شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

كيف يحتفظ العقل بالذكريات ولا يسمح لها بالتلاشي؟

كيف يحتفظ العقل بالذكريات ولا يسمح لها بالتلاشي؟

كيف يستطيع الدماغ الاحتفاظ بكلمة سمعها قبل ثوانٍ، بينما يستقبل كلمات جديدة ويحللها في الوقت نفسه؟ وكيف نتمكن من متابعة محادثة أو حل مسألة حسابية أو اتخاذ قرار اعتماداً على معلومات لم تعد موجودة أمام حواسنا؟ الإجابة تكمن في قدرة معرفية تعرف باسم «الذاكرة العاملة»، لكن العلماء اكتشفوا أن بنية صغيرة وغامضة في أعماق الدماغ تؤدي دوراً مهماً في الحفاظ على هذه المعلومات ومنعها من التلاشي. وتوصل باحثون من جامعة جنيف السويسرية إلى أن بنية دماغية تُعرف باسم «السياج الدماغي» (Claustrum) تسهم في دعم الذاكرة العاملة، وهي القدرة التي تتيح للدماغ الاحتفاظ بالمعلومات لفترة وجيزة واستخدامها في معالجة المعلومات الجديدة وتوجيه السلوك. ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة «Nature Communications»، بعد تجارب أجريت على الفئران، كشفت أن تعطيل نشاط الخلايا العصبية في هذه المنطقة أدى إلى انخفاض أداء الذاكرة العاملة بنحو النصف، ما يشير إلى دور أساسي لها في الاحتفاظ بالمعلومات واستخدامها عند الحاجة. ويقع السياج الدماغي في عمق الدماغ، بين القشرة الجزيرية والجسم المخطط، ويتميز بامتدادات عصبية واسعة تتصل بمعظم مناطق القشرة الدماغية، ما يجعله في موقع يسمح له باستقبال المعلومات من شبكات عصبية متعددة والتأثير في نشاطها. ولا تقتصر أهمية الذاكرة العاملة على تخزين المعلومات مؤقتاً، بل تمثل إحدى الركائز الأساسية للتفكير اليومي؛ فمن خلالها يستطيع الإنسان متابعة تسلسل الحديث وفهم الجمل، ومقارنة المعلومات الجديدة بما سبقها، وحل المشكلات، واختيار الاستجابة المناسبة للمواقف المختلفة. ولفهم دور هذه البنية، صمم الباحثون تجارب على الفئران اعتمدت على اختبار قدرتها على تذكر روائح أو مؤثرات لمسية. ففي كل تجربة، تعرض الحيوان لمؤثر أول، ثم انتظر عدة ثوانٍ قبل تقديم مؤثر ثانٍ، وكان عليه تحديد ما إذا كان المؤثران متطابقين أم مختلفين. وبما أن المؤثر الأول لم يعد موجوداً عند ظهور الثاني، فقد تطلب النجاح في الاختبار الاحتفاظ بتمثيل ذهني للمعلومة الأولى طوال فترة الانتظار. واستخدم العلماء تقنيات متقدمة للتحكم في نشاط الخلايا العصبية داخل السياج الدماغي في لحظات محددة، من بينها تقنية «التحفيز البصري الوراثي» (Optogenetics)، التي تتيح تنشيط خلايا عصبية مختارة أو تثبيطها باستخدام الضوء، بعد جعلها حساسة له بواسطة بروتينات محددة. وأظهرت النتائج أن تقليل نشاط هذه الخلايا أدى إلى تراجع قدرة الفئران على أداء مهام الذاكرة العاملة بنحو 50%، سواء تعلق الأمر بمؤثرات شمية أم لمسية، وبغض النظر عن توقيت تعطيل النشاط العصبي خلال فترة الانتظار. كما أوضحت التجارب أن هذا التأثير لم يكن نتيجة ضعف القدرة على إدراك المؤثرات الحسية نفسها، بل ارتبط تحديداً بتراجع القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات مؤقتاً واستخدامها لتوجيه السلوك. وفي اكتشاف آخر لافت، رصد الباحثون أن المعلومات لا تظل محفوظة في صورة نشاط عصبي ثابت، بل تستمر آثارها من خلال أنماط متغيرة من النشاط داخل الخلايا العصبية طوال فترة الانتظار. وأظهرت التسجيلات المباشرة لنشاط الخلايا العصبية أن أثر المؤثر الأول ظل قابلاً للرصد طوال فترة الانتظار، وأن هوية المعلومة الأصلية أمكن استخلاصها من النشاط العصبي حتى بعد مرور 30 ثانية. ويشير ذلك إلى أن الذاكرة العاملة لا تعتمد بالضرورة على بقاء مجموعة محددة من الخلايا العصبية في حالة نشاط ثابت، بل يمكن أن تحتفظ بالمعلومات من خلال أنماط عصبية ديناميكية تتغير بمرور الوقت، مع استمرار إمكانية التعرف على المعلومة الأصلية. وقال الباحث المشارك في قيادة الدراسة، إيفان رودريغيز، الأستاذ في قسم علم الوراثة والتطور بجامعة جنيف، إن تسجيلات النشاط العصبي أظهرت استمرار أثر المعلومات الأولية طوال فترة الانتظار، رغم التغير المستمر في نشاط الخلايا العصبية. من جانبه، أوضح آلان كارلتون، الأستاذ في قسم علوم الأعصاب الأساسية بكلية الطب في الجامعة، أن النتائج تكشف أن السياج الدماغي لا يكتفي بالاستجابة للمعلومات الحسية، بل يسهم في الحفاظ عليها بصورة مؤقتة واستخدامها لتوجيه السلوك. وتكتسب هذه النتائج أهمية إضافية في ضوء ارتباط ضعف الذاكرة العاملة بعدد من الاضطرابات المعرفية والعصبية والنفسية، من بينها اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) والفصام، حيث قد يواجه المصابون صعوبات في الاحتفاظ بالمعلومات واستخدامها بكفاءة خلال أداء المهام اليومية. ويرى الباحثون أن تحديد الدوائر العصبية المسؤولة عن استمرار المعلومات في الدماغ يمثل خطوة مهمة لفهم كيفية حدوث الخلل في هذه الوظائف المعرفية، وقد يساعد مستقبلاً في تحديد آليات جديدة للتعامل مع الاضطرابات المرتبطة بها. ويتمثل التحدي البحثي المقبل في الكشف عن الكيفية التي يتواصل بها السياج الدماغي مع شبكات القشرة المخية، وكيف تسهم هذه التفاعلات في الحفاظ على دقة المعلومات المخزنة مؤقتاً. ورغم أن النتائج لا تزال مستندة إلى تجارب على الفئران، فإنها تقدم تصوراً جديداً عن واحدة من أكثر القدرات الذهنية أهمية في حياتنا اليومية، وتكشف أن الاحتفاظ بمعلومة لبضع ثوانٍ قد يعتمد على شبكة عصبية أكثر تعقيداً مما كان يُعتقد.

المصدر: البيان