شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

الاكتئاب... المرض الذي يسرق مذاق الحياة وبهجتها

الاكتئاب... المرض الذي يسرق مذاق الحياة وبهجتها

«كان لديَّ كلب أسود، اسمه الاكتئاب»... بهذه العبارة قدَّم الكاتب والرسام ماثيو جونستون، بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، فيلماً قصيراً يُصوِّر الاكتئاب كظلٍ ثقيل يُرافق الإنسان، يُزاحمه في فراشه وعمله وعلاقاته، ويحجب عنه متعة الحياة. غير أن الفيلم يفتح نافذة للأمل بالعلاج واستعادة البهجة. تذكَّرت الفيلم وأنا أتأمل أحوال أصدقاء عرفتهم لسنوات، مقبلين على الحياة، حاضري النكتة، محبين للمجالس، ثم بدأوا ينسحبون بهدوء. تقل اتصالاتهم، وتغيب ابتسامتهم، ويعتذرون عن اللقاءات. نسأل أحدهم عن صحته، فيجيب: «الحمد لله، تحاليلي سليمة». وقد تكون صحته الجسدية مقبولة، لكنه فقد شيئاً أثمن: متعة الحياة نفسها. خلال عقود من ممارسة الطب، أدركت أن بعض أشد أوجاع الإنسان لا تكشفها التحاليل والأشعة، وأن خلف الوجوه الهادئة معاناة صامتة وحزن كامن قد تغيب عن أقرب الناس. التقاعد الوظيفي... أم التقاعد عن الحياة؟ تزداد أهمية هذه القضية بعد الخمسين والستين، خصوصاً مع التقاعد وتغيُّر الأدوار الاجتماعية. فالإنسان الذي اعتاد المسؤولية والعمل قد يجد نفسه أمام فراغٍ طويل، تتراجع فيه علاقاته، ويهتز شعوره بأهميته. يتقبَّل البعض هذه التحوُّلات، لكن آخرين يفقدون الاهتمام والمتعة، فيفسِّر المحيطون ذلك بعبارة: «كبر الرجل، وما عاد له خاطر بشيء». وتحذِّر منظمة الصحة العالمية، في تقريرها عن الصحة النفسية لكبار السن، من أثر الوحدة والعزلة الاجتماعية، وتشير إلى أن نحو 15 في المئة ممن تجاوزوا السبعين يعيشون مع اضطرابات نفسية، من أبرزها الاكتئاب والقلق. وهي نسبة تستحق أن نتوقف عندها، وأن نُولي الصحة النفسية لآبائنا وأمهاتنا اهتماماً لا يقل عن اهتمامنا بالضغط والسكر وأمراض القلب. نحزن جميعاً لفقد عزيز أو خيبة، ثم نستعيد توازننا. أما الاكتئاب المرضي، فقد يستمر أسابيع أو أشهراً، ويؤثر في النوم والشهية والتركيز والطاقة والعلاقات. ومن أبرز مظاهره فقدان القدرة على الاستمتاع بالحياة أو بالأشياء. فقد يجلس الإنسان مع أحبائه، ويسافر إلى مكانٍ جميل، لكنه لا يشعر بالمتعة التي عرفها سابقاً، كأن ألوان أيامه بهتت من دون أن يتغيَّر المشهد من حوله. يؤكد المعهد الوطني الأميركي للشيخوخة أن الاكتئاب ليس جزءاً طبيعياً من الشيخوخة، فقد يظهر لدى كبار السن بصورة فتور وشكاوى جسدية، من دون حزن واضح. وتؤكد مراكز مكافحة الأمراض الأميركية أنه مرض قابل للعلاج، وأن اعتباره نتيجة حتمية للعُمر يحرم كثيرين فرصة العلاج والتحسُّن. تناولنا سابقاً دور الدوبامين في المتعة والحافز إلى الإنجاز، والتغيُّرات التي تطرأ عليه مع العُمر. وأعود اليوم لتأكيد أن فقدان الشغف لا يجوز تفسيره تلقائياً بالشيخوخة أو بانخفاض مادة كيميائية واحدة، فالاكتئاب تتداخل فيه عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية. وهنا تبرز أهمية جودة الحياة. فقد يطول عُمر الإنسان، لكنه يقضي سنواته الأخيرة بين عيادات القلب والسكري والكلى، أو محتاجاً إلى كرسي متحرك ومساعدة في أبسط شؤونه. هذه صورة لتراجع جودة الحياة البدنية. ولكن للنفس نصيب لا يقل أهمية: فقد يحتفظ الإنسان بقدرته على الحركة، لكنه يعيش بلا رغبة ولا لذة ولا طمأنينة. فما جدوى سنوات نُضيفها إلى العُمر إذا فقدت الأيام مذاقها؟ يربط البعض الاكتئاب بضعف الإيمان، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. لا خلاف على ما يمنحه الإيمان والذكر من طمأنينة، لكن اتهام كل مكتئب بضعف الإيمان يفتقر إلى الإنصاف والفهم الطبي. فالأطباء النفسيون يُعالجون أُناساً يتمتعون بإيمانٍ عميق، بينهم علماء وخطباء عُرفوا بالصلاح. فهل نشكك في إيمانهم لأنهم أُصيبوا بالاكتئاب؟ وكما يُصاب المؤمن بالسكري وأمراض القلب، قد يُصاب بالاكتئاب. والإيمان يعينه على مواجهة المرض، ولا يلغي حاجته إلى العلاج. راقبوا التغيُّرات في شخصية الأب أو الأم: الانسحاب من اللقاءات، وفقدان الاهتمام بالأحفاد والهوايات، واضطراب النوم والشهية، والتعب المتكرر، وسرعة الانفعال، وإهمال المظهر، وترديد عبارات، مثل: «لم يعد شيء يسعدني»، أو «ما لي خلق». قد تكون الصحة الجسدية مقبولة، لكن البهجة تختفي. إذا استمر فقدان المتعة أو انخفاض المزاج معظم الأيام لأسبوعين أو أكثر، ورافقته أعراض أخرى، فالأمر يستحق تقييماً طبياً، مع استبعاد الأمراض العضوية وتأثير الأدوية واضطرابات الذاكرة. أما الحديث عن الموت أو إيذاء النفس، فيستوجب تقييماً عاجلاً. وفي الكويت، قد تساعد الديوانية، مع الصُّحبة المريحة، على كسر العزلة والشعور بالمشاركة. إنها وسيلة للدعم الاجتماعي والنفسي، وقد تكون عاملاً مساعداً في التعافي، من دون أن تغني عن العلاج المتخصص. ولأمهاتنا أيضاً حق في الصُّحبة واللقاءات التي تكسر وحدتهن. هنا أصل إلى الرسالة التي دفعتني لكتابة المقال. أيها الابن، أيتها الابنة، إذا أردتما البر الحقيقي بوالديكما، فلا تكتفيا بالدواء والغذاء والمواعيد الطبية. انتبها إلى نفسيتهما وانسحابهما الهادئ من الحياة. قد تعيش والدتك بصحة جسدية مقبولة، لكنها لا تستمتع بيومها، وقد يجلس والدك بين أحفاده صامتاً فاقداً للشغف، ويظن الجميع أن هذا هو تقدُّم العُمر. لا تقبلوا التفسير بسهولة. اقتربوا منهما، واستمعوا من دون أحكام مسبقة، وساعدوهما على الوصول إلى استشارة نفسية متخصصة. فالعلاج النفسي، والأدوية عند الحاجة، قد يُعيدان إليهما جانباً مهماً من جودة الحياة. والمرض النفسي ليس وصمة عار، ومراجعة الطبيب النفسي لا تنتقص من كرامة الإنسان أو إيمانه. أخشى أن يقضي آباؤنا وأمهاتنا سنواتهم الأخيرة في اكتئاب صامت، ونحن نظن أننا أحسنَّا رعايتهم لأن تحاليلهم الطبية سليمة وأدويتهم متوافرة. فلا تكتفوا بإضافة سنوات إلى أعمارهم، ساعدوهم على استعادة بهجة الحياة في تلك السنوات.

المصدر: الجريدة