوفها"، ونتيجة لذلك نشأت "حالة من انعدام الثقة بين الطرفين".
ويستذكر هنا زيارة وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي إلى واشنطن، حيث التقى نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس عشية اندلاع الحرب، وظهوره لاحقاً في مقابلة تلفزيونية، منوّهاً بأن ذلك "أمر نادر بالنسبة إلى الوسيط العُماني"، وأن المقابلة عكست أجواءً بعيدة عن الحرب والتصعيد.
وفي سياق ملفات الشرق الأوسط، تبرز المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، التي يتطرق إليها غراي بإيجاز، مشيراً إلى أن إدارة الرئيس السابق جو بايدن حاولت إقامة قنوات للعلاقات بين الطرفين، ولذلك "سيواصل الديموقراطيون دعم هذه المفاوضات. لكن القضية اللبنانية ليست أولوية بالنسبة إلى الولايات المتحدة، بل تندرج ضمن إطار الصراع مع إيران".
شكل الحزبين ومصير التحالفات
في إطار تقييمه لنتائج الانتخابات النصفية وما سيترتب عليها بالنسبة إلى الحلفاء الأوروبيين، يرى السفير غوردن غراي أن النتائج "جاءت في مصلحة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وبما لا يصبّ في مصلحة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين".
وتعمل فرنسا ودول أوروبا على إعادة تقييم طبيعة تحالفها مع الولايات المتحدة، و"شكل الدعم الذي ستواصل تقديمه".
ويختم متسائلاً "كيف سيكون الوضع في مرحلة ما بعد ترامب؟ وهل سيتبع خليفته السياسات ذاتها تجاه أوروبا، أم ستشهد العلاقات عبر الأطلسي توجهاً مختلفاً؟".
في المقابل، يرى المستشار السابق هارلي ليبمان أن العنصر الأهم في ما يتعلق بالسياسة الخارجية "هو الشكل المستقبلي للحزبين الجمهوري والديموقراطي، ومن سيتولى قيادتهما". فمقاربات الملفات الدولية وإدارة النزاعات وشنّ الحروب تختلف باختلاف التيارات داخل كل حزب، سواء أكانت تنتمي إلى اليسار أم اليمين أم الوسط.
المصدر: النهار