شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

فنان الخط العربي مصطفى خضير يترك فرشاته ويغادر

فنان الخط العربي مصطفى خضير يترك فرشاته ويغادر

رحل صباح الجمعة الخطاط والفنان المصري الدكتور مصطفى خضير البورسعيدي، عن عمر ناهز 77 عاماً، مخلفاً حالة من الحزن في الأوساط الثقافية والفنية، وبين محبي هذا الفن وأبناء المدينة التي حمل اسمها وارتبط بذاكرتها. وترك الراحل وراءه تجربة فنية وتعليمية ثرية ارتبطت بفن الخط العربي، وامتدت من مدينته بورسعيد (شمال مصر) إلى منصات فنية وثقافية محلية ودولية. وعلى امتداد مسيرته، تعامل خضير مع الحرف العربي بوصفه إرثاً حضارياً وجمالياً تتجاوز قيمته حدود الكتابة؛ فكرس موهبته لاستكشاف طاقاته التشكيلية، وإبراز ما يختزنه من جماليات، ونقل أسرار هذا الفن العريق إلى أجيال من التلاميذ ومحبيه، ليترك بصمة تجمع بين الإبداع الفني والعطاء التعليمي. ويقول الفنان إبراهيم بدر مدير إدارة الخطوط بالتلفزيون المصري وصديق الفنان الراحل: «لم يكن مصطفى خضير اسماً عابراً في عائلة ارتبط تاريخها بالخط العربي، ولا مجرد امتداد لتجربة فنية عريقة؛ فقد استطاع أن يصوغ لنفسه حضوراً خاصاً، مستنداً إلى معرفة دقيقة بأصول الكتابة العربية، وموهبة في تطويع الحروف داخل تكوينات فنية تجمع بين جماليات الخط والزخرفة». وولد مصطفى خضير في بورسعيد في الأول من سبتمبر (أيلول) عام 1949، ونشأ في بيت تشكلت ملامحه حول الفن، وتعلم أصول الخط العربي على يد شقيقه الأكبر شيخ الخطاطين مسعد خضير، الذي يعد أحد أبرز رموز هذا الفن في مصر، وحصل على جائزة الدولة التقديرية، وأسهم في تأسيس مدارس خضير البورسعيدي التي امتدت أنشطتها إلى محافظات عدة. و«كان انتماء مصطفى إلى هذه الأسرة الفنية مسؤولية بقدر ما كان امتداداً لتراثها؛ فقد حمل اسم (خضير) الذي يحظى بمكانة خاصة في بورسعيد، لكنه حرص على أن يضيف إلى تاريخ العائلة تجربته وإسهاماته، من خلال مسار جمع بين الممارسة الفنية والتعليم والمشاركة في المحافل المتخصصة» بحسب بدر. و تابع: «تضم الأسرة عدداً كبيراً من الفنانين الذين توارثوا الاهتمام بالخط والتشكيل والنحت عبر أجيال متعاقبة، وهو ما منح البيئة التي نشأ فيها الفنان خصوصية انعكست على تكوينه ورؤيته». ويستعيد الفنان إبراهيم بدر ملامح هذه التجربة من زاويتين متداخلتين، فنية وإنسانية، قائلاً إن مصطفى خضير كان من الخطاطين الذين أتقنوا التعامل مع مختلف أنواع الخطوط، وامتلك قدرة لافتة على الانتقال بينها من دون أن يفقد خصوصية أسلوبه. ويشير بدر إلى أن الراحل كان ينظر إلى الخط العربي باعتباره فناً مركزياً في الثقافة البصرية العربية، لما ارتبط به تاريخياً من زخرفة المساجد والقصور، وكتابة المخطوطات والكتب، ونسخ المصاحف. وكان يؤمن بأن هذا الفن يستحق مكانة رفيعة بين الفنون، لما يجمعه من دقة تشكيلية وثراء روحي وتاريخي، وهي رؤية انعكست على أعماله التي تعامل فيها مع الحرف بوصفه عنصراً جمالياً قادراً على بناء لوحة متكاملة. وفي أعماله برز اهتمام خاص بالخط الفارسي والديواني، إلى جانب خط الثلث، وهي أنماط تتطلب معرفة عميقة بتوازن الحروف والنسب والتكوينات، وقدرة على ابتكار علاقات بصرية لا تفقد النص وضوحه. وكانت الزخارف الإسلامية والعربية والفارسية حاضرة في كثير من أعماله، تتداخل مع الكتابة وتحيط بها في تناغم لوني وتشكيل مدروس. واستخدم الفنان الراحل الأحبار والألوان الذهبية والجواش، مستفيداً من تنوع الخامات في إثراء السطح التشكيلي، مع ميل إلى الألوان الهادئة والمبهجة، ومن بينها درجات الأخضر والفيروزي والأبيض. وقد منحت هذه الاختيارات أعماله طابعاً بصرياً يتسم بالصفاء، ويكشف عن حساسية في التعامل مع اللون لا تقل أهمية عن مهارته في رسم الحروف. أما عن الجانب الإنساني فيشير إليه صديق الفنان الراحل قائلاً: «أطلقت عليه لقب حبيب الملايين؛ لأنه كان بالفعل قريباً من الناس، وفناناً كبيراً يستحق هذا اللقب. لقد فقدنا قيمة وقامة فنية مهمة في مصر والمنطقة العربية». و لم يقتصر اهتمامه على الخط العربي بمعناه التقليدي، بل امتد إلى الموروث الشعبي للمدينة، وفي مقدمته دمية «اللمبي» التي ارتبطت بذاكرتها منذ عام 1917، بوصفها رمزاً للسخرية من الوجود البريطاني وممارساته الاستعمارية. وبالتعاون مع شقيقه الفنان التشكيلي محسن خضير أسهم مصطفى في تطوير هذا التقليد، عبر ابتكار دمى تجسد شخصيات وأحداثاً وظواهر شغلت الرأي العام، وتقديمها في عروض ساخرة تحمل دلالات نقدية واجتماعية. وعلى امتداد مسيرته، ظل التعليم أحد أهم المسارات التي منحها الراحل اهتماماً خاصاً؛ فقد عمل مدرساً للخط العربي في مدارس بورسعيد ودمياط، وشارك في تقديم المحاضرات والورش الفنية في عدد من المؤسسات التعليمية. كما امتدت خبرته إلى المملكة العربية السعودية، حيث حاضر وقدم خبراته في مدارس ومؤسسات فنية بمكة المكرمة، ولم يكن يتعامل مع نقل المعرفة باعتباره واجباً مهنياً فحسب، بل كان يراه امتداداً طبيعياً لعلاقته بالفن، ووسيلة لضمان استمرار هذا التراث. وشارك مصطفى خضير في عدد من المحافل الفنية المحلية والدولية، من بينها ملتقى مجمع الملك فهد لأشهر خطاطي المصحف الشريف عام 2011، ومهرجان تلمسان الدولي بالجزائر، وملتقى الشارقة للخط العربي. وأقام معارض في بورسعيد والإسماعيلية والشرقية والعريش والقاهرة، وقدم أعماله في دار الأوبرا المصرية، إلى جانب وجود مقتنيات فنية له في مؤسسات ثقافية بالمملكة العربية السعودية. وحظيت تجربته بتقدير في الأوساط المعنية بالخط العربي في العالم العربي، وكان من أبرز محطات هذا التقدير تكريمه في احتفالية أقيمت بمكة المكرمة، وهي جائزة ظل يعتز بها، لارتباطها بالمكانة الروحية للمدينة المقدسة.

المصدر: الشرق الأوسط