لماذا لا تُقلل اكتشافات الغاز المصرية فجوة الاستهلاك؟
أثار تكرار الإعلان عن اكتشافات جديدة للغاز في مصر تساؤلات بشأن عدم انعكاس ذلك على تراجع فجوة الاستهلاك وزيادة الإنتاج المحلي، في وقت تشكو فيه الحكومة من ارتفاع تكلفة الاستيراد من الخارج، بالتزامن مع إقدامها على تسوية مديونيات الشركات العاملة في مصر لتنشيط جهود التنقيب عن الغاز الطبيعي وغيره من المنتجات البترولية. وأعلنت وزارة البترول والثروة المعدنية، الجمعة، عن تحقيق نتائج إيجابية من حفر البئر الاستكشافية «نسيم-1X» للغاز الطبيعي بمنطقة «امتياز طيبة» في البحر المتوسط، مشيرةً إلى أن أعمال الحفر والتقييم المبدئي كشفت عن «وجود طبقة حاملة للغاز الطبيعي ذات خصائص بتروفيزيقية متميزة، مع تقديرات أولية تُشير إلى وجود نحو 200 مليار قدم مكعبة من الغاز الطبيعي في المكمن». وأظهرت نتائج التقييم المبدئي «وجود خصائص بتروفيزيقية متميزة في الصخور الحاملة للغاز، بسمك صافٍ للطبقة المنتجة يبلغ نحو 15 متراً بالعمق الرأسي الحقيقي»، وفق بيان لوزارة البترول المصرية. وتقع البئر الجديدة بمنطقة «امتياز طيبة»، التي تستثمر فيها شركة «إيني» الإيطالية بصفتها المشغّل الرئيسي، بالشراكة مع شركة «وودسايد» الأسترالية، فيما نفّذت شركة «بتروبل»، القائمة بالعمليات، أعمال حفر البئر نيابة عن الشركاء. وتعددت اكتشافات آبار الغاز الطبيعي خلال الأشهر الأخيرة، وكان أبرزها في أبريل (نيسان) الماضي، مع الإعلان عن اكتشاف حقل «دينيس غرب 1»، الذي حققته شركة «إيني» الإيطالية بمنطقة «امتياز تمساح» في البحر المتوسط، قبالة سواحل بورسعيد، وتُقدّر احتياطياته بنحو تريليوني قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، و130 مليون برميل من المكثفات. لكن في الوقت ذاته، سجل إنتاج مصر من الغاز تراجعاً جديداً خلال مايو (أيار) الماضي، وسط ارتفاع الواردات والاستهلاك، حسب «قاعدة بيانات الطاقة المشتركة (جودي)». وبلغ إنتاج مصر من الغاز الطبيعي 3.3 مليار متر مكعب خلال مايو الماضي، ليتراجع متوسط الإنتاج اليومي خلال الشهر إلى 3.74 مليار قدم مكعبة، بانخفاض نحو 1.2 في المائة عن أبريل، و7.5 في المائة على أساس سنوي. وخلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي، تراجع إنتاج الغاز في مصر بنسبة 8 في المائة على أساس سنوي، في حين ارتفع الاستهلاك بنسبة 7.3 في المائة. كما زادت واردات مصر من الغاز بنسبة 7 في المائة خلال مايو الماضي مقارنة بأبريل، لتسجل 2.33 مليار متر مكعب، وفق تقرير «قاعدة بيانات الطاقة»، الصادر في يوليو (تموز) الماضي. وفي إطار الإسراع بالاستفادة من نتائج الكشف الجديد، قالت وزارة البترول المصرية، في بيانها، إنه يجري «التخطيط لربط البئر بتسهيلات الإنتاج القائمة، من خلال تنفيذ خط لنقل الغاز بطول نحو 22 كيلومتراً، بما يُتيح الاستفادة من البنية التحتية المتاحة، ويختصر الوقت اللازم لوضع الكشف على خريطة الإنتاج، ويُسهم في دعم إنتاج مصر المحلي من الغاز الطبيعي». وأكدت وزارة البترول أن هذا الكشف يأتي في ضوء «تنامي أنشطة البحث والاستكشاف بمناطق الامتياز»، مدعوماً بتحسن «مناخ الاستثمار في قطاع البترول والغاز»، وما تحقق من «تسوية مستحقات شركاء الاستثمار، بما يُعزز ثقة الشركات العالمية، ويشجع على ضخ مزيد من الاستثمارات وتكثيف أعمال البحث عن موارد جديدة من البترول والغاز». ويرى أستاذ هندسة الطاقة والبترول بالجامعة الأميركية في القاهرة، الدكتور جمال القليوبي، أن عدم انعكاس اكتشافات الغاز الجديدة في مصر على معدلات الإنتاج، واستمرار فجوة الاستهلاك، يرجعان إلى أن هذه الاكتشافات تحتاج إلى وقت طويل قبل بدء تشغيلها. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «أي بئر بحرية تحتاج إلى نحو عام ونصف العام قبل دخولها مرحلة الإنتاج، إذ تتطلب عدداً من الأعمال الفنية، منها إنشاء الرصيف البحري وربطه بالبئر في قاع البحر، وإنشاء خط الضخ، إلى جانب عدد من التفاصيل الفنية والأعمال الإنشائية». وحسب القليوبي، فإن «دخول الآبار الموجودة في الصحراء حيّز الإنتاج يستغرق ما بين 3 و5 أشهر». وفي خطوة تهدف إلى تعزيز أنشطة البحث والاستكشاف وفتح آفاق جديدة للاستثمار في قطاع البترول والغاز، وقّعت وزارة البترول المصرية، الخميس، اتفاقية مع شركة «أرديسيز» لتنفيذ برنامج موسع للمسح السيزمي ثنائي الأبعاد في عدد من مناطق الامتياز بالصحراء الغربية، يُغطي مساحة تصل إلى 110 آلاف كيلومتر مربع، بما يُعادل نحو 11 في المائة من إجمالي مساحة جمهورية مصر العربية، حسب بيان الوزارة. وفي يونيو (حزيران) الماضي، أعلنت الحكومة إنهاء ملف المستحقات المتأخرة لشركاء الاستثمار في إنتاج البترول والغاز بشكل كامل، بعدما بلغت نحو 6.1 مليار دولار في يونيو 2024. وقال وزير البترول، كريم بدوي، حينها، إن هذه الخطوة «تُمهد الطريق أمام مرحلة أكثر نشاطاً في أعمال البحث والاستكشاف وتنمية الحقول، والإسراع في تنفيذ المشروعات الإنتاجية». ويعتقد الخبير الاقتصادي، الدكتور وائل النحاس، أن استمرار فجوة الاستهلاك يرجع إلى تباطؤ اكتشافات الغاز في مصر. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «تباطؤ اكتشافات الغاز يرجع إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج، إذ يتطلب دخول البئر مرحلة الإنتاج استثمارات كبيرة، ما كان يؤدي إلى تأجيل العمل على الاكتشافات الجديدة». وأضاف أن «السعر العالمي للغاز يؤثر أيضاً في وتيرة الاكتشافات المحلية، إذ تكون تكلفة استيراد الغاز في بعض الفترات أقل من تكلفة إنتاجه محلياً».
المصدر: الشرق الأوسط