شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

العلم في مواجهة السياسة: تأملات حائز على جائزة نوبل!

العلم في مواجهة السياسة: تأملات حائز على جائزة نوبل!

في سنة 1932، وُلد الفيزيائي الأمريكي شيلدون غلاشو Glashow، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء، وهو لا يزال على قيد الحياة. وفي حديث نشرته قبل ثلاثة أيام الأسبوعية اللندنية “أخبار عالم الجامعات” (UWN)، استعرض مسيرته العلمية، بدءًا من أيام دراسته الثانوية بمدينة نيويورك في أواخر أربعينيات القرن الماضي، وصولًا إلى عهد الرئيس ترامب. وكان أبرز ما جاء في حديثه انتقاده الشديد لسياسات ترامب تجاه العلم والعلماء؛ فهو يرى أن الرئيس سعى إلى ضرب المنظومة العلمية الأمريكية، سواء بمحاولته إضعاف جامعة هارفارد وغيرها من الجامعات العريقة، أو بتعيين أشخاص غير أكفّاء في مناصب حساسة. 1- رؤية فانيفار بوش (1890-1974) للتقدم العلمي نشأ شيلدون غلاشو في فترة كان فيها العلم يحظى بدعم حكومي واسع في أمريكا، وفق رؤية مدير مكتب البحث العلمي والتطوير آنذاك الأستاذ فانيفار بوش Bush (1890-1974) الواردة في تقريره الذي وجهه عام 1945 للرئيس روزفلت. وجاء هذا التقرير في 184 صفحة بعنوان “العلم: الحدود اللانهائية” (Science: the Endless Frontier). دعا بوش في هذه الوثيقة إلى تمويل البحث العلمي الأساسي في الجامعات مع ضمان حرية الباحثين واستقلاليتهم. وتجسدت هذه الرؤية في إنشاء المؤسسة القومية للعلوم (NSF) الأمريكية عام 1950 حيث أصبح تمويل البحث القائم على الفضول العلمي والمبادرة الفردية ركيزةً للتقدم. وقد أسهم هذا المناخ في تحقيق اكتشافات علمية كبرى، وفي توثيق الصلة بين البحث الأساسي والتطور الصناعي والتكنولوجي. وكان بوش يرى أن حرية العلماء دون قيود كفيلة بتدفق المعرفة الجديدة وتوظيفها في خدمة المجتمع والاقتصاد والصناعة. يقول غلاشو إن ستينيات القرن الماضي مثلا كانت سنوات ذهبية “للفيزياء الأمريكية” حيث كانت الجامعات والمؤساسات العلمية والعسكرية تمول الأبحاث الأساسية. وكان غلاشو في قلب هذا الزخم. وفي هذا السياق، يتذكر أنه خلال تلك الفترة، حصل على عدد من التمويلات من الجيش والبحرية الأمريكية رغم أنه لم يكن يجري أبحاثًا تطبيقية، بل كان منكبًا على “العلم البحت، العلم القائم على الفضول”. ويشير أنه في عام 2020، أصدر مخبر أبحاث مكتب القوات الجوية الأمريكية تقريرًا بعنوان “من 1951 إلى اليوم: تحويل الاكتشاف العلمي إلى فرصة للقوات الجوية”. وقد أدرجت في التقرير قائمة تضم 21 فائزًا بجائزة نوبل في الفيزياء والكيمياء والطب والاقتصاد ساهم المكتب في تمويل أبحاثهم، ومن بينهم غلاشو. من جهة أخرى، يلاحظ غلاشو أن التقارير الواردة من لجنة نوبل في ستوكهولم، وكذا الإعلانات عن الأدوية الجديدة ساهمت في رفع مستوى الاحترام الشعبي القوي للعلماء خلال الفترة الممتدة من الخمسينيات إلى الثمانينيات. فلطالما زيّنت صور مشاهير العلماء أغلفة كبريات المجلات، مثل ألبرت أينشتاين، وفيرنر فون براون Braun (المدير السابق لبرنامج الصواريخ في ألمانيا النازية، والذي أدار برنامج الفضاء الأمريكي)، والفيزيائي ريتشارد فاينمان Feynman، وجوناس سالك Salk وألبرت سابين Sabine (مكتشفا لقاح شلل الأطفال)، وإدوارد تيلر Teller (الفيزيائي المشرف على الفريق الذي صنع القنبلة الهيدروجينية). وأشار غلاشو إلى “الاحترام الكبير الذي يُبديه الناس للخبرة عمومًا” فأوضح: “كان هناك احترام عالمي للمثقفين، وهذا ليس هو الحال اليوم، خاصة في أمريكا تحت قيادة ترامب حيث يتم رفض الخبراء والخبرة”. وأضاف، بنبرة يملؤها الأسى: “لقد بلغ الأمر اليوم حدًا أصبحتُ أتجنب معه حتى إخبار سائقي سيارات الأجرة بأنني عالم”. أما الأرقام فتعكس تراجعًا واضحًا في مكانة التعليم العالي والثقة بالخبرة الأكاديمية في الولايات المتحدة إذ أظهر أحد الاستطلاعات أن نسبة الأمريكيين الذين يثقون في التعليم العالي قد انخفضت من 60% عام 2015 إلى 32% عام 2025، أي بما يقارب النصف. وفي المقابل، ارتفعت نسبة الذين يعبّرون عن عدم ثقتهم في الجامعات من 10 % عام 2015 إلى نحو 30 % عام 2024، أي إلى ثلاثة أمثال مستواها السابق. ولم يفت غلاشو تنبيهنا إلى أن نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس وصف الأساتذة الجامعيين بأنهم “أعداء الشعب”، كما شنّت إدارة ترامب، منذ عودته إلى السلطة، حملة على الجامعات، مستخدمةً الوسائل القانونية والخطابية. ولم يقتصر تراجع الثقة على مؤسسات التعليم العالي والأساتذة الجامعيين، بل امتدّ إلى العلم نفسه إذ أظهرت دراسات تناولت مواقف الأمريكيين من العلوم انخفاضًا في نسبة من يرون أن للعلم تأثيرًا إيجابيًا في المجتمع، بما يعكس اتساع دائرة التشكيك في الخبرة العلمية ومكانة العلماء. 2- “تعلمنا في المدرسة فضائل الأمم المتحدة” لقد بلغ النقاش الدائر منذ عقود حول الدعم الحكومي الفيدرالي وتمويل العلوم في أمريكا درجة كبيرة من الأهمية حتى إن غلاشو يرى أن استهداف ترامب للمؤسسات الفيدرالية -مثل المؤسسة القومية للعلوم والمحاكم، فضلًا عن الجامعات الكبرى التي طالما اعتبرت مؤسسات وطنية – من شأنه أن يضعف التأييد الشعبي للعلوم. وتذكر غلاشو عهد شبابه فقال: “كان فرانكلين روزفلت رئيسًا، وكنا نكنّ له احترامًا كبيرًا. كنا نكنّ احترامًا كبيرًا لسياسيينا. لقد تربينا على احترام الحكومة، مع أن ذلك لم يمنعنا من انتقادها. ولكن عندما كنا ننتقد، كنا نسعى للتحسين أدائها، لا لهدم مؤسساتها كما يفعل ترامب”. ويضيف: “لقد تعلمنا في المدرسة فضائل الأمم المتحدة، وكنا نؤمن بها إيمانًا راسخًا. كنا فخورين بأن يلعب بلدنا [أمريكا] دورًا رئيسيًا في إنشاء الأمم المتحدة”. أما الآن فقد سحب ترامب الولايات المتحدة من اليونسكو، وأغلق الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وهي أكبر منظمة مانحة في أمريكا. وفي حديثه عن هذا الإجراء، قال غلاشو: “بسبب إلغاء الأموال المخصصة للأنشطة الخيرية في الخارج، أصبح عشرات الآلاف معرضين لخطر الموت بسبب سوء التغذية والأمراض التي لدينا لقاحات لها”. والواقع أن الحصيلة قد تكون أشد فداحة مما كان يخشاه غلاشو. ففي جويلية الماضي، قدّر مركز التميز في صحافة الرعاية الصحية -وهو مؤسسة أمريكية تُعنى بتطوير الصحافة المتخصصة في الشؤون الصحية- أن تخفيضات إدارة ترامب في برامج المساعدات الخارجية قد تكون تسببت في نحو 700 ألف وفاة إضافية. وأشار إلى أن منظّري المؤامرة الطبية في الولايات المتحدة اليوم يستعيدون أفكارًا تنتمي إلى العصور الوسطى، في حين تقف علوم الأحياء والفيزياء وسائر العلوم الطبيعية في مواجهة ما يروّجه ترامب من هراء. وأضاف أن الاكتشاف العلمي نفسه يتعارض مع محاولات تسييس العلوم بمختلف فروعها، بما فيها الفيزياء إذ لا يمكن لهذه الأخيرة أن تتجاهل التغييرات التي طرأت على قواعد المؤسسة القومية للعلوم (NSF)، والتي باتت تُسند مسؤولية قرارات التمويل إلى مسؤول سياسي بدلًا من إخضاعها لتقييم الأقران. وبهذا الصدد يعقّب غلاشو قائلا: “لو كان هؤلاء المسؤولون في مناصبهم عندما كنتُ عالما شابا، لما تحققت على الأرجح أيٌّ من الاكتشافات التي توصلتُ إليها أو توصل إليها غيري، فقد كانت دوافعهم فضولية، وبالتالي لم يكن من الممكن أن يفهمها المعيّنون سياسياً”. وهكذا تكشف تأملات شيلدون غلاشو عن مفارقة مؤلمة: فالبلد الذي جعل من حرية البحث العلمي وتمويله ركيزةً لتفوقه، باتت قيادته السياسية موضع انتقاد بسبب ما يواجهه العلم من تهميش وتسييس وتشكيك. في زمن مضى، كان السياسيون يرون في العلماء شركاء في بناء المستقبل، واليوم يُنظر إلى الخبراء باعتبارهم خصومًا. وتكشف هذه التأملات أيضا أن العلم لا يزدهر بالأموال وحدها، بل بحرّية التفكير واحترام المعرفة والثقة في أهل الاختصاص.

المصدر: الشروق